عندما أقام الله تعالى سيدنا أبا بكر رضي الله عنه خليفة، بدأ خلافته بقرارات قد تبدو متهورة للغاية، وفي غير محلها. فأصر بأن يرسل بعث أسامة إلى الشام في الوقت الذي كانت حشود المرتدين متربصة بالمدينة، بعد أن ارتدت الجزيرة العربية بكاملها سوى المدينة ومكة والطائف، وأصر على عدم التفاوض مع المرتدين في صلاحيات الخلافة ومكانتها، وأصر بأن ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم من حقوق وما كان يترتب على الناس من واجبات فهي ستؤول إلى الخليفة من بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
كان الأمر يبدو وكأنه إلقاء المسلمين جميعا في التهلكة، وأن هذه القرارات بعيدة تماما عن الحكمة، ولكن شاء الله تعالى أن يجعل البركة كلها في هذه القرارات، ليقدم للمسلمين الدرس الأول في التعامل مع الخلافة، وهو أنها موجهة من الله تعالى، والله تعالى هو الذي بيده عواقب الأمور، فأمامها يجب أن تسقط كل أفكاركم وخططكم ودرايتكم وخبراتكم المزعومة. وكانت النتيجة أنه خلال أقل من عام واحد، لم يستتب الأمر في الجزيرة العربية فحسب، بل أمر الخليفة بقتال أعظم أمبراطوريتين في العالم معا، بجيوشه المتواضعة عتادا وعدة، التي انتصرت عليهما في نهاية المطاف، وتغير وجه التاريخ.
السر هو أن الخلافة تتحرك بتوجيه الله تعالى، والله تعالى يسخر الملائكة لتنفيذ ما وجه الخليفة إليه، فتعمل قوانين الدنيا كلها لتحقيق النتائج على أكمل صورة، خلاف التوقعات. فليس بالضرورة أن تكون الإنجازات إنجازت مباشرة للخلافة عن طريق من يتبعها أو يطيعها، ولكن سيرى العالم أن الله تعالى يسخر الناس دون أن يستشعروا لخدمة الخلافة وللعمل وفق ما تراه مناسبا، ويسخر قوانين الكون، لتعمل جميعها في الاتجاه الذي وجهت إليه الخلافة.
وفي الوقت الحاضر، يمكن للمتتبع أن يرى آية تجددت، متعلقة بتوجيهات الخلافة. فمنذ بداية الأحداث في فلسطين، وجهت الخلافة نحو أن على الأحمديين أن يرفعوا الصوت ويكتبوا ويشيعوا المظالم وما ترتكبه إسرائيل من جرائم وما يقوم به الغرب من انحياز وقح غير مبرر، وأن عليهم أن يكتبوا للسياسيين وينشروا في وسائل الإعلام هذا الصوت، وكرر الخليفة التركيز على هذا الأمر في خطبه، بأن ذكر هذه المظالم، وطلب من الأحمديين الدعاء للفلسطينيين المظلومين، على امتداد شهور هذه الأزمة. وبالطبع، فقد قام الأحمديون المخلصون باتباع هذه التعليمات بكل حرص، ولكن اللافت هو أن مئات الملايين من البشر، من المسلمين وغيرهم، توجهوا إلى هذا الجهد، وقاموا بنشر هذه الجرائم والفظائع، وفي رفع الوعي لدى مواطنيهم ولدى العالم، وطغت المنشورات المؤيدة للحق الفلسطيني للمظلومين على الدعاية الصهيونية الكاذبة التي جندت لها الأموال والمؤسسات، وكانت النتيجة هزيمة ساحقة للصهيونية وإسرائيل في هذه الساحة، وتحول الرأي العام في العديد من الدول الغربية، مما أثر على الانتخابات فيها، ومما دفع عددا من الدول للاعتراف بدولة فلسطين، نكاية بإسرائيل وبوقاحتها وإجرامها الذي جاوز كل الحدود. وهكذا فقد تبين بأن هذا هو الاتجاه الصحيح الذي لا بد من بذل الجهود فيه، والذي أراده الله تعالى ووجه الخلافة نحوه، وكذلك سخر الناس لكي يقوموا به، وأثمرت هذه الجهود ولا زالت تثمر.
وقبل أن أنتقل إلى الفئة الأخرى التي رأت طريقا آخر غير طريق توجيهات الخلافة، فأود أن أبين هنا سرا آخر أيضا؛ وهو أنه عندما توجه الخلافة نحو اتجاه معين، ينبغي أن تتساقط جميع الآراء والتوجهات والأفكار والرؤى والخطط للوصول إلى الأهداف، والتي قد تكون أغلبها صحيحة ومحكمة ظاهريا، وقد تبدو بعض الخطط منطقية للغاية ويتوقع منها نتائج رائعة. ولكن الذي يختار هذا الطريق، سرعان ما يجد أنه لم يحقق النتائج المرجوة، بل ربما أتى بنتائج عكسية لم تكن في حسبانه. فالمسألة ليست مسألة حق وباطل، ولا حجج ولا براهين؛ فنتائج الأعمال بيد الله تعالى، وهو الذي إذا أراد شيئا ووجه إليه، فسينجحه حتما. أما الذي يخالف مشيئته في وقت ما، حتى وإن كان رأيه حسنا وصحيحا، فلن يفلح، بل قد يضر أكثر مما ينفع، لأنه في غير وقته وفي محله.
وهنا نجد أن بين المسلمين وبين الفلسطينيين خاصة وبعض العرب، هناك من اجتهد في المسألة، ورأى أن الجهد الذي يجب أن يبذل هو في اتجاه آخر. فمنهم من قال إن حماس والمقاومة ارتكبت وترتكب مخالفات شرعية، وتشوه صورة الإسلام، لذا لا بد أن نركز على هذا الأمر، ونقول إنهم لا يحملون الإسلام الصحيح، ونقدم الحجج والأدلة والبراهين على ذلك. ومنهم من تمادى في اجتهاده، وقال إن المقاومة هي المسئولة عن الذبح الذي راح ضحيته عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى! ومنهم من أيد الرواية الصهيونية دون وعي والتي تقول تاريخيا إن العرب والمسلمين يريدون أن يذبح هذا العدد الكبير منهم لكي يتاجروا بدمائهم، وهم سعداء بهذا الذبح ولا تهمهم دماء شعبهم وأطفالهم ونسائهم وشيوخهم!
ومع أنه، من الناحية المنطقية، يمكن تبيان أن هذا المسلك خاطئ تماما، ومخالف للحكمة، ويصب في مصلحة المعتدي والمجرم وروايته، ولن يؤدي إلى أي نتيجة ملموسة تزيل الظلم أو توقف القتل، سوى أن الإجرام الصهيوني قد يستند إليه، ويقول إن هؤلاء مجرمون بشهادة شاهد من أهلها، ويعني بذلك الشعب الفلسطيني بمجمله، لذلك لنا الحق فيما نقوم به! ولو قال هؤلاء إننا في جهدنا هذا نريد أن ندافع عن الإسلام وعن صورته، ولا نبالي بالنتائج، ونريد أن نقول الحق ولو على أنفسنا، فنجد أن هذا الجهد لم يثمر في تبييض صورة الإسلام النقية بشيء، بل اعتمد عليه بعض الوقحين الأراذل، كبعض الحاخامات، ليقولوا إن الذين يقولون هذا الكلام هم قلة في المسلمين، ولكن حقيقة الإسلام هي أنهم جميعا حماس، والنبي صلى الله عليه وسلم حماس!
أما كيف بيَّض الله صورة الإسلام وكشف وجهه الجميل في هذه الأحداث، فهذا من خلال مشاهد الصبر والذكر الإلهي والحمد والشكر عند المصائب، ومن خلال إظهار أن الفلسطينيين أناس لطفاء يحبون الحياة ويحبون أطفالهم، ويودعونهم بلوعة، وأن الرجل الملتحي صاحب العمامة ليس وحشا، بل رجلا رقيقا يلعب مع حفيدته ببراءة، ويودعها مودعا روح روحه، ويبقى متمسكا بإيمانه وبشكره وبحمده لله تعالى. هذه المشاهد أدت إلى أن يهتم الآلاف بالإسلام ويدخلوا فيه، وكانت هذه المشاهد أبلغ آلاف المرات من مجرد سوق الحجج بأن المسلمين ليسوا حماس، وليسوا داعش، والتي يخطئ في سوقها الكثيرون؛ إذ كثيرا ما ينسبون لهم أمورا حتى لا يقولون بها ولا يفكرون فيها. هذه المشاهد حركت الإنسانية في قلوب الناس في جميع أنحاء العالم، وجعلتهم يقولون إن هؤلاء، ما داموا مسلمين، فلا بد أن يكون السر في الإسلام، ولم يبال أحد بالدعاية الصهيونية التي روجوها لعقود طويلة، التي تشوه صورة المسلمين، ولم يفكر أحد في حماس ولا في غير حماس وما الذي تقوله حماس أو تفكر فيه أو فيما لا تقوله، ولا في مدى مخالفتها لتعاليم الإسلام، ولا في سوء تخطيطها ولا في تهورها، وأصبح هذا الكلام ساقطا، وبالتالي فالرد عليه وتبيانه لم يعد ذا قيمة، حتى وإن كان فيما يقال بعض الصحة.
علينا أن نتذكر أن الله تعالى عندما قال:
{إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (البقرة 31)
كان هذا الخطاب موجها للملائكة، الذين سخرهم الله تعالى لتسيير أمور الكون، وطلب منهم أن يسجدوا لهذه الخلافة؛ أي أن يطيعوها، وهذا يعني أن قوانين الكون كلها وسننه، التي هي بيد الله، ستعمل مع الخلافة، وسيرغم حتى البشر الذين لا علاقة لهم بها من قريب ومن بعيد، أن يعملوا معها دون أن يعوا. فنجاح الخلافة لا يتوقف على طاعة المؤمنين بها لها، فلو لم يبق أحد مع الخليفة، فإن أهدافه وتوجيهاته ستتحقق حتما. وهنا نتذكر الخليفة الأول حضرة سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه، عندما قال إنه سيخرج للمرتدين وحده لمقاتلتهم، حتى لو لم يخرج معه أحد. وهذا لم يكن كلاما عاطفيا، بل كان مدركا أن قوانين الله تعالى ستعمل معه. فلله جنود السماوات والأرض، وحتى الكافرون فهم خاضعون للمشيئة الإلهية، ويمكن أن يسخرهم الله تعالى للعمل وفقا لما تراه الخلافة، حتى وإن لم يسمعوا بها، ناهيك عن أن يؤمنوا بها.
إن الإنسان إذا نال ما يكفي من الحكمة، سيدرك بأن الخطط والأفكار والمشاريع والتوجهات لا يمكن أن تكون مضمونه النتائج، وما يتوفر لدى الخلافة هو أن الله تعالى يقول إن الخير كل الخير فيما أوجهكم إليه من خلالها، سواء توقعتم هذه النتائج أم لم تتوقعوها. والسعيد من يدرك ذلك ويرسخه في أعشار قلبه.
إن وجه العالم سيتغير، وسيتغير حال المسلمين، بمجرد أن يدركوا حقيقة أنهم لو تبعوا الخلافة، أو على الأقل استهدوا بهديها، فسينالون الفلاح والنجاح إلى الأبد، ولا طريق آخر سوى هذه الطريق.

لا تعليق