النبوءة الثالثة: وعد الاستخلاف وعودة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة ثانيةً
أنبأ القرآن الكريم بقيام الخلافة في الأمة الإسلامية في قوله تعالى:
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور: 56)
إذ تضمَّن هذا النبأ أن المسلمين سيحظون بخلافة تماثل خلافة الذين قبلهم من بني إسرائيل (1)، وستقوم هذه الخلافة في الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وستكون سببا لتمكين الدين واستتباب الأمن من بعد الخوف، وستكون سببا لنشر التوحيد ونبذ الشرك.
وبالفعل، فقد تحقق النبأ أول مرة، عندما قامت الخلافة الراشدة على منهاج النبوة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في جماعته جماعة الأولين؛ التي كانت خير جماعة مؤمنة عاملة للصالحات، فمكَّن الله تعالى بها الدين بأن تولَّت جمْع القرآن الكريم وحفْظه، وحافظت على سنة النبي صلى الله عليه وسلم وتمسكت بها ودافعت عنها ببذل الدماء، وبدَّل الله بها الخوف أمنا إذ نصرها نصرا عزيزا مؤزرا عندما تكالب عليها المرتدون والمنافقون وشذاذ الآفاق من الكافرين وأدعياء النبوة الكذبة وأرادوا القضاء عليها ليقضوا على الإسلام.
ولكن كان من المقدَّر أن ترتفع هذه الخلافة الراشدة الأولى بعد فترة من الزمن، لأن جماعة النبي صلى الله عليه وسلم الأولى؛ جماعة الأولين، ستصبح أقلية بعد أن يزداد عدد الداخلين في الإسلام ممن لم يحظوا بمصاحبة النبي صلى الله عليه وسلم أو يتربوا على يد الصحابة، ولأنه كان مقدَّرا أن يبدأ الفساد بالتسلل من بعدها حتى يبلغ أوجه بعد ثلاثة عشر قرنا. وقد أنبأ النبي صلى الله عليه وسلم برفع الخلافة الراشدة ثم بعودتها مجددا في جماعة الآخرين، حيث جاء في الحديث:
عن حُذَيْفَةَ بن اليمان قالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:{تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً (2) عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ سَكَتَ } (مسند أحمد، كتاب أول مسند الكوفيين)
وقد تحقق هذا النبأ بحذافيره؛ حيث قامت الخلافة الراشدة أولا، ثم جاء بعدها الملك العاض الذي سُمِّيَ خلافةً والذي تَمثَّل في الأمويين ثم العباسيين والفاطميين؛ الذين كانوا يتنازعون السلطة ويعضُّون عليها ويستمسكون بها بشدة ويقتِّل بعضهم بعضا من أجلها، ثم الملك الجبري الذي سُمِّي خلافة أيضا والذي تَمثَّل في الدولة العثمانية (3) التي حكمت البلاد الإسلامية حكما جبريًّا تميَّز بالقسوة والقوانين والأحكام الجبرية، وخاصة في أواخر عهدها.
ووفقا لهذا الحديث، لا مفرَّ من التسليم أن جماعة الآخرين، التي هي الفرقة الناجية، لا بد أن تكون قد نشأت في أواخر زمن خلافة الملك الجبري الذي هو الدولة العثمانية، وأنه لا بد أن تكون قد نشأت فيها الخلافة الراشدة الثانية فورا ودون انقطاع كما تلت خلافةُ الملك العاض الخلافةَ الراشدة، وكما تلت خلافةُ الملك الجبري خلافةَ الملك العاض.
كذلك فإن الحديث يبيَّن أن هذه الخلافة الثانية ستكون على منهاج النبوة، كما كانت الخلافة الأولى على منهاج النبوة. ومعلوم أن الخلافة الأولى قامت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في جماعة صحابته الأولين، حيث أقام الله تعالى الخليفة الأول أبا بكر الصديق رضي الله عنه، ثم أقام الخلفاء من بعده واحدا تلو الآخر. فلكي تكون الخلافة الثانية على منهاج النبوة في جماعة الآخرين كما كانت الخلافة الأولى في جماعة الأولين فهذا يستلزم تلقائيا أن تقوم بعد البعثة الثانية للنبي صلى الله عليه وسلم، والتي سيمثله فيها خادمه صلى الله عليه وسلم، ذلك الرجل الفارسي، الذي سيكون مظهرا لبعثته الثانية. وبخلاف ذلك لا يمكن أن تقوم خلافة راشدة، ولا يُمكن أن توصف بأنها على منهاج النبوة.
ولقد تحقق هذا النبأ بكل وضوح وجلاء في الجماعة الإسلامية الأحمدية، التي نشأت في أواخر زمن الدولة العثمانية، وقامت فيها الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة بعد وفاة خادم النبي صلى الله عليه وسلم وممثله ونائبه الذي كان مظهرا للبعثة الثانية للنبي صلى الله عليه وسلم؛ مما يجعلها حقًّا خلافة على منهاج النبوة، لأنها قامت بعد البعثة الثانية للنبي صلى الله عليه وسلم في جماعة المؤمنين الأخيرة كما قامت الخلافة الأولى بعد بعثته الأولى في جماعة المؤمنين الأولى.
هذه الجماعة التي شهد الله تعالى بإقامة الخلافة فيها ابتداءً من ذلك الوقت أنها هي جماعة الآخرين الذين يشابهون الصحابة في الإيمان والعمل الصالح، وهي الجماعة الوحيدة التي تعلن بأعلى صوتها بأن الخلافة قائمة في الأرض وأن الإسلام ما زال حيا وعزيزا، وأن الله تعالى قد وعدها بالنصرة كما وعد الخلافة الأولى. وهي التي تقف صامدة أمام أعداء الدين من الداخل والخارج الذين يبذلون كل جهودهم للقضاء عليها.
إن شيئا من التدبر في هذا النبأ لن يترك مفرًّا من الإقرار بأنه قد تحقق كاملا في الجماعة الإسلامية الأحمدية، التي قامت فيها الخلافة منذ أكثر من قرن، واستمرت بالقيام بمهامها بكل ثبات، وأيدها الله بتوفيق ونصرة خارقة للعادة، وصمدت أمام ظروف قاهرة ما كان يمكن أن تصمد أمامها لو لم يكن الله معها مؤيدا وناصرا. وهي الجماعة الوحيدة التي يحقُّ لها أن تدعي أنها على منهاج النبوة، لأنها قامت بأمر من الله تعالى بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم الثانية التي خلفه فيها الرجل الفارسي الموعود، والتي تتجمع فيها وفي زمنها العناصر كلها المؤكدة أنها هي الحقَّة (4) .
____________________
حواشي
(1) أما عن تشابهها مع بني إسرائيل، فقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم فارقا، وهو أن الخلافة كانت في بني إسرائيل خلافة نبوة، كلما هلك نبي انقضى زمنه وتبعه نبي يخلفه. أما في هذه الأمة، فلا نبي ولا رسول لها إلا محمدٌ المصطفى صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، الذي زمنه مستمر إلى يوم القيامة ولم ينقضِ بموته صلى الله عليه وسلم؛ لذلك لن يُبعث فيها أنبياء بعده صلى الله عليه وسلم يعلنون ببعثتهم إنقضاء زمنه وبداية زمنهم والعياذ بالله، بل سيقيم الله تعالى خلفاء يقومون مقام النبي صلى الله عليه وسلم ويخلفونه. وهذا ما جاء في الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ} (صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء)
(2) نصُّ الحديث يؤكد أن الخلافة لن تنقطع يوما، بل إنها ستتسلسل وتتحول بعد أن تنشأ أول مرة، وهذا ما تحقق على أرض الواقع كما هو معلوم. فإشارة إلى نشأتها أول مرة بعد النبوة جاء نص الحديث ليقول: “ثم تكون خلافةٌ على منهاج النبوة” وهنا الفعل “تكون” هو فعل تام فاعله “خلافةٌ”، أما بعد ذلك فالفعل “تكون” أصبح فعلا ناقصا، واسمه المضمر هو “الخلافةُ” وأصبح كل من “ملكا عاضًا” و “ملكا جبرية” و”خلافةً على منهاج النبوة” إنما هي أخبار الفعل الناقص “تكون” المكرر. وتقدير الجمل هو: “ثم تكون الخلافةُ ملكًا عاضًا.. ثم تكون الخلافةُ ملكًا جبريةً.. ثم تكون الخلافةُ خلافةً على منهاج النبوة. وفي هذا تأكيد للتسلسل الزمني بلا انقطاع في تحوُّل الخلافة من صورة إلى صورة، ونفي إمكانية وجود انقطاع زمني.
(3) هنالك من يقول إن هذا الحديث قد تحقق، ولكننا ما زلنا في فترة الملك الجبري التي يحكم فيها حكام ظالمون مستبدّون في البلاد الإسلامية، والذي بانتهائه ستظهر الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، بل ومنهم من أخذ يبارك أعمال الثورة والتمرد والانقلاب على هذه الأنظمة مستبشرا وواعدا الناس بظهور هذه الخلافة المزعومة بعد سقوطها! وهذا القول باطل بداهة، لأن هؤلاء الحكام ليسوا امتدادا لخلافة الملك، ولا يسمى حكمهم بالخلافة أصلا، وهم بأنفسهم يقرون بأن خلافة الملك سقطت بسقوط الدولة العثمانية. والواقع أن نصَّ الحديث لا يسفعهم في فهمهم هذا؛ فالحديث يتحدث عن الخلافة حصرا وتحولها من صورة إلى صورة لا عن نظم الحكم التي ستحكم المسلمين عموما.
أما لو كان نص الحديث يقول في آخره “ثم تكون خلافةٌ على منهاج النبوة”، كما كان في أوله، لكان هنالك إمكانية للقول بالانقطاع الزمني بين خلافة الملك الجبري وعودة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، ولكن النص لم يأت هكذا، وبذلك سُدَّت طريق هذه الإمكانية.
(4) أما الظن بأن الخلافة الثانية ستكون خلافة حاكمة ملكية سلطانية عسكرية، فهذه مجرد أمانيّ لا علاقة لها بالنبأ؛ إذ إن النبأ يؤكد أن خلافة الملك ستنقطع بخلافة الملك الجبري ثم تبدأ بعدها الخلافة على منهاج النبوة، ولن تكون هذه الخلافة صورةً جديدة لخلافة الملك. ثم إن المسلمين قد عاشوا زمنا طويلا تحت حكم الخلافة السلطانية، فما لبثوا أن تمردوا عليها بعد أن فسدوا هم كما فسد سلاطينهم، لذا فلا يرجى صلاح أحوالهم بدولة خلافة عسكرية جديدة. والله تعالى إنما أراد أن تعود الخلافة الراشدة لتعالج هذا الفساد وتصلح أحوالهم ولتقوم بمهام الخلافة الأولى، والتي هي مهام النبوة، والتي اختصرها الله تعالى في قوله تعالى:
{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} (الجمعة: 3).
والتي هي تلاوة آيات الله؛ أي الاهتمام بالقرآن الكريم ونشره في العالم، وكذلك تقديم الأدلة على وجود الله تعالى بالحجج العقلية والآيات السماوية، وتزكية المؤمنين وتطهيرهم، وتعليمهم الكتاب والحكمة.
أما كون الخلافة الراشدة الأولى حاكمة فهذا اقتضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد جمع له النبوة والملك -في الفترة المدنية لحكَم إلهية؛ على رأسها تقديم الشريعة الكاملة والأسوة الحسنة في شئون الحكم والسياسة- والخلافة ورثته في المنصبين. ولكن منصبه الأساس هو النبوة التي مهماتها تلاوة آيات الله والتزكية وتعليم الكتاب والحكمة، ومنصب الخلافة الأساس هو المعني بهذه المهام أيضا. أما الخلافة السلطانية التي جاءت بعد الخلافة الراشدة فلم تكن سوى خلافة حكم، ولم تكن تقوم بمهام الخلافة الراشدة، ولم تكن قادرة عليها.

لا تعليق