ذات أمسية في عام 2002 فوجئت بشيخ شاب تبدو على وجهه علائم الذكاء والنباهة واقفا على باب بيتي، ومعه شابان آخران، كان جاء لزيارتي بعد أن سمع عن الجماعة، وأحب أن يتعرف عليها.
استقبلته ومن معه، فعرَّفني على نفسه، وكان الشابان اللذان يقاربانه في السن من تلاميذه. كان قد بدأ حياته سلفيا عندما كان يقيم مع والديه في السعودية، ثم ترك السلفية في الأردن ودرس العلوم الإسلامية في معهد الفتح في دمشق، ثم أصبح الآن مائلا للفكر الشيعي.
لم يكن توجهه إلى الفكر الشيعي إلا نتاج التناقضات التي كان يراها في الفكر السني، ولم يكن مرتاحا أيضا إلى الخرافة والتناقضات في الفكر الشيعي، ولكن ولأسباب شخصية أخرى فقد وجد ضالته في الفكر الشيعي كونه فكرُ رفضٍ وتمردٍ على القيادات التقليدية والمألوف والمعتاد، مما يتناسب مع ظروفه الخاصة.
عندما بدأتُ أحدِّثه في الفكر الأحمدي كان كثيرا ما يُعجب ويرى أن الأحمدية قد حلَّت الأمور بصورة مذهلة بخلاف إفراط عند السنة وتفريط عند الشيعة أو العكس، وكان لا يجدد غضاضة في التعبير عن ذلك على الفور.
نشأت بيننا صداقة، استمرت لسنوات، ثم سافر هو خارج البلاد، وكان كلما جاء في إجازة زارني. وحدث خلال هذه الفترة أن بدأنا برامجنا العربية في القناة الفضائية الأحمدية ثم نشأت القناة الثالثة العربية أيضا.
بعد فترة عاد للإقامة في الأردن، ومما قاله إن المذهل في الجماعة الإسلامية الأحمدية أنه منذ أن زارني أول مرة عندما لم يكن في الجماعة في الأردن إلا بضعة أفراد كان قد شعر بقوة هذه الجماعة، ورأى أنها رغم الظروف هي الوحيدة التي رآها قوية ورآها تتقوى مع الوقت. ثم ببداية البرامج العربية ودخول عدد لا بأس به من الأحمديين العرب فقد بدأت معالم هذه القوة تتفجر.
كنت في ذلك الحين ألتقي بعدد من الإخوة الذين تعرفوا على الجماعة عن طريق القناة وأرادوا أن يستعلموا أكثر، فطلب أن يرافقني في جولاتي التبليغية حينها، فكنت آخذه معي حيثما ذهبت. وقد حدثتْ كثير من المواقف الممتعة حينها والتي يمكن أن أكتب عنها في مناسبة ما. وكثيرا ما كان يعترض على كلامي ويناقشني، وكان النقاش يحتدم بيني بينه، ولكن في جو أخوي ودي، وكان الإخوة الذين تحت التبليغ يستمعون، فكنت أقول لهم ممازحا: إنني آتي إليكم وأجلب معي الشيطان أيضا، بدلا من أن يوسوس لكم في غيابي، فكل ما يمكن أن يخطر ببالكم أو لا يخطر فهو سيقدمه وستستمعون للجواب. فكان يضحك هو ونضحك جميعا.
في عام 2008 أحب أن يرافقني لحضور الجلسة السنوية في بريطانيا، وبالفعل بدأنا بإجراءات تقديم التأشيرة. كنت أملأ له استمارة التأشيرة، فكان من ضمن الأسئلة فيها: هل تم طردك أو إبعادك من أي من البلدان؟ فأجاب نعم: طُردت من سوريا ومن قطر. فكتبت ذلك في الطلب. وكان السؤال الثاني: وما هي الأسباب؟ فأجاب: في سوريا كنت أبيع كتبا ممنوعة، أما في قطر فلا أعرف السبب ولكن غالبا بسبب ميلي إلى الفكر الشيعي. فكتبت ذلك أيضا. فاستغرب من ذلك، ولكنني قلت له إننا يجب أن نلتزم بالصدق المطلق، وإذا شاء الله لك أن تسافر ستسافر. وبالفعل صدرت له التأشيرة.
سافرنا سويا، وهناك تأثر كثيرا بالأجواء، وقال بأنه قد حضر لفرق أخرى اجتماعات ولقاءات ولكن الجلسة حدث مميز جدا يترك أثرا روحانيا هائلا. فقلت له: الآن، وبصفتك مطلعا على آراء الفرق الإسلامية والمذاهب في كثير من المسائل بما فيهم الجماعة، لو قمت بإعداد جدول وسجلت فيه الأفكار، ورأيت من الذي تراه أقرب إلى الحق، ثم وضعت نسبة مئوية، ألا تجد أن أفكار الجماعة ومعتقداتها تزيد كثيرا على غيرها وربما تبلغ 80 بالمئة؟ قال نعم، بكل تأكيد. فقلت له: إذن عليك أن تفوِّض العشرين بالمئة الباقية التي ستتقدم في الفهم فيها إذا أخلصت النية واجتهدت، فهذه النسبة مؤشر واضح على أنها جماعة الحق لا محالة. فبالفعل بايع، ثم قابلنا سويا أمير المؤمنين أيده الله تعالى بنصره العزيز أثناء تلك الزيارة، وكان لقاءً جميلا مميزا.
بعد أن عدنا إلى الأردن بايع بقية الإخوة الذين كانوا تحت التبليغ بفضل الله تعالى، وبدأوا يتقدمون في الإخلاص. أما هو، فقد كان يجد صعوبة في الانسجام مع الجماعة والالتزام بها، وهذا لأسباب شخصية كثيرة أفهمها جيدا. وأصبحت الوساوس تلاحقه في أمور هامشية لا علاقة لها بالمعتقدات الأساسية، كما أنه لم ينسجم كثيرا مع فكرة صدق الخلافة الراشدة بسبب الرواسب الشيعية. فارتد عمليا عن الجماعة.
كان يقول دائما إن مشكلته هو أنه لم يستطع ترويض نفسه ليكون أحمديا مخلصا، ولكنه أكَّد أن ما اقتنع به من فكر الجماعة لا يتزعزع. وكان يدافع عن الجماعة حيثما وجد أحدا يهاجمها. بل كان يستغرب من حنق بعض الذين يعارضون الجماعة، فقال لي ذات مرة إنه قال لأحدهم على النت: “ما مشكلتك مع ميرزا غلام أحمد؟ يجب أن تعرف أنه قد قدَّم للإسلام فكرا ساميا ودافع عنه بكل بسالة، فالواجب عليك لو كنت تحب الإسلام أن تقبِّل يده لا أن تسبه وتشتمه! يكفي أن شخصا كالمرتد المتنصر رشيد يمكن أن يمسخر المشايخ عن بكرة أبيهم من السنة والشيعة بما لديهم من أمور خاطئة، بينما لا يمكنه أبدا أن يقف في وجه الإسلام الحق الذي تقدمه الجماعة.” وهذا القول بلا شك من علامات نبله وحبِّه للحق.
باختصار، لقد ترك هذا الشخص الجماعة ولكنه كان نبيلا، وبقي صديقا كما كان من قبل ومن بعد. وقبل أشهر قال إنه سيرتِّب أموره المعقدة التي جعلته يلتزم في عمل مع جهات إسلامية أخرى ويعود إلى الجماعة، وأنه سيروِّض نفسه ليلتزم بها ويصبح أحمديا مخلصا. والحمد لله رب العالمين.
الخلاصة، أن مجرد الردة وترك الجماعة لا يجعل الشخص عدوا لنا، بل يمكن أن يبقى صديقا حميما ما دام ملتزما بألا يسيء للجماعة ولا يؤذي مشاعرنا، أو لم يختر هو أن يصبح عدوا لنا. ومع أن تركه للجماعة يعني عمليا أنه لم يعد يؤمن بالإمام المهدي والمسيح الموعود عليه الصلاة والسلام، ولكن هذا لا يجعلنا نغضب منه؛ فالإيمان هبة من الله وهو نور يلقيه الله تعالى في القلب. والواقع أن الشخص إذا كان نبيلا حافظا للود والصداقة فهو يستحق منا أيضا أن نبادله ذلك الود ونحفظ صداقته، بل نحن أولى منه في ذلك. وصحيح أن هذا الشخص قد اختار أخيرا العودة إلى الجماعة بفضل الله، ونأمل أن يفي بوعده ويوفقه الله تعالى للالتزام، ولكن لو لم يكن هذا خياره النهائي فإننا سنبقى أيضا أصدقاء.
من هنا نستذكر ذلك المرتد الذي لم يكن نبيلا، ولم يكن حافظا للودِّ ولا للصداقة من قبل ولا من بعد، وكان خائنا ناقبا متربصا رغم إحساننا الظن به. فهذا الشخص بعد أن انكشف أمره ولم يعد مضطرا للاستتار بزي النفاق قد ظهرت أخلاقه الحقيقية التي كان يحرص على إخفائها ليتنعَّم بالمكاسب التي كان ينالها وليتمكن من التخريب من الداخل تحقيقا لنظريته التي صرَّح بها والتي تقوم على أن دمار الجماعات لا يمكن أن يحدث إلا من الداخل. فموقفنا منه في الواقع ليس إلا انعكاسا لموقفه منا، مع أننا أيضا نتقي الله تعالى ولا نمارس الكذب والتحايل والخداع الذي يمارسه، ولكننا مضطرون للرد عليه وكشفه وتفنيد شبهاته كلما تطلَّب الأمر. وأقول، والله تعالى شاهد عليَّ، كما يشهد بذلك الإخوة من الدائرة الضيقة الذين كنا على اطلاع بحالته منذ أن تردى، أنني توقعت أنه سيكون نبيلا عند ارتداده ورجَّحت ألا يصبح صديقا لحثالة الخلق الذين يعارضون الجماعة بكل بذاءة وفحش. ولكنه خيَّب ظني وأصبح زعيما لهم وأكثرهم بذاءة وفحشا.
على كل حال، كل يعمل على شاكلته، وكل شخص سيكون مسئولا عن تصرفاته أمام الله تعالى وأمام الخلق، وسيخلِّد الله الذكر الطيب للطيبين والنبلاء، وسيسجل أسماء المجرمين عديمي الأخلاق في سجل الخزي والعار الأبدي.

لا تعليق