النبوءة الثانية: افتراق الأمة وفسادها كما حدث مع بني إسرائيل وظهور الفرقة الناجية
أنبأ القرآن الكريم أن الأمة ستفترق، وسيتسلل إليها الشرك والفساد، وسيُهجَر القرآن الكريم، كما في قوله تعالى:
{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} (الفرقان: 31)
{كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} (الحجر: 91-92)
كما أنبأ الله تعالى في القرآن الكريم بأن الأمة سيتسلل إليها الشرك وستتفرق إلى طوائفَ وشيعٍ كلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون (1)، كما حدث للذين من قبلهم:
{وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (الروم: 32-33)
كما أنبأ أيضا أن المسلمين سيُفسدون في الأرض ويقطِّعون أرحامهم:
{فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ } (محمد: 23)
وجاءت أنباء هذه الفُرقة والفساد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، حيث جاء فيه:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:{إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرَقَتْ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَإِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً وَهِيَ الْجَمَاعَةُ} (سنن ابن ماجه، كتاب الفتن)
وواقع الحال يبيَّن أن هذا الأمر قد تحقق، وأن هذا وقت ذروته. فلا سبيل لإنكار أن الأمة قد فسدت وتفرّقت إلى فرق شتى؛ كل حزب بما لديهم فرحون، يكفِّرون بعضهم بعضا، بل ويتعطشون لدماء بعضهم، ولا يرقبون في إخوانهم من المسلمين إلّاً ولا ذمة.
وقد أكَّد النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الفِرق والجماعات والطوائف كلَّها ستكون على الباطل، وستدعو أتباعها إلى النار، وأن فرقة واحدة فقط هي التي ستكون على الحق؛ وهي “الجماعة”!
كذلك فقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم حال هذه الفِرق الفاسدة المتناحرة في أحاديث أخرى، كما في حديث حذيفة بن اليمان (2)، حيث بيَّن بأنهم يهدون بغير هديه صلى الله عليه وسلم، وأن الواجب هو اعتزال تلك الفِرق كلها، بل خير للمؤمن من أن ينتمي إلى أحدها أن يعضَّ على أصل شجرة حتى يدركَه الموت. وأكد صلى الله عليه وسلم أن الواجب حينها هو لزوم “جماعة المسلمين وإمامهم”.
وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما (3)، جاء أن الأمة ستبلغ من الفساد مبلغا عظيما وستتفرق إلى فرق تفوق السبعين، وستكون الفرقة الناجية هي التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي}
ومن المؤكد أن “الجماعة” في الحديث الأول، و”جماعة المسلمين وإمامهم” في حديث حذيفة، و”ما أنا عليه وأصحابي” في حديث عبد الله بن عمرو هي كلها إشارات واضحة إلى أن هذه الفرقة الناجية ستكون ذاتها جماعة الآخرين التي أنبأ بها القرآن الكريم في سورة الجمعة، التي سيؤسسها الرجل الفارسي الذي سيكون نائبا وخادما وممثلا للنبي صلى الله عليه وسلم، والذي سيكون ظهوره وكأنه بمنزلة بعثة ثانية له صلى الله عليه وسلم.
وبالنظر إلى التماثل في الفساد والفُرقة الوارد في نبأ الحديث الشريف بين الأمة الإسلامية وبني إسرائيل، فإننا نخلُص إلى فائدة هامة ترشدنا إلى أن الفرقة الناجية في هذه الأمة ينبغي أن تكون مماثلة أيضا للفرقة الناجية التي قامت في بني إسرائيل، كما تشابهت الفرق الضالة في المسلمين بمثيلاتها عندهم. ومعلوم أن بني إسرائيل قد تفرقوا إلى فرق كثيرة، حتى أرسل الله تعالى إليهم المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، الذي أسس الفرقة الناجية ودعاهم للإيمان به. وهكذا فإن نبوءة الحديث الشريف تشير إلى أن الفرقة الناجية ستكون حصرًا تلك الفرقة التي يؤسسها مبعوث في الأمة الإسلامية، ولن تقوم على اجتهاد وأهواء (4). ولا مفرَّ لنا من الإقرار أنه هو نفسه الرجل الفارسي الذي سيكون نائبا للنبي صلى الله عليه وسلم في بعثته الثانية، لأنه هو الموعود الوحيد الذي أشار إليه القرآن الكريم. وهذا يرشدنا أيضا إلى أنه سيكون مثيلا للمسيح في هذه الأمة نظرا إلى مهمته التي تماثل مهمة المسيح عيسى بن مريم عليه السلام في بني إسرائيل.
ولما كان الافتراق في الأمة قد حدث وبلغ أوجه، وهو أمر واقع، فلا بد من أن تكون الفرقة الناجية موجودة أيضا. وبالنظر إلى أن الفرق والجماعات كلَّها لا تتوفر فيها شروط الفرقة الناجية، ولا تعدو كونها شِيعا كل حزب بما لديهم فرحون، وهي بنفسها لا تدعي أنها قامت بأمر الله تعالى أو بوحيه، فلا مفرَّ من الإقرار بأن الفرقة الناجية الموعودة هي الجماعة الإسلامية الأحمدية حصرًا؛ تلك الجماعة التي تعلن أنها جماعة الآخرين الملحقة بالأولين التي أنبأ بها القرآن الكريم، التي أسسها بأمر من الله المبعوثُ الذي يمثِّل النبي صلى الله عليه وسلم في بعثته الثانية، والذي هو مثيل المسيح في الأمة؛ كون المسيح في بني إسرائيل هو من أسس الفرقة الناجية.
_____________________
حواشي:
(1) عندما يحذر القرآن الكريم من أمر ما فهذا يعني أنه يتنبأ بأنه سيحدث، وإلا كان التحذير بلا جدوى. لذلك فإنه في التحذير من التفرق إشارة ونبوءة بالتفرق.
(2) عن حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ أنه كان يَقُولُ: {كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ قَالَ نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ قُلْتُ وَمَا دَخَنُهُ قَالَ قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ قُلْتُ فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا فَقَالَ هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ قَالَ تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ قَالَ فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ} (صحيح البخاري، كتاب المناقب)
(3) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:{لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً قَالُوا وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي} (سنن الترمذي، كتاب الإيمان عن رسول الله)
(4) جاء في حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سمى الفرق في ذلك الزمان ملل أهواء، فعن معاوية بن أبي سفيان أنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ افْتَرَقُوا فِي دِينِهِمْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً يَعْنِي الْأَهْوَاءَ كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً وَهِيَ الْجَمَاعَةُ وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ } (مسند أحمد، كتاب مسند الشاميين)

لا تعليق