مواقف خاطئة لبعض المشايخ والدعاة والإعلاميين المسلمين في أحداث غزة جهلا أو نفاقا

1

من أجمل درر التعاليم الإسلامية أن الإسلام يدعو إلى العدل المطلق وقول الحق، بل إلى العدل حتى لو كان هذا الأمر سيضررك أو سيضرر والديك أو أقرب الأقربين إليك، وأن عليك أن تتخذ العدل وقول الحق حتى لو كان أحد الخصمين عدوك أو كنت تبغضه أو تختلف معه، حيث يقول تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } (النساء 136)

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المائدة 9)

ورغم جمال هذا التعليم، الذي يؤكد على أن حكمك ينبغي أن يكون بناء على العدالة المطلقة، وأنك –لو كان الحكم بيدك- فيجب ألا تحكم لمصلحتك أو لمصلحة والديك أو أقاربك أو إخوانك في الدين، بل أن تحكم لمصلحة عدوك لو كان الحق له، إلا أن هناك بعض المشايخ وأدعياء الإسلام قد وقعوا في الإفراط والتفريط ولم يتبعوا الصراط المستقيم؛ فمنهم من قد انحرفوا عن هذا التعليم لخدمة مصالحهم ومصالح أسيادهم ومموليهم مفرطين في تعليم الله عن قصد، ومنهم من أفرط بجهل وحسن نية؛ فكانت النتيجة أن اصطف هؤلاء جميعا في معسكر واحد، وكانت خلاصة كلامهم أنهم لم يتحدثوا إلا عن أخطاء الطرف الفلسطيني من وجهة نظرهم؛ وعدم التزامه الدقيق بتعاليم الإسلام في الحرب من وجهة نظرهم، أو عدم معرفته للظروف والوقت مما ألقاهم إلى التهلكة، وغير ذلك من الحجج!

وللرد على هؤلاء نقول: أين ورد في تعاليم الإسلام، أنه لو كان المسلم مخطئا أو ظالما بقدرٍ ما أو كان جاهلا، ووقع عليه ظلم عظيم من طرف آخر، أن نلوم المسلم ونحمله مسئولية ما يقع عليه بسبب أخطائه صغيرة كانت أو كبيرة، وننسى الظالم الذي يوقع عليه الظلم، ولا نقول شيئا بحقه، وإذا قلنا فإنما نتفوه سريعا ببعض الكلمات الخجولة هنا وهناك؟!

إن هذه الممارسة إنما هي بعينها ممارسة مجحفة، تخالف تعاليم الإسلام، ولكن بصورة غير معتادة نسبيا؛ فهي قد جعلت شنآن المسلم الذي يخالفك في الرأي أو لا يستمع لقولك أو لنصائحك عرضة لإيقاع الظلم عليه من جانبك، فأخذت تكرر أخطاءه أو مظالمه البسيطة، وتعرض عن مظالم عدوه الذي يوقع عليه ظلما عظيما! وهذه الصورة هي صورة غير معتادة من الظلم الذي قد يقع فيه المسلمون أحيانا، لأن الصورة الطبيعية هي أن ينحاز المسلم لصالح أخيه المسلم ظلما وينصره لو كان ظالما، وهذا هو الجانب الوحيد الذي يفهمونه من هذه الآيات، ولكن هذه الآيات تحذر أيضا من آخذ الأمر إلى الجانب الآخر، وهو جانب ظلم المسلم لأخيه المسلم لشنآن أنه يخالفه ولا يتبع منهجه ولا يستمع لنصائحه، أو لأنه لا يطبق تعاليم الإسلام بحذافيرها!

وفي الواقع، فإن أي طرفين في نزاع، لا يكون أحدهما ملاكا صرفا والآخر شيطانا مريدا، فحتما، حتى الطرف المظلوم في كثير من الأحيان يكون قد ارتكب أخطاء ومظالم، ولكن هذه الأخطاء والمظالم لا تسقط حقه في الإنصاف وفي مساعدته ليتخلص من الظلم والإجرام الواقع عليه. ولا بأس أن يدفع أيضا ثمن هذه الأخطاء والمظالم الطفيفة عند الفصل في القضية، بعد أن يُأخذ الحق له من المجرم الظالم. فهل يتوقع هؤلاء من الجانب الفلسطيني أن يكونوا ملائكة ليستحقوا الإنصاف؟

وهكذا، فمع شديد الأسف، فيمكننا القول ببساطة أن هؤلاء قد ارتكبوا خطأهم الفادح بسبب فهمهم الخاطئ للدين، أو على الأقل لهذه الجزئية منه فيما يتعلق بالعدل والإنصاف، ولو جردوا المسألة من رؤيتهم الدينية، لاتضح الأمر بكل بساطة.

ولتجريد المسألة فلنتخيل ما يلي: ماذا لو كان النزاع -إن صح أن نسميه نزاعا والذي هو في الحق احتلال وعدوان إسرائيلي- ليس بين الفلسطينيين الذين غالبيتهم مسلمون وإسرائيل؟ ماذا لو كان بين هندوراس والسلفادور مثلا؟ وكانت السلفادور تحتل هندوراس وتحاصر جزءا منها وتحوله إلى سجن كبير لا يدخل إليه شيء إلا بموافقتها وتمنع العديد منعا باتا دخول بعض البضائع التي لا يمكن أن تسبب أي ضرر كمثل الشكولاته وثياب العروس وقائمة من أكثر من ثمانين سلعة تثير السخرية والاستغراب! وتقوم باستخدام الطعام والماء والكهرباء وسيلة لتجويع الناس ومعاقبتهم. وماذا لو كانت تشن على مدى سنوات، كل بضعة أشهر هجوما على هذا السجن وتقوم بالقتل والتدمير، وتسمي العملية بعملية “جز العشب”. فماذا لو قرر المظلومون في هندوراس أن يذيقوا عدوهم السلفادوري في يوم شيئا مما أذاقهم لسنوات، وفي الأثناء قاموا ببعض التجاوزات كقتل بعض المدنيين في أثناء الاشتباك واختطاف البعض الآخر، بينما السلفادور تقتل المدنيين دائما بلا هوادة وتختطف المدنيين الهندوراسيين كل يوم وتضعهم في شروط احتجاز وتعذيب يقشعر لها الأبدان؟

فما رأي هؤلاء في هذا الصراع السلفادوري الهندوراسي؟ هل يمكن لهؤلاء أن يدينوا المظلومين الهندوراسيين بحجة أنهم لم يطبقوا تعاليم الإسلام بحذافيرها؟! وهل سيقول هؤلاء إن الذنب هو ذنب الهندوراسيين الذين هم مسئولون عن قتل أطفالهم ونسائهم ومدنييهم وتدمير أجزاء كبيرة من هندوراس، لأنهم استفزوا السلفادوريين الذين قتلوهم دون هوادة؟ وهل عندما سيجلسون مع السلفادوريين أو يتحدثون إليهم سيقولون لهم إن الهندوراسيين قد أجرموا بحقكم، ثم لا يقولون لهم كفوا عن الإجرام الفظيع والإبادة التي تقومون بها تجاه الهندوراسيين المظلومين؟

هنا، لن يستطيع هؤلاء فرض رؤيتهم الإسلامية المزعومة على النزاع، وستتجرد المسألة وتنكشف، لأن الهندوراسيين ببساطة ليسوا مسلمين، وهكذا قد أصبحوا محصنين ضد هذه الأصوات الإسلامية المزعومة!

فلو فكروا في المسألة من هذا الجانب، لأدرك الذين وقعوا في هذا الأمر جهلا وحسن نية مقدار ما وقعوا فيه من الخطأ.

من الطبيعي أنه لن يكون أحد في العالم قادرا على إدانة الهندوراسيين حينها، إلا إذا كان مغرضا معرضا عن الحق والعدل، وسيكون الأمر مكشوفا تماما. ولهذا -مع تأسفنا لحال هؤلاء المسلمين- نجد أن أصوات الشرفاء في العالم من غير المسلمين قد توحدت، ورفضت إدانة الفلسطينيين المظلومين وتحميلهم المسؤولية، رغم المحاولات المستميتة لآلة الدعاية الإعلامية الكاذبة الصهيونية لتشويه موقف الفلسطينيين والادعاء الكاذب أنهم ارتكبوا جرائم قطع رؤوس الأطفال والاغتصاب وغيره. والذي يتابع يدرك كيف أن آلة الإعلام كانت تبتدئ كل من تلتقي بهم بطلب الإدانة لموقف الفلسطينيين في 7 أكتوبر. ولكن بفضل الله أجاب الكثيرون إجابات رائعة بددت هذا الكذب والانحياز الغربي والسيطرة الصهيونية على الإعلام.

فعلى هؤلاء أن يراجعوا أنفسهم، ويعلم المخطئون منهم بحسن نية أن موقفهم هذا لا يمت للإسلام بصلة، بل يخالف تعاليم الإسلام تماما.

والواقع أن واجب المسلم في هذه الأزمة أن يقف إلى جانب إخوانه الفلسطينيين المظلومين بمد يد العون لهم وبقلبه وبلسانه، وأن يكشف هذا الإجرام الصهيوني بكل وسيلة، وأن يحشد الدعم العالمي ما استطاع لرفع هذا الظلم. وإذا كان يختلف معهم في بعض المفاهيم صغيرة كانت أو كبيرة، فيجب أن يعذرهم ويدعوا الله تعالى لهم فيما لو كان يعلم ما يجهلون.

لقد جاء الإسلام لرفع معايير العدل، وللإحسان للمظلومين، وللإحسان أيضا للظالمين بكفهم عن ظلمهم الذي لن يكون في مصلحتهم في النهاية. ولم يأت الإسلام لتضيع حق المظلوم المسكين ولا حتى الظالم الباغي إن كان له حق، ولكن بعد أن يمنع من بغيه أو ينتهي عنه، وبعد أن يؤخذ الحق منه. أما الظن بأن واجب المسلم بأن يحمل على إخوانه المظلومين بحجة أنهم يرتكبون بعض المظالم أيضا ولأنهم لا يطبقون تعاليم الإسلام بصورة دقيقة، أو لأنهم يخالفونه في المنهج والرؤية والمذهب، فهذا انحراف عن تعاليم الإسلام، سيُسألون عنه.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *