في أواخر التسعينيات، كنت أعمل في تآلف من شركتين هندسيتين إحداهما واحدة من كبرى الشركات الهندسية في الأردن، والثانية شركة أمريكية ضخمة ذات شهرة عالمية، وذلك في المشاريع الكبرى لهندسة المياه المدعومة عادة من الوكالة الأمريكية.
كان هذا التآلف يضم إلى جانب المهندسين الأردنيين عددا من كبار المهندسين والخبراء من أمريكا بشكل خاص، وكان مدير المشروع بريطانيًّا جاء من فرع الشركة الأمريكية في بريطانيا، وكان اسمه روبرت. كنت مهندسا مسئولا عن قسم في المشروع الذي نعمل عليه، لدي عدد من صغار المهندسين الذين يعملون معي.
لم أرَ في روبرت هذا تميزا أو ألمعية في شئون الهندسة تؤهله لذلك المنصب، ثم أدركت بعد التجربة أن الشركات الأمريكية تلجأ إلى اختيار مهندسين لمنصب الإدارة من بريطانيا أو إيرلندا خاصة ليس بسبب الكفاءة وإنما بسبب فارق الكلفة مقارنة بالمهندسين الأمريكيين. كان روبرت يتصرف بعقلية عجيبة يبدو أنها من إرث بريطانيا الاستعماري؛ حيث كان مشغولا ببث روح الفُرقة بين الفريق؛ بحيث لا يحظى أي صاحب مسئولية بأي نوع من الولاء. كان روبرت يعمل على تأليب المهندسين والمهندسات الذين يعملون معي ضدي، لكي يخلقوا لي المشاكل، ويسببوا لي الحرج، وخاصة عندما يكون عندنا مراحل جزئية لتسليم الأعمال. وكان يشعرهم أنه معهم ويتقبل كلامهم بل ويصدقهم ويزيد من عنده، فيدفعهم هذا إلى الظن أنهم مسنودون به فيزدادون تمردا. وباختصار، فإنه لم يكن حريصا على العمل أو على جوٍّ مريح في العمل، بل كان يريد أن يحافظ على مكانته ظانا أنه ممسك بالخيوط كلها.
كنت أعرف بهذه التصرفات وألحظها، وكان المهندسون والموظفون جميعا يلحظونها، وأنا لم أكن أفعل شيئا، بل وحتى عندما أجلس مع روبرت وأتحدث لا ألفت انتباهه إلى الأمر، لدرجة أن البعض ظنوا أنني غافل عن هذه المؤامرات. وذات مرة جاءتني إحدى الأخوات المهندسات –التي تعرفت لاحقا إلى والدها رحمه الله وإخوانها وصاروا من أعز الأصدقاء ثم أصبحت أحمدية- وقالت لي وهي تبدي الضيق والقلق: عليك أن تحذر فإنهم يتآمرون عليك، والكل يشاهد هذه المؤامرات ويتأسفون لأجلك. فقلت لها: إنني أعرف هذا، ولكنني متوكل على الله تعالى ومسلِّم الأمر له، وأنا واثق بأنه سينصرني بسبب هذا التسليم والتوكل، فإِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. ماذا ستكون النتيجة أكثر من أنني سأخسر عملي في هذه الشركة فحسب؟ فهل سينقطع رزقي بعد ذلك؟ فالرزق على الله تعالى الذي هو خير الرازقين. إن منهجي الدائم هو أنني إذا رأيت أحدا يكيد لي أشعر بأن هذه هي الفرصة الملائمة لأنال بركات تأييد إلهي فيما لو وفقت للعمل بما يرضيه، ففي أحوال كهذه أفوِّض الأمر إلى الله تعالى لكي يمكر الله لي وهو خير الماكرين فيغلبهم. إنني لو قررت أن أتصدى لهذه المؤامرات بنفسي فلا أثق بالفوز وبحسن العاقبة، لأنني قد أكون أذكى منهم مرة وقد يكونون أكثر ذكاء في مرة أخرى. لذلك فإنني سَأصْبِر فإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.
وبعد مدة وجيزة، جاءني عرض عمل في شركة أمريكية أخرى بظروف وامتيازات أفضل وبضعف راتبي حينها. فحمدت الله تعالى وقبلت العرض، وقدمت استقالتي لأنتقل إلى العمل الجديد بعد قضاء شهر إنذار في العمل القديم وفقا لقانون العمل. فما إن وصلت الاستقالة إلى روبرت حتى جاءني مذعورا -وهذا لأنني كنت ممسكا بقسم ذي أهمية، وكان من الصعب العثور على من يستطيع أن يكمل العمل من بعدي، إلا بعد أن أطلعه أو أدربه لفترة من الوقت- وكنت حينها أقف مع بعض الموظفين لأخذ رسومات كنت قد طلبت طباعتها، فأشار لي من خلف الزجاج وقال ما هذا؟ مشيرا إلى الاستقالة، قلت له: بعد أن أنتهي من عملي، سآتي إليك ونتحدث.
عندما ذهبت إليه، سألني: ما المشكلة؟ قلت له لقد وجدت عملا بظروف أفضل، والواقع أنني لم أكن مرتاحا من جو العمل على كل حال. فقال لي: لماذا؟ قلت له: لأنك للأسف كنت صاحب الدور الأكبر في هذا الجو غير المريح، فبدلا من أن تسهل الأمور علي وتجعل المهندسين الذين يعملون معي يتعاونون معي وينجزون العمل بسلاسة كنت تستقبلهم وتستمع إليهم وتبدي أنك معهم، مما يجعلني تحت ضغوط بصفتي المسئول. ويبدو أن هذا بسبب قناعتكم بسياسة “فرِّق تَسُدْ” الشهيرة لديكم، والتي ظننتم أنكم حكمتم العالم بسببها. فقال لي: إنني كنت أستمع إليهم لأنني لم أشأ أن يذهبوا ويتحدثوا مع الأمريكيين، فهؤلاء الأمريكيون عاطفيون ومن السهل استمالتهم. فقلت له: كان هناك طريقة أسهل، وهي ألا تستمع، وأن تقول لهم أن يتعاونوا معي، وهذا سيكون في مصلحة الجميع، والواقع أنك أفسدتهم ولم تحسن التصرف معهم. فقال لي إنني أعلم أنهم خبثاء، ولم أقتنع بكلامهم، ولكنني كنت مدركا أنني لو لم أسمعهم فسيسمعهم الآخرون، ولكن إذا شئت فإنني سأطرد من تشاء منهم فورا! فقلت له: لا، لا أريد أن تطردهم. فقال لي: لقد كنت دائما تقول لي إن الأرض تدور، ولذلك أتمنى أن تتراجع عن الاستقالة، ويمكن أن نصلح الأمور. فقلت له إن لدي كما تعلم مهمة لأجل مشروعنا لمدة أسبوع في مدينة العقبة، وسأغادر غدا، وعندما أعود فسنستكمل حديثنا. وعلى كل حال، فإن العرض الجديد قد قدم لي راتبا ضعف الراتب الحالي، وأنا منذ فترة كنت أطالب بتعديل راتبي وكنت تعدني ولم تفعل شيئا على مدى شهور، فربما نصل إلى اتفاق، ونضع حدا لما كان يحدث سابقا، ولكن دعنا نتوقف عند هذا الحد. فقال: حسنا، ولنا حديث آخر بعد أن أعود. فقلت: حسنًا، وانصرفت.
عندما رجعت من العقبة، وجدت على مكتبي رسالة من الشئون المالية والإدارية، تتضمن قبول استقالتي، وشكري على الفترة التي قضيتها في العمل، ودعوتي لمراجعة القسم للحصول على مستحقاتي المالية عندما تنتهي مدة الإنذار. فقلت في نفسي يبدو أنه قد حسم أمره، وهذا خير على كل حال، كي لا أتأخر على عملي الجديد. فلم أذهب إليه ولم أراجعه، واستمررت في العمل حتى تنقضي مدة الإنذار التي بقي عليها ما يقارب ثلاثة أسابيع.
وبعد أيام، فإذا بسكرتيرة روبرت تأتي إلي في مكتبي، ويشوب وجهها نوع من التأثر والتوتر، فاستأذنتني لتغلق الباب، فقلت لها: لا بأس، خاصة أن المكتب نصفه العلوي من الزجاج.
لم يكن قد سبق لي الحديث مع هذه السكرتيرة، ولم يزد الأمر بيني وبينها على إلقاء السلام، وكنت في الحقيقة أشعر أحيانا بالخجل من الحديث معها، فهي قد كانت جميلة وأنيقة وليست متحفظة كثيرا في لباسها، ولكنها لم تكن مبتذلة ولا رخيصة، بل كانت سكرتيرة تنفيذية تتقن العمل وتقوم بواجبات ذات أهمية بمهنية.
ابتدأت كلامها بالقول: أريد أن أقول لك أولا إنني ملتزمة بالأمانة في عملي، وقد عملت في العديد من الشركات، ولم أكشف سرا من أسرار عملي، ولكنني سأستقيل قريبا، لذا فإنه لن يكون من قبيل خيانة الأمانة أن أخبرك بما سأخبرك.
فسررت أنها توقعت مني ألا أتقبل منها أن تخون أمانة عملها حتى لو كان هذا في صالحي، وحمدت الله بيني وبين نفسي أن ألقى الله تعالى هذا في قلبها.
ثم قالت لي: قبل أيام، كنت عند روبرت، ومن عادتي أنني أقرأ له الكتب والرسائل التي بالعربية وأخبره بمضمونها، وأثناء ذلك قلت له: هذا كتاب قبول استقالة المهندس تميم مرسل من قسم الشئون المالية والإدارية (وهذا لأن القسم يجب أن يصدر الكتب بالعربية من أجل الحقوق وقانون العمل). فبمجرد أن قلت ذلك، ثار وجنَّ جنونه، وأخذ الكتاب من يدي ونزل إلى قسم الشئون المالية والإدارية، ومكث عندهم مدة، ثم عاد وبقي منزعجا ومتضايقا جدا.
فقلت لها: لماذا حدث كل هذا؟
فقالت: هو في الواقع كان قد أرسل استقالتك إلى الشئون المالية والإدارية، وكتب على ظهرها “FYI” أي لمعلوماتكم، ففهم قسم الشئون المالية والإدارية أنه موافق عليها، فأصدروا الكتاب لك بقبولها. فذهب إليهم ليلومهم على ذلك، وليؤكد أنه لم يقبل الاستقالة.
هي بالطبع لم تعرف ما دار بينه وبين قسم الشئون المالية والإدارية، ولكنني علمت لاحقا من رئيس القسم أنهما تجادلا، فقال له رئيس القسم إنني عندما وصلتني الاستقالة منك فهمت أنك موافق عليها، فأصدرت الكتاب. فقال له: إنني أرسلتها لك لتكون على علم بها وتحفظها عندك، ولم أكتب عليها أنني موافق. فقال له: من غير المعقول أنه كلما وصلتني منك ورقة أن أتصل وأقول لك ماذا تعني بها!
هو في الواقع كان يريد أن يماطلني لبعض الوقت، ويمنيني لكي أنهي المشروع أو على الأقل يستطيع من سيأخذ مكاني أن يمسك بزمام الأمور، ثم بعد ذلك يقول بأنه قد قبل الاستقالة. وكان قد فعلها قبل ذلك مع أحد المهندسين الكبار في السن، الذي بعد أن أنهى مشروعه كان يظن أنه مستمر، ولم يبحث عن عمل آخر، فما أن انتهى العمل حتى قال له: ألم تقدم استقالتك؟ إذن انتهى الأمر. فهذا أدى إلى أن يتأثر ذلك المهندس بشدة، وهو كان مريضا على كل حال، وتأثرت صحته بسبب ذلك.
ثم قلت لها: سبحان الله! كيف أن الله تعالى قد جعله يكتب بيده ما يحررني ويحفظ حقوقي، ومنعه من ممارسة خطته الخبيثة بأن يماطلني ثم يتخلص مني بعد أن يفوت علي فرصة العمل الجديد.
فقالت: إن روبرت هذا خبيث، بل لعله من أخبث من عملت معهم. إنني كنت أرى كيف أنهم يتآمرون عليك، وكيف كان يستقبلهم، وكنت كغيري نشعر بالأسف من أجلك، ولكن يبدو أن الله تعالى قد انتقم لك.
فقلت لها بعد أن عبرت عن شكري لها وتقديري لموقفها: طيب، والآن إلى أين ستذهبين؟ فقالت: لن أعمل في هذا العمل مرة أخرى، وسأستقيل وأمكث في البيت، ثم قالت: “وقرن في بيوتكن”، فلا حاجة لي بهذا العمل ولا بهذه الطريقة من الحياة.
حمدت الله تعالى على الموقف كله، وكيف أنه قد حقق وعده ونصرني بأسلوبه العجيب بسبب توكلي عليه وثقتي بنصرته للمتوكلين. وحمدت الله تعالى على أنه قد ألقى في قلب هذه الفتاة ما كان من الصعب للغاية أن ينغرس في قلبها بالكلام والنقاش والحجج والبراهين. فرغم أنني لم أتحدث معها عن ضرورة الأمانة، جاءت لتؤكد لي إيمانها بقيمة الأمانة، بل لتدفع ثمن الأمانة بأن تقرر أن تترك عملها طواعية قبل أن تخبرني بما حدث! وحمدت الله أكثر أنها اقتنعت أيضا دون أن أتحدث معها بأن وقار المرأة الحقيقي في بيتها، ولا يعني ذلك أنها لا يجوز لها العمل، ولكن إن احتاجت إلى العمل فلا ينبغي أن يكون على حساب بيتها أو على حساب القيم والأخلاق. وأن مكانة المرأة وتحقيقها لذاتها ليس مكانه العمل وترقيها فيه -كما استقر في ذهن كثير من النساء تأثرا بقيم بالية جاءتنا من الغرب، وهم بأنفسهم قد بدأوا يدركون فسادها- بل بأن تكون زوجة صالحة وأما فاضلة تملأ البيت حبا وحنانا وسكينة، وأن نجاحها في خلق بيت على هذه الشاكلة هو النجاح الحقيقي، وهو رسالتها السامية في هذه الحياة.
ثم لم تكن سوى أيام قليلة، وإذا بها بالفعل تترك العمل حتى قبل أن أتركه. ولم ألتق بها بعد ذلك ولا أعلم أين هي الآن، ولكن أسأل الله تعالى أن تكون بالفعل قد حصلت على القرار والوقار في بيتها، وفازت برضا الله تعالى وبحياة هانئة مستقرة.

لا تعليق