من المسئول عن حادثة حرق نسخة من القرآن الكريم في السويد؟

1

الشاب العراقي، الذي قام بهذه الفعلة، هو نتاج طبيعي لحملة منظمة من بعض قساوسة السوء الناطقين بالعربية، الذين يعلِّمون الكراهية، ويستهدفون الإسلام بالأكاذيب والافتراءات ويسعون لتشويهه. لماذا؟

لأنهم يعلمون أن الشباب المسيحي العربي -وخاصة بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي- أصبحوا قريبين جدا من الإسلام، وهذا بسبب أن لغتهم عربية وثقافتهم في الحقيقة إسلامية، وسيرون الفارق المهول بين المعتقدات الإسلامية والمسيحية وسيستطيعون المقارنة بسهولة، كما تجدهم يرفضون الفسق والفجور والحياة الخليعة التي تنتشر بين المجتمعات الغربية التي تدعي المسيحية. فهؤلاء القساوسة يرون في ذلك خطرا عليهم وعلى مكانتهم ومكاسبهم، مما جعلهم يشنون حملة قذرة مسعورة من الأكاذيب والتشويهات والتحريفات والخسة والنذالة التي لا مثيل لها، متناسين أبسط القيم والمبادئ الإنسانية.

ولكشف حقيقة هؤلاء، وخاصة بين المسيحيين العرب، أطرح السؤالين التاليين: هل تقوم عقيدة الإسلام على نقض المسيحية وبذلك تصبح المسيحية مضطرة لنقض الإسلام ردا على ذلك؟ وهل يعتبر الإسلام نفسه عدوا للمسيحية أو لغيرها من الأديان ويسعى للقضاء عليها بالقوة؟

الجواب هو أن عقيدة الإسلام لا تقوم على نقض أي عقيدة، بل على العكس تماما، الإسلام يقدِّم نفسه أنه المتمم والمكمل للرسالات كلها، وأن الأديان في أصلها جميعا مصدرها الله الواحد، والأنبياء والمقدسون في الأديان لا بد من الإيمان بهم وتبجيلهم كركن من أركان الإيمان، وأن على المسلمين أن يدعو إلى التعاون والكلمة السواء والبحث عن القواسم المشتركة، وأن يتعاونوا مع غيرهم على البر والتقوى. فعقيدة الإسلام لا يلزمها نقض المسيحية أو غيرها ليثبت صدقها.

أما هل يعدُّ الإسلام نفسه عدوا للمسيحية أو لأي دين آخر؟ فالجواب هو أن الإسلام لا يعد نفسه عدوا لأي دين، بل إن الإسلام يأمر المسلمين بتأمين حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، بل وكفالة حق أصحاب الأديان في ممارسة شعائرهم بحرية وأمن وأمان، حتى لو كلف الأمر القتال دفاعا عن هذه الحرية فيما لو هوجمت هذه الدور. وتاريخ الإسلام يشهد أن المسلمين قد حافظوا على الكنائس والمعابد، ولم يجبروا أحدا على دخول الإسلام، والدليل بقاء هؤلاء المسيحيين من أحفاد الذين لم يسلموا. وإلا كان من السهل جدا اجتثاث المسيحية في العصر الإسلامي الأول وتطهير العالم الإسلامي القديم منهم تماما. ولكن ماذا نجد؟ نجد حرية مذهلة للمسيحيين في ذلك الوقت؛ ليس من ناحية إعطائهم حرية المعتقد وممارسة الشعائر، بل كانوا يعبرون عن رفضهم للإسلام بل ومهاجمة رموزه والتصريح والكتابة بحرية، وهم في بلاط الملوك المسلمين من بني أمية فصاعدا. فنجد أن يوحنا الدمشقي الذي كان والده وزيرا عند الأمويين ثم هو قد أصبح كذلك، يكتب بكل حرية معتبرا الإسلام إحدى الهرطقات المسيحية ويسميها “هرطقة الإسماعيليين”. ونجد الأخطل يهاجم الأنصار في مدحه للأمويين قائلا “واللؤم تحت عمائم الأنصار”، ويلقي قصيدته في بلاط الأمويين دون حسيب أو رقيب. فهل هؤلاء كانوا مضطهدين أو كانوا مجبرين على ترك دينهم ومهددون بالقتل وسبي نسائهم وأطفالهم؟ وهل هؤلاء كانوا يدفعون الجزية صاغرين مهانين أم كانت الجزية بالنسبة لهم هي الضريبة المعادلة لضريبة الزكاة عند المسلمين، علما أن هذه ليست الزكاة الشرعية التي يجب أن تؤدي طوعا ولا تلك هي الجزية التي أشارت لها الآية التي هي عقوبة للمعتدين بعد أن يهزموا ويستسلموا؛ والتي هي في الأصل ليست إلا معاملة بالمثل؛ لأنهم هم من يؤمنون بها ويطبقونها، وقد وردت في الكتاب المقدس 31 مرة؛ 22 في العهد القديم و 9 في العهد الجديد، بينما لم ترد في القرآن الكريم إلا مرة واحدة في سياق الدفاع ضد المعتدين! وباختصار، من دفع الزكاة بقلب منشرح واعتبرها طوعا أخذ أجرها، أما غير المعتدي والمواطن فهي فقط اسم لضريبة الدولة لغير المسلمين، والتي من الحسن أن اسمها قد تغير، وصارت الضريبة للمواطنين دون تمييز، وهذا هو حكم الإسلام الأصلي.

أما السبي، فهو تعليم الكتاب المقدس وليس تعليم القرآن الكريم. فقد ورد في الكتاب المقدس 36 مرة. ويتضمن الكتاب المقدس الأمر بالسبي، والتعليمات حول ماذا تفعل بالسبية بعد أن تختارها وتأخذها إلى بيتك، بينما يخلو القرآن الكريم من كل هذا، ولا ذكر ولا أثر فيه للسبي، بل يقول بأن معاملة الأسرى تقتصر على أمرين؛ إما المن و إما الفداء، وأن على المسلمين أن يصلحوا شئون العبيد في أي مجتمع هم فيه ويسعوا لتحريرهم حتى يخلو المجتمع من هذه الآفة التي كان المسئول عنها المسيحيون في العالم في المقام الأول، ليس في تلك العصور فقط، بل في العصور الاستعمارية لاحقا إلى ما قبل أقل من 150 عاما. فمن هو المسئول عن السبي، ومن هي الأمم التي كانت تسبي بأمر كتابها؟

أما عن الحروب؛ فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حارب دفاعا عن نفسه، بعد تحمل الأذى 13 عاما وأكثر، فالكتاب المقدس يزخر بذكر حروب موسى ويوشع بن نون والمجازر التي قاموا بها، والتي تتضمن أرقاما هائلة من القتلى الذين يستحيل على كل حال أن تكون صحيحة، ولكنها مبالغة الكتاب المقدس المعتادة. تلك الحروب التي عندما يُسأل عنها القساوسة يقولون إنها كانت دينونة؛ أي أن الله عاقب الكافرين على كفرهم في الدنيا على يد موسى ويوشع بن نون. أما في الإسلام، فالقتال ليس للكافرين بسبب كفرهم، وإنما للمعتدين بسبب عدوانهم، وحروب النبي صلى الله عليه وسلم كلها لم يزد عدد القتلى فيها عن 700 من المسلمين وغيرهم. وهكذا، فإن كل ما يقوله هؤلاء القساوسة كذب وتشويه، وكل ما يتهمون به الإسلام سيجدون أضعافه المضاعفة في كتابهم وفي معتقداتهم وسلوكهم وسلوك الأقوام التي تدعي المسيحية.

وباختصار، نظرية الإسلام هي أنه يريد بقاء الأديان وأن تحصل على حريتها لينتقل الناس لمعرفة الله تعالى بكامل الإرادة إلى الإسلام دون جبر أو إكراه، فيثاب الناس الصالحون على ذلك، ويعاقب المكذبون. ولا يتحقق ذلك إلا بتوفير الحرية كاملة وعدم وجود أي إكراه أو جبر في شئون الدين، وهذا ما أعلنه الإسلام وطبقه بصورة واضحة وجلية للعالم.

ثم هناك نقطة أخرى تبين مدى الخسة والنذالة التي عليها هؤلاء، وهي أنهم في سلسلة تشويهاتهم القذرة يتهمون أم النبي صلى الله عليه وسلم بتهمة شنيعة متأخرة لا أساس لها ولم تخطر ببال أسلافهم من قبل. ونسوا أن للنبي صلى الله عليه وسلم منة عظيمة على المسيحية؛ إذ طهر أم المسيح من هذه التهمة ومن أن المسيح كان ابن زنا، وجعل هذا جزءا من عقيدة المسلمين. والواقع أن هذا قد أعطى دفعة وزخما كبيرا للمسيحية، بأن جاء من بعدها أمة من ملياري مسلم تؤمن بطهارة أم المسيح وبقداستها وبكرامة عيسى بصفته نبيا مكرما. فهل يليق بمن لديه ذرة من أخلاق أو قيم أو إنسانية أن يهاجم الإسلام بهذه الطريقة الشنيعة؟ هؤلاء مجموعة من المرضى الساقطين أخلاقيا، والذين ينبغي أن يمنعوا من بث سمومهم بين الشباب بصفتهم مفسدين في الأرض. الواجب على المسيحية أن تتذكر منة النبي صلى الله عليه وسلم عليها، وتعتبر هذا جميلا لا سبيل إلى رده، لو كان هناك من يقدِّر المعروف.

ولا بد من الانتباه هنا أن الإسلام لم يكن مضطرا لإعطاء الحرية للمسيحيين، ولم يكن المسلمون يخشون أحدا أو يجاملون أحدا، بل كانوا أسياد الأرض، وكانوا يمارسون ما يؤمنون به. فالقول بأن الإسلام يريد اجتثاث المسيحية وسبي المسيحيات كذب وتلفيق سافر يضحك به هؤلاء القساوسة الدجالون على الشباب المخدوع. ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم مضطرا ليدافع عن المسيح ولا عن أم المسيح، ولو اكتفى بالصمت فقط، لبقيت المسيحية تعاني من هذه الوصمة إلى الأبد. ناهيك عن معتقداتها التي تزيد الطين بلة، وتجعل المسيح إلها وفي الوقت نفسه ملعونا لكي يمتص لعنة الخطيئة عن البشر ويعاقب عوضا عنها ليغفر لها! وهذا ما يرفضه الإسلام رفضا باتا وإن قبله المسيحيون.

أخيرا، إن هذا الشاب التافه الذي أحرق نسخة من المصحف في السويد، وردد كلمات بذيئة، هو ضحية هؤلاء القساوسة الذين علموه الكراهية وجعلوه مجردا من الإنسانية والأخلاق بل ومن العقل أيضا. والسويد، تلك البلاد الاسكندنافية الباردة، بلاد الفايكنج المتوحشين الذين نكلوا بالأوروبيين المسيحيين أشد التنكيل قبل اعتناقهم المسيحية، يدعمون في الحقيقة حركات الكراهية هذه ضد الإسلام أيضا. فكثير من هؤلاء القساوسة ودعاة المسيحية يتلقون دعما من السويد والدول الاسكندنافية الأخرى، وقد اختارت هذه البلاد معاداة كل ما هو طيب واختيار كل ما هو خبيث، وهي تدعم الشذوذ وتسرق أطفال المهاجرين المسلمين بحجج واهية ليصبحوا جزءا من مجتمعها المنحل ويسلموا للشواذ. فهذا الشاب ربما وجد أن الأمر هو أقصر طريق للشهرة وربما للحصول على إقامة دائمة بل وربما جنسية وحراسة وكأنه شخصية ذات أهمية. فهو قد تلاعب بنظام البلاد لتحقيق مآرب شخصية، ولم يبال بمشاعر مواطنيه العراقيين وملايين العرب والمسلمين، مما يدل على أنه شخص في أدنى درجات الدناءة، ويجب أن تحترم الحكومة السويدية نفسها لكي لا تكون ملجئا لأمثاله. ومن سيمنع العشرات وربما المئات من هؤلاء من الظهور كل يوم والحصول على المكاسب والحماية؟ ربما سيجدون أنفسهم أمام ظاهرة من هذا القبيل قريبا من الساقطين الذين لا دين لهم ولا مبدأ، فيما لو قدموا له الحماية والرعاية، وعاملوه كبطل. وهؤلاء موجودون بلا شك وينتظرون ليروا ماذا سيكون مصير هذا الشاب.

إن سماح الدولة السويدية بهذه الفعلة لا علاقة له بالحرية، ولكنه يعكس حقدا دفينا تديره مؤسسات عميقة في تلك الدول، ويجب على البلاد الإسلامية أن تتخذ موقفا حازما، وترسل رسائل واضحة من الاستنكار والشجب، بل وتتخذ إجراءات ضد هذه الدول حتى تنتهي. إن هؤلاء بأنفسهم لا يمكن أن يسمحوا بأن يرفع أحد ورقة يمكن أن تتضمن شيئا فيه إنكار أو تقليل من أهمية المحرقة اليهودية، ولا يعتبرون أمرا كهذا حرية تعبير. وهذا بسبب أن اليهود، الذين هم في الأصل من عذبوا المسيح وسعوا إلى قتله، قد تسربوا إلى تلك النظم وسيطروا عليها. ولا ننسى هنا أن اليهود قد تمتعوا بالحرية تحت حكم المسلمين ونالوا مراتب الوزراء وفي الوقت نفسه كانوا يسيئون إلى الإسلام كمثل موسى بن ميمون وغيره. ولكن هو خلق انعدام الوفاء.

أخيرا أقول، إنه من المنطق نفسه، لو كان هذا المنطق مقبولا، فإن الذي يجدر بالحرق عندهم -وليس عندنا نحن المسلمين الذين نحترم الأديان والكتب والبشر ومعتقداتهم- إنما هو الكتاب المقدس، الذي فيه كل ما يدعيه هؤلاء ضد الإسلام كذبا، ويتضمن التعليمات الواضحة بالقتل بسبب الكفر والسبي والاسترقاق وغيره. إن القول أن الإسلام قد أخرج داعش لذلك هذه هي مشكلة القرآن الكريم إنما هي كذبة سخيفة، ولكنها تتضمن نبوءة مذهلة يجب أن يلتفتوا إليها. إن داعش وأخواتها في الواقع لا يطبقون الإسلام وإنما يطبقون الكتاب المقدس، ولا يستنون بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وإنما بسنة من قبلهم من اليهود والنصارى، وقد جاءت النبوءة عنهم في قول النبي صلى الله عليه وسلم:

{لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ} (صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء)

وهؤلاء يشجبهم الإسلام كعقيدة وشريعة، ويشجبهم القرآن الكريم، ويرفضهم الغالبية العظمى من المسلمين، وأكثر المتأذين منهم هم المسلمون أنفسهم الذين يعدونهم كافرين يستحقون الذبح دون مهلة، بينما أهل الكتاب من المسيحيين واليهود فلهم الحق في الاحتفاظ بدينهم مع دفع الجزية أو الرحيل!

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *