عندما تم إنشاء المكتب العربي في الجماعة الإسلامية الأحمدية في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، بدأت حركة إصدار الكتب العربية بتوجيه من الخليفة الرابع رحمه الله، لتكون متوفرة في طبعات حديثة للقارئ العربي. وقد قام الأستاذ المرحوم مصطفى ثابت بإدخال هذه الكتب العربية جميعها على الحاسوب بجهد مضنٍ؛ حيث لم تكن برامج الحاسوب قد تطورت إلى هذا الحد حاليا، وقد قام بتكرار عمله وتطويره مع تطور البرامج إلى أن أصبح متوفرا في نسخ وورد كان يمكن أن نبدأ العمل عليها. فنسأل الله أن يجزيه خير الجزاء ويتقبل منه، فقد كان سبَّاقا ومثابرا.
وفي هذه الأثناء كان المكتب العربي يقوم ببعض الأعمال كإصدار الجزء الأول من التفسير الكبير و بعض الكتب الأخرى تحت توجيه الخلافة وإصدار مجلة التقوى وغيرها من بعض الأعمال الأخرى، وكنا نتعاون فيما تيسر من أعمال منذ ذلك الحين.
ثم في أوائل عام 1999، اتصل بي الأستاذ عبد المؤمن طاهر، وطلب أن أعمل ما يلزم لكي أحضر إلى لندن لمدة شهر تقريبا لنعمل سويا في عدد من الكتب. ولظروف معينة لم أتمكن حينها من القدوم، فحضر هو إلى الأردن بأمر من الخليفة الرابع رحمه الله، ومكثنا مدة من الزمن نعمل في هذه الكتب بعد أن أعود من عملي مساء. وقبل البدء أخبرني الأخ عبد المؤمن بأوامر الخليفة الرابع رحمه الله حيال التدقيق، فقال ما معناه إن حضرته يقول لنا إننا يجب أن نعتمد على النُّسَخ الأولية الصادرة في زمن حضرته ونُسَخ الخزائن الروحانية ويجب أن ندقق النص، فإذا وجدنا أن كلمة غير صحيحة إملاءً أو يبدو أن فيها خطأ نحويا أو صرفيا، فيجب أن نتركها كما هي في النص ولا نعدِّلها داخله، وإذا لم نجد لها تصريفا بعد أن نبذل قصارى جهدنا، وتقينَّا وفقا لفهمنا أنها خطأ بالفعل، فعلينا أن نضع هامشا نقول فيه: “يبدو أنها سهو، والصحيح هو كذا”. فاستغربت من ذلك، وقلت إن هذه الأخطاء في أغلبها هي أخطاء نساخ لم يكونوا يعرفون العربية إلا قليلا، ووارد أن يقعوا في السهو، ووارد أيضا أن يكون المسيح الموعود عليه والسلام قد سها في بعض المواضع القليلة، فيفترض أن يكون من حقنا تصحيح الأخطاء التي نتيقن منها، لأننا نحن نمثل المصدر أيضا.
وعندما بدأنا العمل، كانت بعض التعابير والأساليب والصيغ تبدو غريبة علينا، ورأينا بعض ما ظنناه أخطاء نحوية أو صرفية أو إملائية، ولكننا بعد البحث تبين لنا أن كثيرا مما كنا نظنه خطأ، ومما هو شائع ومعروف عموما عند من له إلمام بالعربية، لم يكن خطأ، بل كان جائزا أحيانا وكان أحيانا ما نظنه هو الصحيح هو الخطأ في الحقيقة والصحيح ما أورده حضرته! والواقع أننا لم نكن متسرعين في الحكم بالخطأ، لثقتنا أن الله تعالى كان مع حضرته في كتاباته، وبخلاف السهو القليل الذي قد يحدث، فإن الهامش الأكبر مما كنا نستغربه لأول وهله كان تحته كنوز من معارف العربية التي لا تنضب. وبالفعل، وبعد العودة إلى المصادر من أمّات كتب العربية، تعلمنا الكثير بفضل الله، وزادت حصليتنا اللغوية. وقد وضعنا مقدمة في بداية الكتب العربية تشير إلى بعض هذه النقاط من تلك المصادر التي قد يستغربها القارئ العربي والتي هي ليست غريبة، بل هي أصيلة، بل متقدمة في البلاغة والبيان. بل وسعينا على أن نعثر مثيل هذه النقاط في القرآن الكريم والحديث الشريف كمصادر أولى، وقد أسعفنا القرآن الكريم بفضل الله كما أسعفنا الحديث الشريف، وأوردنا هذه الأمثلة في هذه المقدمة.
هذه التجربة كانت مفيدة للغاية لي، وهي أيضا مفيدة لمن يطلع على هذه القصة ليدرك أن هذه الجماعة بلغت الغاية في الأمانة والدقة، وأنها لا تبالي مطلقا بأي شيء مقابل الأمانة. فوفقا لتعليمات الخليفة الرابع رحمه الله، فقد تحملنا مسؤولية خطأ النساخ الذين لم يكونوا يعرفون العربية إلا قليلا، وأيضا أثبتنا ما قد نراه سهوا – حتى الآن، والله أعلم بحقيقته- من المسيح الموعود عليه السلام، ولم نبالِ بما قد يثيره المعترضون الذين لم نبالِ بهم مطلقا في تاريخ جماعتنا. ولكن النتيجة كانت زيادة علمنا، وزيادة إيماننا بصدق المسيح الموعود عليه السلام، وزيادة ثقتنا بهذه الجماعة المباركة التي تنعم بالخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي لا تبالي بأي شيء سوى مرضاة الله تعالى، ولا تقيم وزنا لأي شيء مقابلها.
وأقول مشهدا الله تعالى، أنني لم أجد في يوم من الأيام – مع طول مدة توفيق الله تعالى لي بانضمامي إلى هذه الجماعة المبارك الذي سيصبح ثلاثين عاما بعد أشهر قليلة – إلا الصدق المطلق والشفافية، ولم أؤمر في يوم من الأيام إلا بالصدق والأمانة والمعروف وبالخير والبر بل والشفقة والرأفة على خصومنا. وأننا لم نسعَ يوما للانتصار على خصومنا وخصوم الإسلام بالتلاعب أو التزييف والتحريف، وكان سلاحنا دوما نظيفا شريفا عفيفا، ولم نكن نعتمد على جهل بعض خصومنا بما لديهم لننتصر عليهم، بل كنا نزودهم بما قد يجهلونه من نظرياتهم ووسائل دفاعهم إن أعيتهم الحجة أمامنا، وهذا لأننا لا نريد انتصارا بالحيل والألاعيب، بل نريد أن يظهر جلال الإسلام وجماله بقوته الذاتية الطاهرة النقية.
إنني أفخر بانضمامي إلى هذه الجماعة المباركة، وأحمد الله تعالى الذي هداني لهذا وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله. هذه الجماعة التي هي جماعة المؤمنين الأخيرة، والتي عرفت فيها الله تعالى ورسوله وكتابه حقا، والتي رأيت فيها خوارق قدرة الله تعالى وثمرات الإيمان بفضله تعالى ورحمته، كما رآها أيضا إخواني وزملائي مرارا، وخاصة المقربين من الخلافة المباركة. وقد أكتب لاحقا بعضا من هذه الخوارق تحديثا بالنعمة. فشتان بين الحي والميت والأعمى والبصير.
اللهم إنا نسألك حياة لا موت بعدها، ونسألك أن تدرك أبصارنا وتتجلى علينا باليقين والعرفان بحيث لا نرى سواك، آمين.

لا تعليق