كورونا وباء عالمي نشره الله تعالى وفقا لسنته؛ إذ من سنته أنه يرسل الوباء والبلاء المتنوِّع للبشر لتذكيرهم به عند غفلتهم عنه، ولكي يدركوا عجزهم وضعفهم أمام أصغر مخلوقات الله تعالى، ويدركوا أن حياتهم هشه لا تقوم إلا بوقاية الله تعالى وحمايته؛ إذ تحيط بهم أسباب الموت والهلاك من كل مكان. والحقيقة التي لا يعلمها كثير من الناس أن استمرار بقائهم رغم هذه الأسباب المهلكة العديدة إنما هو آية لا يدركها إلا العالمون. يقول الله تعالى مذكِّرا بهذه الآية:
{سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ * لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ } (الرعد 11-12)
فالمعقِّبات الحافظة إنما هي آية عظيمة لعلهم يتفكرون، فإذا رفع الله حمايته وحفاظته، وسمح لهذه الأسباب أن تفتك، داهمهم الموت، الذي قد يكون على يد أصغر مخلوقاته.
ومن ناحية ثانية، فإن ازدياد وتيرة الأوبئة والأسقام كان دوما سُنَّة مصاحبة لبعثة الأنبياء؛ إذ كان الله تعالى يرسل الأسقام والأمراض والأوبئة بين يدي الرسل، عذابا للأقوام على سيئاتهم المتنوعة التي تكون من المسببات المادية الرئيسة والمباشرة للأمراض، أو عذابا على غفلتهم لتذكيرهم بحاجتهم إلى الله تعالى، وعجزهم وضعفهم. وفتكها بعموم الناس ليس فيه ظلم ولا هضم للناس، بل هي نتائج طبيعة للسيئات، والتي منها الممارسات الخاطئة من المأكل والملبس وعدم مراعاة النظافة والطهارة وارتكاب الفواحش. والهدف من ذلك إنما هو التوجيه لهذه البعثة ودفعهم للتضرُّع إلى الله تعالى. يقول تعالى:
{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} (الأَعراف 95)
ويقول تعالى إن العذاب عموما عندما يحيط بالبشر، سواء كان مرضا أو غيره، فإنما هو علامة على أن الله تعالى قد بعث رسولا لهم مسبقا، لكي ينقذهم منه، وأنهم بغفلتهم عنه أو تكذيبهم له ينالهم ما ينالهم:
{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } (الإسراء 16)
فمن الخطأ الفادح الظن أن الأوبئة والأمراض تنتشر هكذا دون هدف أو غاية، وأنها مجرد هجمات عشوائية لا تحمل أي رسالة.
وإلى جانب السنة العامة في الأوبئة وعلاقتها بالسيئات وببعثة الأنبياء، فهنالك سنة خاصة أيضا للأوبئة تأتي بعد إنذار إلهي مباشر من النبي أو المبعوث، كبقية أنواع العذاب الأخرى، كما حدث مع قوم فرعون في زمن موسى عليه السلام، وكما حلَّ باليهود أنفسهم لعصيانهم موسى عليه السلام، وما حلَّ بهم بعد بعثة عيسى عليه السلام. والأهم في هذا النوع من العذاب، وفي العذاب الإلهي الذي كان ينزل خاصة لنصرة الأنبياء، وينبئون عنه بشكل مخصص مسبقا، أنه كان مناسبة لتعريف الناس بالله تعالى وإشهادهم على وجوده؛ إذ كان يهلك المكذبين الظالمين وينجِّي المؤمنين ويحفظهم حفاظة خاصة فيدرك الناس أن الله موجود وقدير. وقصص الأنبياء في القرآن الكريم تبين كيف أن الله قد نجَّى المؤمنين من العذاب بصورة إعجازية وأهلك الكافرين، ومن أبرز القصص كانت قصة نوح عليه السلام وصناعته الفُلْك مسبقا بأعين الله ووحيه.
وبفهم ما سبق، لا بد من التمييز بين ثلاثة أمور؛ (1) وهي الوباء كبلاء عام يمكن أن يصيب الناس في أي وقت لغاية تذكير الناس بالله تعالى عموما، والذي لا يكون متواترا ويكون متباعدا نوعا ما (2) والوباء كآية هلاك خاصة للمكذبين الظالمين يظهرها الله تعالى للنبي في حياته وينبئ عنها النبي مسبقا (3) وزيادة وتيرة الوباء العام وشدة فتكه وانتشاره على فترات قصيرة كعلامة على بعثة نبي مسبقا سواء في حياته أو بعد وفاته. ومن المهم والأبرز في هذه الحالات الثلاث كلها إنما هو النجاة الإعجازية للمؤمنين بصورة لا لبس فيها – سواء في العذاب الخاص أو العام – تكون آية من الله تعالى ومرشدا للناس ليعرفوا ما هو طريق الحق والهداية، ومن هي الفرقة الناجية من العذاب في الدنيا، والتي الالتحاق بها ينجي من عذاب الآخرة أيضا.
وفي حياة المسيح الموعود عليه السلام أرسل الله تعالى الطاعون كآية عذاب خاصة في الهند، وكان حضرته قد أنبأ عنها مسبقا قبل أربع سنوات من التفشي، بل كان الله تعالى قد ألهمه أن يدعو دعاء كدعاء نوح عليه السلام، بعد أن طغى الفسق المبيد، قبل تفشي الوباء بما لا يقل عن سبع سنوات، وذلك في عام 1893، وهذا ما سجله في بيت شعر بالعربية:
فلما طغى الفسق المبيد بسيله.. تمنيت لو كان الوباء المتبِّرُ
وهذا كان بتحريك الله تعالى وبما يوافق رضاه، إذ أن طبيعة الأنبياء والمبعوثين أنهم لا يرجون العذاب، ولكنهم عندما يشعرون بأن مشيئة الله تعالى تريد ذلك يدعون له موافقةً لأمر الله تعالى وقضائه. فنوح عليه السلام قال:
{ وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا * رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا } (نوح 27-29)
فنوح عليه السلام قد طلب عذابا متبِّرا لا يبقي للظالمين باقية ولا يزيدهم إلا تبارا. وعلى هذه السنَّة كان الطاعون في زمن المسيح الموعود عليه السلام، وتأكيدا على أن هذا كان وفقا لهذه السنة فقد أوحى الله لحضرته بصناعة فلك أو سفينة روحانية كسفينة نوح وأن يأمر المسلمين الأحمديين بركوب متنها، ووعده بالحماية والوقاية الخاصة للمؤمنين في تلك السفينة، والتي سماها بداره الروحانية أيضا. ولأجل ذلك كتب حضرته كتابا سماه “سفينة نوح” ذكَّر فيه بالعذاب وكيف أن الله تعالى قد أنزله وفقا لسنته، وقدَّم تعليما للجماعة يرتكز على الالتزام بالإيمان والتقوى والالتزام بالجماعة، وأن هذا هو السبيل لركوب هذه السفينة. وبالفعل فقد تحقق الوعد، ونجَّى الله الأحمديين بصورة إعجازية، وكانت آية أدت إلى دخول مئات الألوف في الجماعة في حينه لما رأوا من آيات الحفاظة الخاصة للأحمديين، وسماهم حضرته على سبيل الطرفة في ذلك الحين بالطاعونيين. وهذه وقائع تاريخية موثقة بالكتب والجرائد وبالتواتر في حينه بما لا يقبل أي مجال للشك، وذريات هؤلاء ما زالت موجودة، ويذكرون قصص أجدادهم مع هذا الوباء، وكيف هداهم الله برؤية الآيات.
وقد بيَّن حضرته أن لهذا الطاعون، الذي ظهر في صورته الحرفية في وقته، أشكالا أخرى ستظهر في أوبئة متنوعة شبيهة بالطاعون أو في أمراض غير وبائية ستستمر بالفتك بمئات الملايين من البشر، وأن هذا سيستمر من بعده إلى سنوات طويلة، ليكون موافقا للسنَّة العامة التي هي سُنَّة زيادة وتيرة الأوبئة والأمراض والهلاك التي تكون مصاحبة ولاحقة لبعثة الأنبياء والمبعوثين توجيها للناس إلى الله تعالى ولكي يصدقوهم ويلتحقوا بالوقاية والحماية الخاصة التي وعدها الله تعالى للمؤمنين. ولكنها ليست ذلك الطاعون الخاص الذي أنبأ الله به المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام الذي هو السنة الخاصة بالعذاب الذي ينبئ عنه النبي في حياته.
ولكن، من المهم هنا التأكيد، أن الوقاية والحماية الخاصة بالمؤمنين لا تعني أنهم لن يصيبهم الوباء مطلقا، وسيكون كل فرد منهم محميا! بل إن الخطر يتهدد كل شخص ليس على سوية جيدة من الإيمان والتقوى، وممن لا يعدُّهم الله تعالى من جماعة المؤمنين حقا، وإن كانوا ينتمون إليها بالاسم. وكذلك هنالك هامش بسيط أيضا للذين سيهلكون رغم أنهم يتحلون بالإيمان والتقوى، بل قد يكونون من كبار المتقين، ولكنها لن تهلك من هم على الدرجة الأعلى من الإيمان والتقوى كما لم تُهلك في السابق نبيا أو خليفة. وقد بيَّن المسيح الموعود عليه السلام هذه السنة؛ بأن الطاعون الذي انتشر في بلاد الشام باسم “طاعون عمواس” قد هلك به من كبار الصحابة كمثل أبي عبيده عامر بن الجراح رضي الله عنه، الذي كان من العشرة المبشرين بالجنة، ولكنه بالطبع لم يفتك بأبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي. وقد ضرب مثلا أيضا لتوضيح هذه السنة هو أن الحروب كان هدفها عذاب المشركين، كانت تؤدي إلى هلاك عدد قليل من المؤمنين أيضا. ولهذا فقد هلك في بدر كبار صناديد قريش، وكذلك استشهد أيضا عدد قليل من الصحابة، ولم يستشهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الخلفاء فيها. فاستشهاد الهامش القليل من الصحابة، بل ممن هم من كبار الصحابة أحيانا، لا يعني أنهم قد نالهم هذا العذاب الذي هو مخصص للكافرين! بل نالوا الشهادة والإكرام في الدنيا والآخرة. ولكن الله تعالى لم يشأ أن يهلك بالعذاب الذي هو مخصص للكافرين نبي أو خليفة. لكيلا يلتبس الأمر على الناس. وهذا لا يعني أن الأنبياء والخلفاء لن يموتوا بالأمراض، ولكنهم لن يموتوا بمرض أعلن عنه أنه عذاب إلهي بصورة واضحة.
ونستطيع القول الآن أننا نعيش الجانب الثالث من جوانب العذاب الإلهي العام الذي يبعثه الله تعالى، والذي كان تفشي وباء فيروس الكورونا أحد مظاهره أخيرا. فقد أنبأ الله تعالى المسيح الموعود عليه السلام في 2 آذار 1900:
“الأمراض تشاع، والنفوس تضاع” (التذكرة)
وكان هذا في صدر القرن العشرين الذي كان قرن الأوبئة والجائحات بامتياز كالطواعين والإنفلونزا والكوليرا والجدري والحصبة والإيدز وإيبولا وغيرها، وقرن ظهور العديد من الأمراض الفتاكة كالسرطانات وأمراض القلب والسكري وغيرها، والتي فتكت بمئات الملايين من البشر. ويستطيع كل شخص أن يرجع للمراجع في الشبكة العالمية وغيرها ليرى أن ما يزيد على 60 بالمائة من الموتى من ذلك الحين إلى هذا اليوم قد فتكت بهم هذه الأمراض. ورغم أن القرن وما بعده قد شهد زيادة سكانية هائلة وتحسنا في الصحة العامة، إلا أن الموت والهلاك بالأوبئة والأمراض المتنوعة كان متصاعدا أيضا، وكان العالم ولا يزال في سباق بينه وبين الأمراض ومسبباتها من جراثيم وفيروسات وأسباب أخرى غير معلومة، وما زالت الأوبئة تطور نفسها وتتغلب على مراكز البحث، رغم أنها كائنات دقيقة جدا أو أسباب خفية لا تملك عقلا! وما زالت كفتها راجحة، بحيث لم يستطع العالم أن يقهر المرض ويعلن تفوُّق الإنسان عليه، ولن يستطيع إلى قيام الساعة. فلا يستطيع عاقل أن ينكر أن الأمراض التي شاعت وتحقق بها النبأ بهذه الكثافة وبالوتيرة العالية إنما هو علامة على أن الله تعالى قد بعث مبعوثا في هذا العصر، ذلك المبعوث الذي كان قد أنبأه الله تعالى أن هذه السنَّة ستتحقق معه أيضا.
وأخيرا، فإن وباء فايروس كورونا المتفشي حاليا إنما هو من البلاء العام الذي جعله الله تعالى لعقاب الناس على سيئاتهم عموما والتي على رأسها الغفلة عنه تعالى. وهو داخل في نبأ “الأمراض تشاع والنفوس تضاع” الذي أنبأ الله تعالى به المسيح الموعود عليه السلام على سنته تعالى إذ كان يرسل الأوبئة والبلاء بكثافة وبوتيرة عالية عند بعثة الأنبياء خاصة لتوجيههم إليهم ليعرفوهم فيعرفوه تعالى. وهي من جانب آخر أيضا يمكن أن تدخل فيما أشار إليه المسيح الموعود من أن للطاعون الذي ظهر في زمانه أشكالا ستستمر على صورة أوبئة وأمراض أخرى غير معلومة. وأما فيما يتعلق بالحفاظة فإن العالم سيشهد أن الأحمديين سيكونون محفوظين حفاظة خاصة مقارنة بغيرهم، وسيكون هذا الأمر مشهودا وواضحا للعيان. وهذا لا يعني أن الأحمديين لن يصابوا أو لن يهلك أي منهم بالوباء، بل المقصود أن نسبتهم مقارنة بغيرهم ستكون قليلة للغاية بصورة ملحوظة لا لبس فيها. ومن أراد من الأحمديين أن يكون أقرب إلى الحفاظة فعليه أن يراعي الإيمان والتقوى ما استطاع، ولا يعني هذا أن كل من سيهلك – لا سمح الله- فإنه سيكون من ضعاف الإيمان، بل إن نسبةً أكثر ندرة منهم قد يهلكون مع كونهم من أقوياء الإيمان وممن يعدُّون شهداء عند الله. وليس مستبعدا أن يُهلك الله بهذه المناسبة بعض المتجاسرين على السيئات أو معاداة الجماعة خاصة دون غيرهم ليصبحوا آية، ولكن هذا يخضع لتقدير الله تعالى وتدابيره.
والخلاصة أنه من الخطأ الظن أن الأوبئة تعمل عملها دون خطة أو هدف من الله تعالى، وأنها أمر عشوائي لا يحمل أي إشارة! فلا يقول هذا إلا غافل جاهل أو ملحد يريد أن يغض الطرف عن هذه الآية الجلية أو يحاول منع الناس من رؤيتها. لذلك فإن الوقت الآن هو وقت الخشوع والضراعة، ووقت الأخذ بأسباب الوقاية والعلاج، ووقت ترك السيئات بأنواعها، ووقت الالتفات إلى مبعوث السماء والالتحاق بسفينة نجاته. ونسأل الله تعالى أن يحمي البشرية من هذا الوباء ومن غيره، وأن يعيدهم إليه في أسرع وقت، آمين.
_____________________
رابط المقالة في موقع “بساط أحمدي”

لا تعليق