“إن الله قادر على أن يُبقي الإنسان في حالة واحدة إذا أراد، ولكن تطرأ عليه بسبب حِكَم ومصالح ظروفٌ وحالات غريبة بما فيها حالة الهم والغم. وبسبب اختلاف الحالات والتغيُّر والتبدل في الأوقات تظهر حِكم الله وأسراره العجيبة. ولنعم ما قال قائل بالفارسية ما معناه: “لو كان في العالم قانون واحد لبقيت كثير من الأسرار خافية”. والذين لا يصيبهم همٌّ ولا غمٌّ ويحسبون أنفسهم سعداء وفي بحبوحة الحياة لا يطّلعون على كثير من أسرار الله وحقائقه.
ومثال ذلك أنه كما جُعل ضروريا في المدارس مع التعليم أن يمارس الطلاب الرياضة أيضا في أوقات معينة، ولا يهدف المشرفون على التعليم من الرياضة والقواعد التي تعلَّم أنهم يجهِّزون الطلاب لحرب أو ما شابهها، ولا يكون الهدف إضاعة أوقاتهم في اللهو واللعب بل الحق أن الأعضاء التي تقتضي الحركة لو تُركت عاطلة تماما لخارت وبطلت قواها كليا، وبالرياضة تُعوّض تلك القوى. إن الألم الظاهري والقليل من التعب الذي يصيب الأعضاء نتيجة الرياضة يكون مدعاة لتنميتها وصحتها. كذلك إن فطرتنا أيضا تقتضي شيئا من التكليف بُغية اكتمالها. لذا إنه لمن فضل الله ومنته أنه يُلقي الإنسان في الابتلاءات في بعض الأحيان وبذلك تزداد قواه المتعلقة بالصبر والرضا بالقضاء. والذين لا يؤمنون بالله يقلقون على ألم بسيط ويرون راحتهم في الانتحار. ولكن تربية الإنسان وكماله يقتضي أن تحل به ابتلاءات من هذا القبيل ليزداد يقينا بالله تعالى.
إن الله قادر على كل شيء، ولكن الذين لا يواجهون تفرق أحوالهم والابتلاء كيف تكون حالتهم؟ فقد انهمكوا في الدنيا وأهوائها ولا يكادون يرفعون عنها نظرهم ولا يفكرون في الله قط. هؤلاء هم الذين خسروا الميزات السامية، وبدلا منها تمسكوا بالأمور الدنيا لأنه كان من شأن الإيمان والعرفان أن يهيئا لهم سعادة وطمأنينة لا توجد في المال والثروة، ولا في أي متعة دنيوية. ولكنهم للأسف يرضون بجذوة من النار مثل طفل صغير دون أن يعرفوا حرقتها وإيذاءها. ولكن الذين ينـزل عليهم فضل الله ويُغدق عليهم ثروة الإيمان يواجهون الابتلاء.
والذين يقولون بأنهم لم يواجهوا أيّ ابتلاء هم أشقياء ويعيشون عيش البهائم. إنهم يملكون لسانا ولكنه لا ينطق بالحق، ولا يجري عليه حمد الله وثناؤه، بل مهمته الكلام المبني على الفسق والفجور وللتذوق فقط. ولهم عيون ولكنها لا ترى مشاهد قدرة الله بل هي لنظر السوء، فأنّى يمكنهم أن ينالوا المسرَّة والسعادة. لا تظنوا أن الذي يواجه الهمّ والغم هو شقي، كلا. بل الله يحبه، ذلك كدَهْن المرهم الذي يكون قبل العملية الجراحية. باختصار، إنه لأمر ثابت في فطرة الإنسان ويريد الله أن يثبت بواسطته ما هي حقيقة الدنيا وما هي البلايا والحوادث التي يمكن أن تحدث فيها. ففي الابتلاءات تظهر خواص الأدعية العجيبةُ وتأثيراتُها. والحق أن إلهنا يُعرف بواسطة الأدعية فقط.”
(الملفوظات، الجزء الثالث، المسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام)

لا تعليق