كنت قد شاركت في الشهر الماضي في مؤتمر المسيحيين العرب الأول الذي انعقد في عمان، وقد سعدت بهذه المشاركة، والتقيت عدد من الإخوة المسيحيين العرب من كافة المستويات -ومنهم قامات كريمة في الأردن وفي البلاد العربية والغرب- وكثير منهم كانوا يعرفونني ويتابعونني. وقد أعجبت بالمستوى العالي من التنظيم والانفتاح، ومن الوطنية والانتماء إلى قضايا الأمة والاعتزاز بالثقافة العربية.
في أثناء المؤتمر طُرحت العديد من القضايا، وقد قَدَّمت شخصيا عددا من التوصيات التي تكرموا بقبولها بكل سرور، وأدخلوها في توصيات المؤتمر النهائية، بعد أن أثنوا عليها مشكورين. ومن أهمها مقاومة المسيحية الصهيونية بصورة منهجية وإنشاء لاهوت مسيحي أصيل نابع من القيم الأساسية للمسيحية، وهم أولى بذلك بسبب أن بلادنا هي مهد المسيحية الأول وأجدادهم هم أقدم المسيحيين.
كانت قد طُرحت مسألة أن المسيحيين العرب يتناقصون بصورة كبيرة ومنذرة بالخطر، بسبب العزوف عن الزواج وقلة المواليد، إضافة إلى الهجرة، وأنه لا بد للمؤتمر أن يخرج بحلول حول هذه المسألة، وفي الأثناء في الأحاديث الخاصة قلت ممازحا:
عليكم بالتعدد إذن!
وأخذنا بالضحك..
ولكن خطر ببالي بعد كتابة مقالتي السابقة، أنه لماذا لا يفكر إخواننا المسيحيون بحلول ثورية كهذه لتسهيل الزواج والطلاق بل وقبول التعدد أيضا؟
صحيح أن الأمر قد يبدو مصادمة لتعاليم أساسية، ولكن بما أن الغرب الذي يدعي المسيحية قد تجرأ وتجاوز بتسويغ الزنا وتشريع الطلاق، فمن باب أولى أن يقوم المسيحيون العرب بتجاوز المنع البولسي للتعدد وتحريم الطلاق..
قد يبدو الأمر إلى الآن أقرب إلى النكتة، ولكن الحقيقة أن إخواننا من المسيحيين العرب هم أكثر الناس حاجة إلى ذلك، فهم لا يستطيعون أن يعيشوا كالغربيين ويعتمدوا ثقافتهم، ولا يمكن أن يصبح الزنا عندهم عرفا مقبولا بسبب التزامهم بقيمنا العربية الإسلامية المشتركة، فهم الآن عالقون وهم أكثر المتضررين. وليس مطلوبا القفز إلى التعدد مباشرة، بل يمكن أن يبدأوا بتسهيل الزواج وتسهيل الطلاق، وإتاحة المجال للتعدد بضوابط عندهم، وخاصة إذا مرضت الزوجة أو كان هناك ما يبرر الزواج الثاني ورغبت الأولى بالبقاء.
ولا أظن أن الإخوة المسيحيين تنقصهم الجرأة لاتخاذ خطوة بهذا الاتجاه، فمعلوم أن لهم سابقة في اختيار اعتماد تعاليم الشريعة الإسلامية في الميراث في القانون الأردني.. ولا شك أن الإنسان والأسرة أهم من المال..
إن الاختبار الحقيقي للتعاليم هو تطبيقها على أرض الواقع، وخاصة إذا مر على ذلك وقت طويل، وعندها ستظهر حسناتها وسيئاتها. والتمسك بالنص، خاصة إذا لم يكن قطعي الثبوت عن الله تعالى، على حساب مصلحة الناس والواقع هو أمر يؤدي إلى انهيار الدين أو المذهب في النهاية وليس بقاءه.
إنني أؤمن أن من واجبي كمسلم أن أتفانى في خدمة الإنسانية كلها بكل الوسائل الممكنة، وأرى أن هذا هو الواجب الذي يرتبه الإسلام علي بعد التفاني في العبودية لله تعالى التي لا تعني سوى أن نكون خلفاءه في التعامل مع الجنس البشري بالمواساة والرحمة. وهذا ما علمنا إياه الإسلام العظيم الذي نص عليه في القرآن الكريم وعلمنا إياه النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده خادمه المطيع الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام. لذلك فإنني أرى من واجبي أن أشارك بالأفكار أيضا مواساة لإخواننا، الذين نتمنى لهم كل الخير والسعادة.



لا يوجد تعليق