لا بد للمسلمين والمسيحيين أن يتحرروا من سموم التراث اليهودي ليعمَّ السلام في العالم

في الإسلام، معلوم أن من أركانه الإيمان بالأنبياء جميعا، سواء من قصهم القرآن علينا أم لم يقصصهم، ولكن المسلمين عموما ينظرون نظرة خاصة إلى أنبياء بني إسرائيل، بسبب ما تسرب إليهم من إسرائيليات، وقد وصل بهم الأمر إلى إنكار أن يكون الله قد أرسل الأنبياء في قوم من قبل الإسلام سواهم، وأن الديانات الثلاث؛ اليهودية والمسيحية والإسلام هي الديانات التي أوحى بها الله تعالى فقط! مع أن القرآن الكريم يقول بصراحة:

{وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} (فاطر 25)

كذلك -وبسبب التأدب مع أنبياء الله وتوقيرهم الذي هو من مبادئ الإسلام العظيمة، ولكن كثيرا من المسلمين قد أخرجوه من نصابه الصحيح- بلغ التعظيم لبني إسرائيل حدا أنهم اليوم يحتقرون أنفسهم عمليا مقابلهم، ويظنون أن ما بلغه بنو إسرائيل من نبوة ومكانة عند الله لا يمكن أن يبلغوه هم، وهذا رغم أن الله تعالى قد أكد أن هذه الأمة هي خير أمة أخرجت للناس:

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (آل عمران 111)

وأن من يطع الله والرسول فإنه سينال المراتب التي نالها السابقون وسيعد منهم بل وسيتجاوزهم أيضا:

{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} (النساء 70)

وهذا مع أن القرآن الكريم يشهد بفساد بني إسرائيل وكونهم أسوأ مثال لأتباع الأنبياء، وأن كل العيوب والأخطاء قد ظهرت فيهم، بل ويقص علينا أنهم وهم في أوجهم، وقبل أن يتحولوا إلى قبائل، قام آباؤهم الذين تربوا في بيت النبوة من إبراهيم إلى إسحاق ثم يعقوب، بجريمة بحق أخيهم يوسف ووالدهم يعقوب لا يكاد يصدق أحد أن من كانوا من هذه السلالة يمكن أن يرتكبوها. أما أحفادهم بعد ذلك فكان تاريخهم تاريخ خزي وخذلان ومسارعة في الكفر ونقض للعهود، ولم يصلح منهم إلا القليل، ولم يكن لهم تاريخ من الإيمان والثبات إلا لفترات قصيرة للغاية. فرغم كل هذا، من العجائب أن غالبية المسلمين يعتقدون بعودة آخر نبي إسرائيلي وهو المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ليكون آخر نبي للإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم! وأن هذا النبي حيٌّ في السماء بينما نبينا صلى الله عليه وسلم متوفىً!

وهذا رغم تصريح القرآن الكريم في العديد من الآيات أن عيسى بن مريم قد توفي، ورغم أن القرآن قد صرَّح بأنه لن يعود إلى يوم القيامة في قوله تعالى في هذه الآية وما قبلها وما بعدها:

{وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (المائدة 118)

وبدلا من أن يفهموا نبأ ظهور المصلح للأمة الذي وعد به النبي صلى الله عليه وسلم على أنه يجب أن يكون من الأمة، ولن يكون من خارجها، وفقا للقاعدة القرآنية:

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } (النور 56)

يصرون على أن المسيح الإسرائيلي بنفسه هو الذي يجب أن يأتي!

فماذا يفعلون بقوله “منكم” وأن الاستخلاف لن يكون من خارجكم؟

وماذا يفعلون بقول النبي صلى الله عليه وسلم:

{كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ} (صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء)

أي هو إمامكم وهو منكم!

وهذا ما يؤكده حديث مسلم:

{كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ} (صحيح مسلم، كتاب الإيمان)

فهذه “منكم” التي يتجاهلها المسلمون ويقولون بلسان حالهم: لا، بل من بني إسرائيل! قد تمناها اليهود وحرفوا النبوءات وحاولوا لي أعناق النصوص من أجل أن يكون النبي القادم بعد موسى منهم، رغم أن موسى قد أكد لهم إنه لن يكون منهم بل من إخوتهم:

{أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ} (اََلتَّثْنِيَة 18 : 18)

فيبدو أن اليهود كانوا أغير على أنفسهم من المسلمين، الذين يصرون على التنازل عن المكانة العليا التي بوّأهم الله تعالى إياها، ويقدمونها لليهود على طبق من ذهب. وهذا رغم أننا نستعيذ الله تعالى في كل ركعة في كل صلاة أن يكون مصيرنا كمصيرهم؛ وهم الذين غضب الله عليهم بكفرهم وعصيانهم وإجرامهم وسماهم “المغضوب عليهم” في سورة الفاتحة ليكونوا المقصود الأول من هذه الآية.

إن تاريخ بني إسرائيل يخصهم هم وحدهم، وهو تاريخ غير مشرِّف للأسف، ختموه بسوء تصرفهم من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بخيانتهم للمسلمين بعد أن حموهم ورعوهم وأكرموهم في ظل حكمهم وتحت إمبراطورياتهم، وأخيرا بخلق الكيان الصهيوني الذي هو سرطان في جسد الأمة. فما لنا ولهم! خاصة وأن الله تعالى قد قال عنهم وعن كل من سبقونا:

{تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (البقرة 135)

أما المسيحيون، فقد عبث اليهود بهم وأضلوهم ضلالا بعيدا، لدرجة أنهم صاروا المقصود الأول من قوله تعالى: “الضالين”. فقد اخترعوا لهم دينا يجعلهم في خدمة اليهود إلى الأبد.

فالمسيح الذي عارضوه وكذبوه وسعوا لصلبه على يد الرومان، فقد تفتق ذهنهم على أن يستفيدوا منه فائدة أبدية، يتبرأون فيه من جريمتهم بحقه من ناحية، وينسبون إليه اللعنة الأبدية رغم أنهم ظاهريا يرفعون من شأنه! وبهذه الخطة الخبيثة لن يشك أحد في الإساءة! فهو إله أو هو ابن الله، وبالأصل لم يرسل إلا لكي يموت على الصليب بخطة إلهية لتبرئة البشر من خطيئة آدم ولكي يمارسوا السيئات بعد ذلك كما يحلو دون أن يُكتب عليهم أنهم خاطئون، وهذه الخطة تقتضي أن يعاقب على جرائم البشر جميعا من آدم إلى آخر الزمان، ويُلعن بل بأن يصبح “لعنة”، ويعاقب في الجحيم من أجل الخطاة! لذلك قال بولس:

{اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا} (غَلاَطِيَّةَ 3 : 13)

ثم، هل يدان اليهود على معارضته وسعيهم لقتله على الصليب، وظنهم أنه بالفعل قد مات على الصليب -رغم أن هذا لم يحدث ولكن حدثت شبهة في الأمر- أم يُشكرون على أنهم كانوا السبب في تنفيذ هذه الخطة الإلهية؟ ولننظر ماذا يقول بولس حول هذا الأمر، وكيف يؤكد أنهم “شعبه” وأنهم ما زالوا مختارين ولم يرفضهم الله:

{فَأَقُولُ: أَلَعَلَّ اللهَ رَفَضَ شَعْبَهُ؟ حَاشَا! لأَنِّي أَنَا أَيْضًا إِسْرَائِيلِيٌّ مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ. 2لَمْ يَرْفُضِ اللهُ شَعْبَهُ الَّذِي سَبَقَ فَعَرَفَهُ} (رُومِيَةَ 11 : 1-2)

ثم إنهم عثروا لا ليسقطوا بل لينقذوا الأمم!!:

{فَأَقُولُ: أَلَعَلَّهُمْ عَثَرُوا لِكَيْ يَسْقُطُوا؟ حَاشَا! بَلْ بِزَلَّتِهِمْ صَارَ الْخَلاَصُ لِلأُمَمِ لإِغَارَتِهِمْ. 12فَإِنْ كَانَتْ زَلَّتُهُمْ غِنىً لِلْعَالَمِ، وَنُقْصَانُهُمْ غِنىً لِلأُمَمِ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ مِلْؤُهُمْ؟ } (رِسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ رُومِيَةَ 11 : 11-12)

ثم إن الرب عندما أراد أن يتجسد اختار رجلا يهوديا، وصار المسيحيون يعبدون هذا اليهودي، فهل من الممكن أن ندين شعبا عندما أراد الله أن يتجسد اختار أن يكون منهم؟!

كيف هذا وبولس بنفسه يصرِّح أنه متعاطف مع اليهود ويشعر بحزن شديد لهم؛ حتى إنه لو طلب منه المفاضلة بين حرمانه من الإيمان بالمسيح أو من أن يكون رسوله المزعوم وبين مواساة اليهود، فإنه سيختار مواساتهم وأن يكون معهم! كيف لا وفيهم الأنبياء والشريعة ومنهم ظهر الإله بنفسه!:

{1أَقُولُ الصِّدْقَ فِي الْمَسِيحِ، لاَ أَكْذِبُ، وَضَمِيرِي شَاهِدٌ لِي بِالرُّوحِ الْقُدُسِ: 2إِنَّ لِي حُزْنًا عَظِيمًا وَوَجَعًا فِي قَلْبِي لاَ يَنْقَطِعُ. 3فَإِنِّي كُنْتُ أَوَدُّ لَوْ أَكُونُ أَنَا نَفْسِي مَحْرُومًا مِنَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ إِخْوَتِي أَنْسِبَائِي حَسَبَ الْجَسَدِ، 4الَّذِينَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ، وَلَهُمُ التَّبَنِّي وَالْمَجْدُ وَالْعُهُودُ وَالاشْتِرَاعُ وَالْعِبَادَةُ وَالْمَوَاعِيدُ، 5وَلَهُمُ الآبَاءُ، وَمِنْهُمُ الْمَسِيحُ حَسَبَ الْجَسَدِ، الْكَائِنُ عَلَى الْكُلِّ إِلهًا مُبَارَكًا إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ.} (رُومِيَةَ 9 : 1-5)

فهذا تعظيم لليهود ووضعهم في مكانة لا يتساوون فيها مع أحد. وبناء على ذلك، وبعد ترسِّخ هذا الأمر لقرون في ضمير الأمم المسيحية، نرى إن بعض السفهاء من الإنجليكان اليوم، الذين للأسف يمسكون بمفاصل الأمور خاصة في الولايات المتحدة، يرون أن دعم إسرائيل على الباطل، مهما ارتكبوا من جرائم، أمر إلهي!

وتأثير السموم اليهودية في الأمم المسيحية يتجاوز هذا الأمر، ويطول شرحه. ففي الواقع، فإن سلوكهم العدواني وممارستهم المظالم على الأمم لقرون طويلة وممارستهم الاستعمار والاحتلال والإبادة إنما كان بوحي من التعاليم والتاريخ اليهودي الذي كانوا يرون أنهم ورثته. لذلك لا عجب أن تتصرف إسرائيل اليوم بصورة كانوا يتصرفون بها هم أنفسهم، بل إن المسئولين الإسرائيليين كثيرا ما احتجوا بأنهم حتى الآن لم يفعلوا ما فعله الأوربيون والأمريكيون في الحروب العالمية وغيرها! وكما قلت، فهذا أمر يطول شرحه وملاحقة تبعاته.

وباختصار، فإن هذه الفتنة قد أنبأ عنها القرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وسلم، وهي ما تُعرف بفتنة “المسيح الدجال”، والتي بدلا من أن يستفيد كثير من المسلمين مما ورد فيها من أنباء جاءت على صورة المجاز، وتتضمن تشخيصا دقيقا لزماننا هذا، وأيضا العلاج، تراهم يصرون على أن يأخذوها حرفيا ويحولوها إلى خرافة. وبدلا من أن يدركوا أن المقصود بعيسى ابن مريم النازل لمقاومة هذا الدجال والقضاء عليه إنما هو فرد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يحلُّ بينهم كما حل الأنبياء والمبعوثون من قبله -وما وصفْه بعيسى ابن مريم إلا من باب أنه سيكون مثيلا له كما كان عيسى ابن مريم في بني إسرائيل- وأنه لن يأتي من خارج الأمة، ولن يأتي بنبوة جديدة، ولن يضيف حرفا أو يحذف حرفا من الإسلام، يصرون على أن يأتي عيسى بن مريم النبي الإسرائيلي بنفسه، ويقوم بنسخ آيات وأحكام من القرآن، ويرغم الناس على الإسلام أو الموت خلاف تعاليم الإسلام، ويؤكد أفضلية بني إسرائيل إلى الأبد! فأي نصرة للإسلام هذه التي ستتحقق على يد المسيح الإسرائيلي المحفوظ في السماء ليرجع للأمة، بدلا من أن يحفظ الله النبي صلى الله عليه وسلم ويعيد إرساله؟!

فهذه الأفكار ترسخ السموم الإسرائيلية وتحرِّف الغاية التي جعل الله من أجلها هذه البعثة لتصبح داءً بدلا أن تكون دواءً.

فالمسلمون وقعوا في سموم هذا التراث اليهودي المحرف المدسوس في أفهامهم، والمسيحيون إنما نسجت عقيدتهم على هذا لكي يكون اليهود شعب الله الذين لا يمكن أن يقارن بهم أحد من البشر، وأن خطأهم جاء بالخير للبشرية، وأن خطيئتهم كانت سببا لنجاة العالم، فكيف ببرهم كما يقول بولس!!

لقد أنبأ القرآن الكريم في وصف الأمم المسيحية بالضالين إلى أنهم في يوم من الأيام سيهتدون ولن يبقوا ضالين، وسيعرفون الحقيقة. ويبدو أن بوادر هذا الأمر قد بدأت، وبدأ نبأ الله تعالى {لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ} (الإسراء 8 ) يتحقق، ويدرك الناس بإنسانيتهم أن تأييد الإجرام الصهيوني المرتكز إلى اليهودية لا يمكن أن يكون صحيحا، وأن واجبهم أن يلتزموا بإنسانيتهم لا بمعتقدات تقلب الحق باطلا والباطل حقا! وبرأيي فإن على مسيحيي الشرق من إخواننا الكرام أن يمسكوا بزمام المبادرة لإنشاء حركة إصلاح مسيحية تقطع الصلة بالتراث اليهودي وتلتف حول شخصية المسيح عليه السلام العظيمة، وترفض أن ينسب إليه اللعنة -والعياذ بالله- تحت أي مبرر، بل ويهدوا الغرب إلى المسيحية الحقة بصفتهم شعب المسيح عليه السلام الحقيقيين وأهل وطنه الذي عاش فيه.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *