بعد أن تبين الخلل الفادح في نظرية أن قطع الوتين تعني انحراف جماعة المتنبئ عن تعاليمه وتركها لحكمه وكلامه، ثم بقاءها واستمرارها لتكون شاهدة على كذبه!! وبعد أن بينَّا فساد هذه النظرية وأنها تحكم بكذب الأنبياء جميعا. أخذ المعترض المرتد يغيِّر كلامه ليأتي بنظرية أخرى لا تقل فسادا وخطأ عن نظريته الأولى؛ وهي قوله إن قطع الوتين إنما يعني عدم تحقق النبوءات أو ادعاؤه أن النبوءات تتحقق عكسيا!

فرغم وضوح أن قطع الوتين إنما يعني الهلاك وعدم الاستمرارية للحياة المادية والمعنوي، ولكن هل يقول الله تعالى: ولو تقوَّل علينا بعض الأقاويل، وتنبأ بنبوءات فسنكتفي بألا نحقق نبوءاته؟ أو سنحققها عكسيا؟

فلو كان هذا هو المعنى، فما معنى قوله تعالى بعد ذلك: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} ؟ ألا يعني ذلك نزول العذاب المهلك عليه الذي ستعجزون عن حجزه عنه؟

لو كان لهذا المعنى أي مصداقية، وهو ليس كذلك، لقال تعالى: فما منكم من أحد له معينين أو ناصرين!! فهل يقول الله تعالى ذلك، أم أن الآيات تتوعد المتقول ببطش الله الشديد الذي يعجز عن حجزه أحد؟

أما قوله بأنه لم تتحقق أي نبوءة، فهو بذلك يحكم على نفسه بأنه من أولئك المكذبين المتكبرين بغير حق ، الذين قال الله تعالى عنهم:

{سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ } (الأَعراف 147)

ويكفي هنا لاختبار كلامه أن نقدم أمامه على الأقل 150 نبوءة مذكورة في كتاب حقيقة الوحي ليرينا كيف أنها لم تتحقق منها ولا نبوءة واحدة.

أما مبالغته في التعنت والمماحكة ليغيِّر قوله وليقول إن النبوءات تتحقق عكسيا كلها، فليرينا كيف تحققت هذه النبوءات عكسيا كلها، لا أنها لم تتحقق على الإطلاق كما كانت دعواه الأولى؟

فهل سيقدر على ذلك؟

أما أن للنبوءات قواعد للتحقق، وهو أن نبوءات الوعيد تكون معلقة ومرتبطة بالتوبة الجزئية أو الكلية، فهذا يحاول إهماله تماما. لو قال مثلا إن بعض النبوءات تحققت جزئيا ولم تتحقق كليا – بإهمال هذه القواعد، ولا حق له أن يهملها، وإلا لكذب الأنبياء جميعا أيضا – لكان لكلامه نوع من المصداقية، أما أن يقول إنها تتحقق عكسيا، وأن هذا من قطع الوتين، فهو التعنت والمماحكة والمعارضة المبنية على التعصب والعناد الذي يدل على أنه لا يريد أن يفقه ولا أن يهتدي سبيلا.

الواقع أن حاله هذه إنما ينطبق عليها المثل القرآني:

{وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} (إِبراهيم 27)

فكلما ازداد تعنتا وعنادا ومماحكة ازداد خزيا وافتُضح أمره. وقد أخطأ خطأ فادحا بلجوئه إلى القرآن الكريم ليسند ترهاته، فهذا القرآن هو كما قال عنه المسيح الموعود:

يُسكِّت كلَّ من يعدو بضِغنٍ…. يُبكِت كلَّ كذابٍ وجاني

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *