ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم ‏يعمهون

1

الإشكال الحقيقي الذي يقع فيه البعض، بعد أن ينبهروا بالأدلة العقلية ‏الساطعة فيتحمسوا للتصديق والإيمان، هو ظنهم بأن هذه الأدلة العقلية هي ‏التي كانت السبب في إيمانهم. ولكنهم سيكتشفون ولو بعد حين أن هنالك ‏أمورا تفوق عقولهم وقدرتهم على المحاكمة – رغم تباينها واختلافها من ‏شخص إلى آخر- بل تتصادم مع مسلَّماتهم التي صنعوها، فينشأ الصراع ‏العقلي وتبدأ الوساوس.‏

وعند هذه النقطة سيبدأ هؤلاء بالاندفاع نحو طلب الآيات أو محاولة النظر في ‏الآيات الموجودة سلفا بعد أن وجدوا أن العقل لم يسعفهم، ولكنهم أيضا ‏سيكتشفون أن الآيات لن تروي غليلهم ولن تدفع وساوسهم، وسيبقى فيها ‏جوانب مخفية تتيح المجال للتشكيك فيها، فيقع هؤلاء في دوامة هائلة تسبب ‏لهم قلقا واضطرابا بالغا وظمأ أشد من السابق، فتبدأ نفوسهم بالصراخ ‏والعويل طالبة راحتها وسكينتها وطمأنينتها.‏

هذه الحالة من الاضطراب والقلق هي حالة فطرية لو وجِّهت توجيها صحيحا ‏فإنها ستجلب السكينة والطمأنينة وتؤدي إلى الإيمان وتثبيته وتقويته، وهذا ‏التوجيه الصحيح ليس سوى أن يدرك الإنسان ضعفه وعجزه، ويقرَّ بأنه لا ‏حول له ولا قوة، ثم يخرَّ على عتبات الله مستدرا رحمته، فعندئذ ستتحرك ‏الربوبية لإغاثة العبودية ويتجلى الله تعالى لعبده راويا ظمأه العقلي والنفسي، ‏فتتنور الأبصار بعد أن يدركها الله تعالى ويلمع العقل وتصفو النفس. ثم يجد ‏المؤمن نفسه مصرا على أن يحافظ على هذه الحالة ويسعى لزيادتها لأنه ‏سيدرك أن فيها راحته وطمأنينته وفلاحه في الدنيا والدين. وهذا هو الطريق ‏الذي اختطه الله تعالى للوصول إليه.‏

أما إذا لم توجه حالة القلق والاضطراب هذه توجيها صحيحا فستقود إلى ‏الردة وإلى الكفر والإلحاد، بل إلى معارضة الحق والأنبياء بشدة ومعاداتهم ‏والتورط في جرائم ضدهم والافتراء عليهم؛ إذ يقع الإنسان حينها في قبضة ‏الشيطان ويصبح حاله أسوأ بكثير من حال الكافر الذي لم يؤمن يوما! وهذا ‏ليس إلا عقوبة من الله تعالى على كبر وأنانية وغرور لم يدفعا العبد للسجود ‏لله تعالى طالبا منه المعونة، وهذا سيكون صفعة لعقله الناقص الذي يعتز به ‏والذي اتخذه إلها من دون الله. وسرعان ما سيتبين أيضا أن هذا الشخص ‏سيتورط في أفهام وأوهام سخيفة لا يقبلها عاقل، ليرى ذلك الشخص ويرى ‏غيره أن عقله الذي خلق لديه هذه الوساوس لم يتلمَّس طريق الحق في يوم ‏من الأيام إلا بفضل الله تعالى، وأنه لو غادره نور الله فسيصبح مظلما ‏ككهف متعفن، وهذا لأن الله تعالى يعرض عمن يعرض عنه، ويغار ‏لوحدانيته، وقد تأذَّن ليقضين على كل وثن باطل يعبد من دونه.‏

وتسجيلا لهذه الحالة وتوضيحا لها يقول تعالى عن هؤلاء:‏

‏{وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ ‏يَعْمَهُونَ * وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ ‏شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ * وَكَذَلِكَ ‏جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ ‏الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ‏الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ } (الأَنعام 111-‏‏114)‏

فهؤلاء الذين اغتروا بعقولهم ولم يخضعوا لله تعالى ولم يطلبوه بالخضوع ‏والانكسار والمجاهدة والعبادات ستتقلب قلوبهم ثم أبصارهم حتى يجدوا أنهم لم ‏يعودوا يؤمنون بما قد آمنوا به من قبل من دلائل عقلية ظنوا أنها كان سبب ‏الهداية. ثم إذا توجهوا للآيات فلن يجدوا أن الآيات مهما كانت جلية ستولد ‏في قلوبهم السكينة والطمأنينة، فما كان لنفس أن تؤمن في الحقيقة إلا بإذن ‏الله وبمشيئته ولكنهم يجهلون هذه الحقيقة. ثم بعد ذلك عندما يرفضون ‏الخضوع والانصياع لن يتركوا جماعة المؤمنين فحسب بل سيصبحون أعداء ‏الحق والأنبياء وسيتحالفون فيما بينهم صغيرهم وكبيرهم مغترين بأنفسهم ‏وغارِّين غيرهم مقترفين الافتراء والكذب، ثم بعد ذلك سيجدون أنهم يكفرون ‏بالآخرة، ثم يكفرون بالله ويلحدون، وهذا هو مصيرهم النهائي المحتوم.‏

لذلك، فلا عجب أن نرى شخصا قد انخرط في جماعة المؤمنين وأبدى حماسا ‏لفترة من الوقت، قد تمتد لسنوات، ثم بعد ذلك انقلب على عقبيه وأخذ ‏يهاجم ما كان يؤمن به أول مرة. فهذه حالة معروفة، وهي مصير كل متكبر ‏مغرور لم يخضع لله تعالى ولم يخرَّ على عتباته. وما لم يدرك كل مؤمن أن واجبه ‏أن يتوب إلى الله تعالى وأن يبقى خاضعا ساجدا على عتبات الله فهو ليس ‏في مأمن أيضا. وقد شاهدت مرارا أن الذي يتشدق بأن إيمانه راسخ لا يزلزله ‏شيء بناء على قناعاته المزعومة، والذي لا يذكر فضل الله تعالى عليه ومنته ‏بأن هداه للإيمان، والذي لا يعي هذه الحقيقة ولا يفهمها ولا يبقى خائفا ‏دوما من سوء العاقبة، فإنه كثيرا ما تكون عاقبته سيئة.‏

لذلك ما أحوجنا إلى الدعاء الذين كان من أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ألا وهو:‏

‏”يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك”‏

—————–

رابط المقالة في موقع “بساط أحمدي”

https://wp.me/pa2lnY-2r9

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *