استمعت إلى مقطع يتحدث فيه أحد الدعاة المسيحيين المشهورين والذي يشرح فيه التوحيد في المسيحية فيقول:

“الله واحد لا شريك له.. الله واحد بكل معنى كلمة الوحدانية.. ولكن نَزِّه هذه الوحدانية عن الشبه بوحدانيتنا.. وعمِّقْ المفهوم في وحدانيتنا على حقيقته حتى تراها أنها ليست وحدانية مطلقة.. ما فيش وحدانية مطلقة..

ووحدانية الله هي الوحدانية الجامعة المانعة.. الجامعة لكل ما يجعل الله مستغنيا بذاته عن كل خلائقه، والمانعة لقبول أي معادل أو مشارك أو مماثل يدخل للجوهر الإلهي.. الجوهر الإلهي مغلق على الله! لأنه لا إله إلا الله، لا إله آخر مع الله، فمانعة لدخول شريك، بس جامعة في داخلها لكل ما يلزمها ليكون الله هو الله.”

وإذا تأملنا فيما يقول فسنجد أنه يقول بأمور عجيبة ومتناقضة فيما بينها، ويحاول أن يتلاعب بالكلمات لتبدو مقنعة دون جدوى. وعلى كل حال فإن هذا التعريف العجيب ليس له أثر في الأناجيل ولا في العهد الجديد من الكتاب المقدس بكامله.

والطريف أنه استخدم التعبير العربي، الذي نصف به التعريف الدقيق لأي شيء، بأن نقول أنه تعريف “جامع مانع” ليخرج بعد ذلك بهذا التعريف العجيب، الذي لم يسمع به أي من علماء اللاهوت ومن المنظرين للمسيحية من غير العرب أو يمكن أن يفهموا المقصود منه.

وعلى كل حال، فإن معنى كلامه، هو أن الذات الإلهية تجمع كيانات (ويقصد الأقانيم الثلاثة وهي الآب والابن والروح القدس) لكي يكون الله مستغنيا عن خلائقه، فلذلك فإن هذه الوحدانية جامعة!!

ثم يقول بأنها مانعة؛ أي تمنع من دخول شريك لـ “الجوهر الإلهي” لأن الجوهر الإلهي مغلق على الله!!

أي يقول بأن الله متعدد في ذاته ومركَّب من أقانيم ثلاثة مشتركة وجودها ضروري لكي “تجعله مستغنيا عن خلائقه”، وهذا الكيان المركب يمنع من دخول إقنوم جديد إلى هذا الجوهر. ولكن كيف يمنع؟ هل هي طبيعته أي ليست هناك إمكانية وجود الشريك الجديد أصلا؟ أم أن هذا القرار قد اتخذه مجلس الأقانيم الثلاثة لكي لا يدخل معهم شريك جديد؟ الخلاصة بأنه يقول إن ذات الإله متعددة ويشترك فيها ثلاثة أقانيم، ولكن لا زيادة على ذلك من الآن فصاعدا.

ثم يقول متماديا في التكلُّف؛ إن هذه الوحدانية لله الواحد الذي لا شريك له، والتي تقتضي هذا الإشراك في ذاته، تجعله منزها عن وحدانيتنا! وهذا التنزيه العجيب ضروري لكي لا تكون وحدانيتنا كوحدانية الله من وجهة نظره! أي أننا نحن يمكن أن يكون كل واحد فينا كيانا واحدا، ولكن هذا لا يليق بالله، فالله من غير المعقول أن يكون كيانا واحدا كمثلنا بل لا بد أن يكون جماعة واحدة!!.. ثم يقدم جملة غامضة يقول فيها إننا أيضا لو تعمقنا فسنكتشف أن وحدانيتنا ليست وحدانية مطلقة! ما فيش وحدانية مطلقة!!! أي لا تظن يا أيها المستمع أنك واحد، فأنت لست واحدا أيضا لو تعمقت في فهم وحدانيتك!! أي لا يوجد وحدانية فردية، وإنما الوحدانية هي وحدانية جماعة دائما!! هذا ما يقتضيه كلامه.. ولا تفسير آخر له..

ثم قال إنه لا بد أن يجمع هذه الجماعة في ذاته لكي يكتمل ويكون مستغنيا عن خلائقه!!

ولو قبلنا بهذا جدلا؛ فلماذا كان محتاجا لخلق المسيح الإنسان ليتجسد فيه؟ ولماذا احتاج إلى رحم مريم ليولد منه في “ناسوته”؟

ولن يخفى على عاقل أن كل هذا الكلام إنما هو محاولة مستحدثة لإخفاء حقيقة أن المسيحية المستحدثة تؤمن بثلاثة آلهة، خجلا على ما يبدو. مع أن المسيحية عندما صاغت ذلك في البداية قدمته بكل وضوح دون خجل، وذلك عندما صاغت عقيدة الثالوث في مجمع نيقية عام 325م، وغازلت فيه الوثنية الرومانية التي كانت تؤمن بالآلهة المتعددة. وهذا الخجل ومحاولة التماهي مع عقيدة الإسلام مرجعه قوة عقيدة التوحيد التي قدمها الإسلام، والتي أجبرت حتى الهندوسية على محاولة التماهي معها في القول بالتوحيد، بل وأثرت أيضا في الفلسفات الغربية الحديثة التي لم تعد تقبل فكرة الآلهة المتعددة حتى في نظرياتها الإلحادية المتنوعة.

أما الوحدانية في الإسلام فهي بسيطة لدرجة أن الله تعالى قد اختزلها في سورة واحدة هي إحدى أقصر سورتين في القرآن الكريم:

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (2) اللَّهُ الصَّمَدُ (3) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (4) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (5)} (الإِخلَاص 2-5)

فالله ليس واحدا فحسب؛ لأن الواحد يمكن أن يكون له ثانٍ وثالث، ولكنه أحد؛ أي لا ثاني له.

والله الصمد؛ أي القائم بذاته، والذي تقوم عليه حياة المخلوقات وديمومتها؛ أي الحي القيوم، الذي هو مرجع الخلائق، والذي يحتاجه كل شيء ولا يحتاج إلى شيء.

وهذا الإله لم يلد ولم يولد، فلا هو أب ولا هو ابن.

وليس له كفوا؛ والتي من أهم معانيها ليس له زوجة تكافئه فيتزوج بها. كما أنه ليس هناك ما يكافئه أو يمكن أن يكافئه، لا أنه يمنع هذا بقرار منه.

فهذا هو التعريف الجامع المانع، البسيط، الذي لا يحتاج إلى مزيد من الشرح، بخلاف ما تجهد العقائد المسيحية نفسها في محاولة إثباته دون جدوى. والعجيب أن القرآن الكريم قد تنبأ بهذا التناقض العجيب، وبهذا القول الذي يقولونه قبل أن يصدر ويروَّج له؛ حيث قال تعالى:

{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ} (المائدة 74)

أي هم يقولون بالتثليث ويقول بالوحدانية معا!

وقد ظن بعض علماء القرآن الكريم أن هذا القول المتناقض لا يمكن أن يصدر، فوضعوا علامة الوقوف اللازم بعد “ثلاثة”، وكأن الجملة التي تلي هي قول الله تعالى وليس قولهم؛ ومع أن هذا وارد أيضا، إلا أن المعنى الأقوى هو أن الله تعالى قد أخبر عن ذلك التناقض الذي يقعون فيه اليوم ويرددونه، ويحاولون إقناع الناس به عبثا.

على كل حال، إن مسألة الوحدانية تتجاوز مجرد الإقرار بأن الله واحد، مهما كان هذا التعريف صحيحا أو راقيا، لأن معرفة أن الله واحد حقيقة يعرفها الشيطان ولكنه لم يستفد منها شيئا. إن التوحيد الإلهي ضروري لإخلاص العبودية لله تعالى، وله آثار هامة جدا على فكر وسلوك المرء، وهذا ما سيتضح في مقالات أخرى إن شاء الله تعالى.

(ملاحظة: رابط مقطع الفيديو في التعليق الأول)

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *