لعل من حسنات الإدارة الأمريكية الجديدة، أنها أسقطت ورقة التوت التي لطالما تسترت بها أمريكا؛ مدعية أنها قائدة العالم الحر، الذي يدعو إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام القانون الدولي وتعزيزه في العالم. بل واعتبرت نفسها هي والغرب رسل الحرية الذين يريدون فرضها على الأمم، وكانوا يقدمون هذا المبرر للتدخل عسكريا في دول وإسقاط الأنظمة تحت هذه الحجة، مع أن الأمر لم يكن يعدو إلا أن هذا النظام المستبد لم يعد خادما لهم، بينما لو بقي خادما فسيستمرون في دعمه.

خلال الأحداث الأخيرة في فلسطين وفي العالم، تبين بكل وضوح أن الإدارة الأمريكية مستعدة للكذب والترويج للكذب أكثر من إسرائيل، من أجل دعم إسرائيل؛ إذ ما زالوا يكررون أكذوبة قطع رؤوس الأطفال واغتصاب النساء مع بداية أحداث السابع من أكتوبر، والذي أنكرته الصحافة الإسرائيلية ذاتها، بينما تحمس بايدن وأعلن كاذبا أنه رأى الصور بأم عينه! حتى اضطر مكتبه إلى إنكار هذه الرؤية غير الشرعية.

تبين أيضا أن الدولة الأمريكية من رئاسة وكونغرس ومجلس نواب، أكثر ولاء لإسرائيل من أجهزة الدولة الإسرائيلية نفسها. فنتنياهو الذي يتعرض للشتائم والانتقادات ولوقت عصيب كلما كان في الكنيست استقبل بالترحاب كبطل فاتح يستحق الاحترام والتقدير وصفق له مجلس النواب أكثر من 50 مرة! هذا في حين أنه قد دخلها وهو مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية كمجرم حرب؛ تلك المحكمة التي لا تعترف بها أمريكا، وقامت بتهديد العاملين فيها وفرض عقوبات عليهم، بل أنها مستعدة لتطبيق قانون ما سموه سابقا “غزو لاهاي”؛ والذي يعطي لأمريكا الحق في تحرير أي أمريكي أو حليف من المحكمة بالقوة فيما لو تم اعتقاله، مما يعني أنهم لا يبالون بالقانون الدولي ولا بسيادة أي دولة حتى لو كانت حليفة.

كذلك تبين بأن إسرائيل لا يمكنها أن تشن حربا ولا أن تستمر بالحرب إلا بدعم أمريكا، وأن مجرد توقف الإمداد بالذخائر وحده يكفي لإيقاف الحرب، ولا يحتاج الأمر إلى أكثر من ذلك. أما أنها قادرة على ممارسة الضغوط على إسرائيل وإرغامها على التوقف عن جرائمها، فهذا بدا واضحا قبيل تسلم الإدارة الجديدة لترمب للسلطة؛ إذ أرغمت إسرائيل على توقيع الاتفاق لوقف إطلاق النار، ولم تتوقف إسرائيل عن الذهاب إلى المرحلة الثانية إلا بسبب الضوء الأخضر الأمريكي، ونرى أن الإدارة الأمريكية لا تبالي مطلقا بما يحدث اليوم من مجازر، بل تحمل الفلسطينيين المسئولية!

فالخلاصة هي أن إسرائيل لا شيء دون أمريكا والغرب، وبالذات أمريكا خاصة، ولو رُفع عنها غطاء الدعم غير المحدود فلن تستطيع البقاء لأسابيع، وبالتالي، فإن الحرب إنما هي حرب أمريكا والغرب علينا، وإسرائيل مجرد أداة.

كذلك، فإنه قد اتضح تماما خلال هذه الأحداث عجز النظام العربي والإسلامي واستعباده من قبل أمريكا، فهم غير قادرين على أن يمدوا يد المساعدة لإخوانهم الذين يتضورون جوعا بإدخال الطعام والمساعدات إليهم. أما التأمل بأي تحرك عسكري أو التلويح به فهو ليس إلا ضربا من الخيال، ناهيك عن تقديم أي دعم سياسي أو ضغط على الإدارة الأمريكية والغرب للضغط على إسرائيل. وهكذا يتضح أن الأمة التي يقتل أطفالها ونساؤها في غزة ويجوَّعون، يمكن أن تختار أمريكا أيضا أي بقعة من أي أرض عربية أخرى للقيام بالعمل ذاته، ولو حدث هذا، فلن تجد هذه البقعة وليا ولا نصيرا من إخوانها، وسيسلمونها لأمريكا ويقفون متفرجين، هذا إن لم يجبروا على الانضمام إليها في حلف بمبررات واهية، كما حدث في العراق عام 1991، بدلا من يتحالفوا فيما بينهم ويحلوا المشاكل العربية في البيت العربي، ولا مانع حتى أن يقاتلوا طرفا معتديا منهم لردعه عن عدوانه. فهذا يجب أن يكون ناقوس خطر يدق للتفكير في المصلحة العربية والإسلامية المشتركة التي تقتضي الوحدة، والتي هي في مصلحة الجميع، وأن الذي يعتمد في أمنه على أمريكا أو على دعمها أو محاولة العيش في توازنات معها لن يكون في أمان إلا إذا سمع وأطاع حتى فيما هو ضد مصلحة شعبه وأمته.

ونظرا إلى الوضع العربي والإسلامي، فقد أصبح واضحا أن فلسطين لن تتحرر إلا إذا تحرر العالم العربي والإسلامي الذي يقع تحت وطأة استعباد أمريكي، لطالما حاول الغرب تلطيفه بإظهاره وكأنه نوع من التحالف، حتى جاء الأحمق ترمب ووضع الأمور في نصابها، وتحدث بكل وقاحة للناس كيف كان يتحدث مع الملوك والحكام في المنطقة ويقول لهم إن عليكم أن تدفعوا ثمن حمايتنا لكم. ولعل حال الأمة العربية والإسلامية قد فاجأ ترمب نفسه، الذي ظن بأن العرب لن يقبلوا بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس في ولايته الأولى، فوقف وتحدث للعامة وقال كيف إنه تجاهل الاتصالات من الزعماء العرب، ثم استقبلها بعد أن قام بهذه الخطوة، وقال مستغربا ومتفاجئا: كان هناك من يظن أن هذه الخطوة ستكون خطيرة وتؤدي إلى نهاية العالم، ولكن لم يحدث شيء! لذلك يجب على الفلسطينيين خاصة أن يدركوا أنهم والحال هذه، غير قادرين تحت هذه الظروف على تحقيق أي شيء، وأن أي خطوة لاستفزاز العدو ستكون سببا في تردي الأوضاع بصورة أكبر، وإلى مزيد من إضعاف الحالة الفلسطينية وإلى مزيد من الخسائر، بل وإلى إضعاف الأمة بمجملها أيضا بكشف عوراتها وضعفها!

هذه الأحداث يجب أن تدفع الفلسطينيين خاصة وما كان يسمى بمحور المقاومة عامة إلى إعادة النظر واستخلاص الدروس. فالمقاومة دون غطاء ودعم من المحيط العربي عمل عبثي انتحاري سيؤدي إلى كوارث كما حدث وما زال يحدث في غزة. والواقع أن الذي كان يعطي هذا المحور زخما وقوة وأعطى للناس شيئا من الأمل إنما كان الدعم الإيراني بالسلاح والمال ووجود حزب الله الذي يفترض أنه يمتلك من الأسلحة ما كان يمكِّنه من تدمير إسرائيل أو إلحاق أذى كبير بها، وهذا ما كان بالفعل، ولكن الهزيمة المنكرة قد أُلحقت به بسبب الاختراقات الأمنية التي تتغلل في إيران نفسها، والتي جعلت إسرائيل قادرة على قتل هنية في بيت الضيافة في طهران، وزرعت قنابل في أجهزة النداء الآلي وأجهزة اللاسلكي، واستطاعت قتل كل القادة من ميدانيين وسياسيين وعلى رأسهم حسن نصر الله وخليفته هاشم صفي الدين بعده بأيام، واغتنمت إسرائيل كما كبيرا من الأسلحة المضادة للدبابات التي بالفعل لو استخدمت ضدها لدمرت آلياتها ولم تسمح لها بالتقدم شبرا، كل هذا قد بيَّن أن امتلاك سلاح مؤثر أيضا أو يمكن ظاهريا أن يؤذي العدو ليس كافيا لتحقيق النصر أو على الأقل إلحاق الأذى به. وهنا قد ثبت أيضا، أن إيران ليست حليفا موثوقا لمحور المقاومة، وأنها لا تستخدمه إلا كورقة من أجل حساباتها الداخلية وأمنها القومي، بينما نجد أن الحليف الأمريكي لإسرائيل مستعد لدخول الحرب والهجوم على اليمن فيما لو تعرضت السفن الإسرائيلية للتهديد؛ في الوقت الذي يسعى فيه ترمب لإيقاف الحرب في أوكرانيا، ويقدم نفسه كرجل سلام يريد أن يوقف الحروب في كل مكان!

إن الواجب على الفلسطينيين أن يلجأوا إلى محيطهم العربي، والواجب على المحيط العربي أن يحتضنهم، وأن يدرك الجميع بأن قضية فلسطين تخصهم جميعا، وليست فلسطين سوى الساحة أو الخاصرة الهشة التي يمارس فيها الغرب وأمريكا هجومها وعدوانها على الأمة، ولا يستطيع أي نظام عربي أن يجد الأمن دون الوحدة والتكاتف بين العالم العربي بل والإسلامي، وأن يكونوا واثقين تماما بأن نظرية الأمن بالاعتماد على أمريكا والغرب والتحالفات معها نظرية خاسرة ستجعلهم ليسوا أكثر من عبيد. ولا يمكننا التشكيك في نيات المقاومة وفي إخلاصها للقضية وفي شرف رجالاتها عموما، ولكن يمكننا القول بأن واقع الحال يؤكد أنها افتقرت للحكمة والوعي الاستراتيجي وغامرت. لقد صرح ترمب بوقاحته وعربدته المعهودة أنه يريد إخلاء غزة من سكانها وتحويلها إلى منتجع، ورغم أنه قد تراجع عن هذا لاحقا، إلا أن الكرة تتدحرج حاليا نحو مزيد من المآسي التي قد يكون من ضمنها تهجير، ولو بصورة جزئية، وبسبب سوداوية هذه الظروف، فإن أي إيقاف أو حد من هذا الانحدار أصبح يعدُّ مكسبا مع شديد الأسف.

إن حالة النصر والهزيمة حالتان تتعلقان بالأمم؛ ولذلك يجب ألا يُنظر إلى أي نوع من التنازل من أجل حقن الدماء على أنه هزيمة، فعموما، ومع شديد الأسف، فإن الأمة اليوم هي أمة مهزومة، ولا يمكن لمقاومة بل ولأي دولة عربية منفردة أن تنتصر في أي معركة. فالنصر سيكون نصر الأمة والهزيمة لفئة هي ليست هزيمة لهذه الفئة خاصة بل هي ليست سوى مظهر من مظاهر هزيمة الأمة. لذلك يجب ألا يقف هذا الأمر حائلا دون تقديم ضرورة حقن الدماء على أي عامل آخر في ظل هذا الظروف.

فهل يمكن للعالم العربي ومن خلفه العالم الإسلامي أن يفكِّر نظرية أمن متكاملة، ويسعى لتحقيقها من خلال الوحدة والتضامن، مدركين أنه لا يمكن أن يحظى أي منهم بالأمن بصورة منفردة، وإن تحقق هذا فهو أمن العبد عند سيده الذي يمكن أن يفعل به ما يشاء، إذا رغب في ذلك يوما.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *