الإضراب عن الطعام ممارسة وعادة هندوسية قديمة، وُجدت أدلةٌ عليها في كتب الهندوس بما لا يقل عن 750 قبل الميلاد، ومارسه الهنود في بدايات القرن التاسع عشر في مواجهة الحكومة الإنجليزية، كما مارسوه بعد ذلك للاحتجاج فيما بينهم، حيث أضرب أحد الزعماء الهندوس في عام 1952 مطالبا بولاية مستقلة. كما عُرف الإضراب عن الطعام في اسكوتلندا منذ القديم، قبل المسيحية، واستخدمه الجمهوريون الايرلنديون منذ بداية القرن العشرين، احتجاجا على الحكم البريطاني.
ويستند الإضراب عن الطعام على محاولة إلحاق العار بمن عليه الحق؛ حيث مارسه الإيرلنديون قديما بأنْ كان يـأتي صاحب الحق أمام منزل من ارتكب جرما بحقه أو من لديه حق عنده، ويضرب عن الطعام ليوم واحد، إذ كان من العار أن يتركه ليموت وألا يقدم له الطعام. أما عند الهنود فكانت هذه الممارسة تتم بكثرة، وخاصة إذا كان أحد مدينا، فيذهب الدائن ويضرب عن الطعام أمام بيته. وقامت الحكومة البريطانية بمنع هذه الممارسة قانونيا منذ بداية القرن التاسع عشر.
أما في الإسلام، ومن قبل في التاريخ العربي، فلم تُعرف هذه الممارسة. والواقع أن التاريخ العربي منذ القديم؛ الذي يقدِّر الضيف ويقدِّر وجوه الناس فيما لو جاءوا في طلب حاجة لم يشهد شيئا من هذا، إذ أن مجرد عدم شرب فنجان القهوة يثير الهلع لدى المضيف ويصبح مستعدا لإرضاء الضيف بأي وسيلة ويعطيه طلبه فورا. والواقع أن الامتناع البسيط عن تلقي الضيافة يستند إلى الاعتقاد بأن الشخص المضيف سيشعر بالعار لو لم يُشرب شرابه أو لم يؤكل طعامه. وهذا في الواقع ما حدث مع إبراهيم عليه السلام إذ شعر بالذعر لأن ضيوفه لم يأكلوا؛ إذ كان لديهم خبر يريدون إخباره به أولا.
وعلى كل حال، وبالنظر إلى الشريعة الإسلامية، فإنها تحرِّم الإضرار بالنفس والإلقاء بالنفس إلى التهلكة تحت أي مبرر، وبالطبع هذا لا يشمل الاستبسال في القتال، وهذا لا يختلف عليه اثنان. ولا أعرف أحدا ولم أسمع حتى الآن بأن هناك من يبيح الإضراب عن الطعام على أسس شرعية، ولكن المشايخ والمؤسسات الدينية صامتة، وهذا ما يمكن اعتباره نفاقا ومداهنة، لأن صوت الحركات الثورية أو الوطنية أعلى من أي صوت، وسيتهم من سينصح بترك هذه الممارسة بالخيانة. وهناك أشباه العلماء من مشايخ ركوب الموجات الوطنية، الذين أرادوا أن يلبسوا هذه الممارسة المحرمة شرعا بلباس إسلامي بتسميتها “معركة الأمعاء الخاوية”، حيث يوحي هذا الاصطلاح بسبب صياغته العربية وكأنه جزء من الجهاد المشروع!
ينبغي أن يتذكر هؤلاء أنهم لا يتبعون القرآن ولا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، بل يتبعون سنن الذين من قبلهم، وليتهم اتبعوا اليهود والنصارى فحسب، بل اتبعوا سنن الهندوس المشركين والقبائل الاسكوتلندية قبل المسيحية!
وهناك جانب مهم تستند إليه هذه الممارسة، وهي أنها تفترض في الطرف الذي عليه الحق أو الذي نطلب منه شيئا كتحقيق العدالة، أنه شريف كريم، لن يسمح بموت خصمه، وسيندفع فورا ليستجيب كي لا يموت. وهذا بحد ذاته تشريف وتكريم واعتراف بهذا الظالم. كذلك فإن الأمر في حقيقته إنما هو نوع من الاستجداء، فكيف إن كان استجداء من لئيم؟ هل هذا يليق بمن تهمه كرامته؟ هل الحرية أو أي مطلب آخر أكثر أهمية من الكرامة؟ فهل يعي الذين يروجون لهذه الممارسة هذه الجوانب؟
وأكتب اليوم بمناسبة موت أحد المضربين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، والذي أسأل الله له المغفرة والرحمة، ولعله لم يجد من ينصحه ويبين له حقيقة هذه الممارسة، وأسأل الله أن يتولى عائلته وأطفاله من بعده. فعسى أن يكون في هذه الحادثة درس نهائي للامتناع عن هذه الممارسة، خاصة بعد التغيير الذي حدث في حكومة الاحتلال الإسرائيلي التي لم تعد تبالي بأي شيء، وليس في حسبانها صورتها أمام العالم، ولن يجدي معها هذا الأسلوب، بل ربما يتمنون أن يمتنع السجناء جميعا عن الطعام ليموتوا كلهم، ولن يحرك الأمر شعره في هذه الحكومة على ما يبدو.
إن استجابة حكومات سابقة لإضرابات كان نوعا من التكريم والتشريف المجاني الذي كان يقدمه المضربون لها، ولكن هذا قد أصبح من الماضي لدى هذه الحكومة الأخيرة، ولربما الحكومات التي تليها، لأن المجتمع الإسرائيلي أصبح محكوما بالمتطرفين الذين لا يبالون بأي شيء، بل إن قطاع العلمانيين في إسرائيل يشعر بالذعر على الإسرائيليين أنفسهم منهم.
فإلى متى نعطي الاحتلال هذه الفرصة للتكريم فيما لو استجاب للإضرابات، أو لإهلاك بعض الشرفاء الذين لم يجدوا من ينصحهم لوجه الله؟ وإلى متى نبقى بعيدين عن تعاليم ديننا الحنيف ونتبع سنن أمم بائدة دون وعي؟


لا يوجد تعليق