بعد أن تزوجتْ ابنتي الكبرى، ولدى زيارتي لها في بيتها في ضواحي لندن، أخذت تذكرني ببعض أحداث طفولتها مع أخواتها..

فمما قالته لي، إنني علمتهم ألا يحسدوا الناس على شيء عندهم، بل عليهم إن رأوا شيئا وأحبوا أن يكون لدينا مثله، بأن يدعوا: “يا رب احفظ لهم ما لديهم، وارزقنا مثلهم”، وقالت إننا كنا كلما رأينا سيارة جميلة نقول:” يا رب احفظ لهم سيارتهم وارزق بابا سيارة مثلها”..

حمدت الله على ذلك، وابيضَّت عيناي ولمعت فيهما دموع العرفان لله تعالى. فلم أتذكر جزئية هذا الأمر، ولكني أذكر أنني كنت دائما أقول لهم إن الحسد سيئ للغاية، وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يدمر النفس ويفسدها، وعليكم أن تسعوا للنجاح، ولكن عليكم أن تعلموا أن نجاحكم لا يتعلق بفشل الآخرين. فلا تتمنوا أن يتراجع أحد في الدراسة مثلا لتتفوقوا عليه، بل ادعوا الله أن يتوفق منافسوكم، وأن يوفقكم الله تعالى أكثر منهم بجدارة واستحقاق. فلن تسبقوهم حقيقة بفشلهم، بل بأن تنجحوا أكثر منهم.

وقلت لها إن الذي بقي عالقا في ذاكرتي، ومما لا بد أنك تتذكرينه جيدا، هو أنني كلما كنت آخذكم الحديقة، كنت أجعل لكم دورا معادلا تماما لدور الأطفال الآخرين على المرجوحة أو المنزلق أو غيرها من الألعاب. فقد كان الأطفال أحيانا يأتون في رحلة مدرسية دون أهلهم، وأحيانا يكون أهلهم موجودين ولكنهم بعيدون عنهم ومنشغلون، فكنت أقسم لكم ولهم الوقت بالتساوي، وأحملهم وأضعهم على الألعاب كما أحملكم تماما. وكان الأهل يراقبون من بعيد، وأحيانا كانوا يأتون ويسلمون. فقالت إنها بالطبع تتذكر ذلك تماما، وهو من الذكريات الجميلة عندها.. والتي زرعت فيهم أنهم يجب ألا يعتدوا على حق أحد.

ثم استمررنا في الحديث، وقلت لها.. إن هذا من دواعي سروري وأحمد الله تعالى على ذلك.. وبلا شك فإن مسائل التربية وزرع القيم كانت مسائل ذات أهمية قصوى، ولكن التربية ليست مدرسة وقوانين صارمة وتعليمات، فأكثر ما هو عالق في ذاكرتي إنما هي ذكريات طفولتكم البريئة.. كمثل ابتسامتك الجميلة التي كانت تملأ البيت فرحة وبهجة، وكيف كنت أنت وأختك تنتظرانني على الشباك في موعد عودتي من العمل، ثم عندما أصل تندفعان نحوي ببهجة وسرور وسعادة، وكيف كنت أجلب لكما لعبة بسيطة أو هدية صغيرة يوميا.. وكيف كنت آخذكما لنتمشى على الشارع الرئيس في المساء ثم نمر على بيتكم جدكم وجدتكم ونجلس عندهم لبعض الوقت.

في تلك الفترة، كنت محتاجا بالفعل إلى ما ينعشني، بعد تحملي العديد من الأعباء والمتاعب والصعوبات في السنوات الأخيرة، والتي لا تخلو منها الحياة، فكان هذا الحديث هدية من الله تعالى لي فرحت بها أيما فرح. والحمد لله رب العالمين.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *