عندما بدأ المسيح الموعود والإمام المهدي عليه الصلاة والسلام مشروع البراهين كان هدفه إظهار صدق الإسلام وصدق النبي صلى الله عليه وسلم وأنه الدين الحق الحي من بين الأديان كلها. وقد بدأ هذا المشروع بأمر من الله تعالى، وأعلن أنه أعدَّ 300 دليل على صدق الإسلام وتحدى بأن ينقض خصوم الإسلام هذه الأدلة أو نصفها أو ثلثها أو خمسها وأن يقدِّم ما يقابلها من أدلة تثبت صدق أديانهم، وتعهد لمن يتمكن من ذلك بأن ينال جائزة مالية كبيرة وبأنه مستعد ليعلن بذلك بطلان دين الإسلام وصدق دينه.
كان حضرته قد أعدَّ هذه الأدلة وكتب مسوداتها، ثم بدأ بنشر الدليل الأول الذي كان حاجة العصر، وقدَّم خلاله عظمة الإعجاز القرآني الذي أعلن أن الفساد قد دبَّ في الأديان كلها ما قبل بعثة الإسلام، وأنها خلت من الهداية، وأن الإسلام قد جاء في وقته تماما ونجح في إعادة الوحدانية والعبودية الخالصة إلى الأرض، وأن النبي صلى الله عليه قد أحيا الموتى ونفخ في البشرية روحا جديدة بعد أن كانت كلها موشكة على الهلاك. وقد قدَّم حضرته هذا الدليل اعتمادا على النص القرآني النقلي وعلى العقل بأعظم صورة، بحيث لا يملك القارئ إلا التسليم بهذه الحقيقة. وأثناء بداية تبييض هذا الدليل ونشره تطرق حضرته في الحواشي إلى نقض الهندوسية الآرية والبراهمية وكذلك المسيحية والإلحاد، وطالت هذه المسودات بحيث أصبحت بحد ذاتها مواضيع شاملة كافية تثبت تفنيد هذه الأديان والعقائد بأسلوب سلس ممتع رائع. وما أن بدأ صدور هذا الدليل حتى ذُهل أعداء الإسلام مقابله، وفرح المسلمون به فرحا عظيما، وقرَّظوا هذا الكتاب ومدحوا صاحبه بما يستحق، وكان منهم من أصبح لاحقا ألدَّ خصوم حضرته والساعي لاستفتاء علماء الهند كلها لتكفيره وهو الشيخ محمد حسين البطالوي.
وهكذا وبنشر الجزء الرابع من هذه البراهين حتى عام 1884 كان قد عاين العالم حينها هذه الدليل الأول المبهر الذي تضمن أدلة عديدة جزئية أيضا، وكذلك الأدلة والبراهين الأخرى التي جاءت في نقض الأديان والعقائد الأخرى في الحواشي، ولم يستطع أحد أن يرد على هذا التحدي، وتحققت الغاية التي من أجلها كُتب الكتاب، ألا وهي ثبوت أن الإسلام هو الدين الحق دون أدنى شك ودون منازع.
كان في ذهن حضرته أن يستمر في تبييض هذه الأدلة ويصدر الجزء الخامس فالسادس إلى أن تصل إلى ما يقارب الخمسين جزءا في تقديره، وكان يذكر ذلك في إعلاناته ورسائله، ولكن مشيئة الله تعالى اقتضت أن يتوقف هذا المشروع الذي كان قد حقق غايته في الحقيقة، وتصبح هذه الأدلة التي لم ترَ النور ولم تُنشر خزينة هائلة تترجف مقابلها قلوب خصوم الإسلام الذين أذهلهم دليل واحد ووقفوا أمامه عاجزين. لذلك بات واضحا أن إظهار الدليل تلو الدليل هو أشبه بقصف موقع للأعداء بصاروخ تلو صاروخ بعد أن كان الموقع قد تدمر تماما في الصاروخ الأول! فهل هنالك حاجة لمزيد من هذا القصف؟ ولكن كان ضروريا أن يدرك الأعداء أنه وإن كان دليل واحد يكفي إلا أن قوة الصدق الهائلة التي يحملها الإسلام لا قِبَل لهم بها، ولا يستطيع دين أن يقف أمام الإسلام في هذه المواجهة، وأن هذه الأدلة جاهزة للظهور بل ومتوفرة لو اقتضت الحاجة.
والواقع أن مجرد ثبوت صدق الإسلام وصدق النبي صلى الله عليه وسلم وحدهما – وإن كانا يثبتان صدق الإسلام ويلحقان الهزيمة بخصومه – إلا أنهما لا يحققان حاجة ضرورية ملحة وهي إصلاح حال الأمة الإسلامية، لأن الذي تحتاجه الأمة هو العودة مرة أخرى إلى هذا الدين عقيدة وعملا من خلال حركة تعيد تنظيم صفوف المسلمين وتعيدهم ليصبحوا جماعة متكاتفة متعاضدة كمثل جماعة المسلمين الأولى تحت قيادة خلافة روحانية ربانية يقيمها الله تعالى، ولا يكفي فقط أن يدرك المسلمون أن دينهم هو الحق ويستعيدوا الثقة به ويستشعروا نشوة الانتصار على الأديان والمذاهب الأخرى. ولذلك فإن الله تعالى قد وجَّه حضرته إلى ذلك المشروع الجديد الذي كان إنشاء الجماعة الإسلامية الأحمدية وتربيتها على يده المباركة على منهج النبوة لسيده ومولاه محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأن تصبح هذه الجماعة حاملة لواء الإسلام بمعتقداته الصحيحة وأسوته الحسنة والتي تضطلع بدور تكميل نشر وتبليغه إلى العالم أجمع، وهذا المشروع هو الذي يسير بخطى ثابتة راسخة منذ ذلك الحين وإلى اليوم ويحظى بتأييد إلهي مذهل بفضله وبرحمته، وننعم بثمراته اليوم، وسينعم المسلمون والعالم أجمع بهذه الثمرات يوما بعد يوم بإذنه تعالى.
والواقع أن هذا المشروع كان بصورة ما أيضا استكمالا لمشروع البراهين ولكن ليس على الصورة التي كان قد تصوَّرها حضرته عليه الصلاة والسلام في البداية – والتي كانت ضرورية ليدرك الناس أن أدلة صدق الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم كثيرة جدا ومذهلة – وكانت بعثته ووحيه وكتاباته ومعجزاته التي شهدها القريب والبعيد أدلةً متجددة على صدق الإسلام وحياته وقوته الحركية الجديدة التي بدأت بهذه النشأة الثانية للإسلام. وتأكيدا على ذلك فقد توجه حضرته في أواخر بعثته لكتابة كتاب سماه أولا “نصرة الحق” ثم انصرف ذهنه إلى تسميته “البراهين الأحمدية الجزء الخامس” ليبين كيف قد نصره الله تعالى وحقق وحيه وإلهاماته وحقق على يده المعجزات، وهذا كله يُحسب لصدق الإسلام وصدق النبي صلى الله عليه وسلم ويقدِّم أدلة من نوع آخر أكثر تأثيرا؛ وهي أدلة الآيات والمعجزات المتجددة بخلاف نمط مشروع البراهين الأحمدية الأساس الذي كان تركيزه على الأدلة العقلية والنقلية.
وباختصار، فإن مشروع البراهين وما حدث فيه من تطور بأمر الله تعالى إنما هو بحذ ذاته دليل دامغ على صدق حضرته وعلى التوجيه والتأييد الإلهي له، وأنه يسير وفقا لما تسيره المشيئة الإلهية، وأن ما ذهب وهله إليه ثم غيَّره الله تعالى كان أيضا بحكمة بالغة ولتحقيق غايات شاءها الله تعالى. فلقد ثبت بمشروع البراهين على صورته الأولى وبظهور الدليل الأول في الأجزاء الأربعة الأولى صدق الإسلام وصدق النبي صلى الله عليه وسلم، وأصبح من غير الضروري استكمال هذه الأدلة، لأن الدليل الأول حقق الغرض وزيادة – مع أهمية أن يعلم الناس أن الأدلة الأخرى الكثيرة موجودة أيضا وجاهزة، لذلك جعله الله تعالى يعدُّ هذه الأدلة ويجهزها للنشر – ثم بتوجيه الله تعالى لحضرته لإنشاء الجماعة بأمره وبتقديم الأدلة المتجددة على صدق الإسلام قد تحقق إحياء الإسلام على يديه، لا مجرد ثبوت صدقه فحسب. فسبحان الله تعالى مدبِّر الأمر، والحمد لله رب العالمين.

لا تعليق