“القرآن الكريم كتاب لا تنقضي عجائبه، وهو ينبئ بأحوال الماضي والحاضر والمستقبل، ويعطينا إشارات ونبوءات ويرشدنا في أحوالنا في كل زمان وكأنه نزل للتو، وخاصة في هذا الزمن الذي امتلأت فيه الأرض ظلما وجورا، وقد بلغ الضعف في المسلمين مبلغه، والذي هو زمن النشأة الثانية للإسلام؛ أي زمن عودته من جديد. فالحمد لله رب العالمين”
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)
وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (2) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (3) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (4) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (5) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (6) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (7) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (8 ) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (9) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (10) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (11) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (12)} (العاديات 1-12)
تقليديا، كانت تفسر هذه السورة على أنها تتحدث عن الخيل، وعن شجاعة المسلمين في الجهاد، الذي كان دفاعا عن أنفسهم مقابل عدوان وظلمهم. وأن الله تعالى يقسم بها، بمعنى أنه يقدمها ويقدم الدور الذي ستقوم به شهادة على حدوث تغيير كبير في العالم، تلعب الخيل فيه وفرسانها الذين على ظهورها دورا مهما في إقامة العدل وردع الظلم.
وفي هذا الزمن، نجد بالتأمل أنها تقدم معاني جديدة مذهلة؛ فهي قد تشير إلى الطائرات الحربية المقاتلة، التي يستخدمها الكفَّار المتكبرون، للهجوم على الضعفاء وسلب خيراتهم وإخضاعهم وإذلالهم. وأن الدافع وراء هذا العدوان إنما هو الكفر بالله والكفر بأنعمه والاستكبار والطمع. وأن الله تعالى مطِّلع عليهم، وهو يحذرهم من العواقب الوخيمة لهذه الأفعال التي سينالون جزاءها، وسيفضح الله تعالى أحوالهم ويخرج ما يكنونه في صدورهم، وإن حاولوا إخفاءه. فيقدم الله تعالى هذه الطائرات وما قامت به شهادة على هذه الأفعال الظالمة التي سيرتكبونها.
والعاديات في اللغة: جمعُ العادية: عدا الرجلُ وغيرُه يَعْدو عَدْوًا وعَدَوانًا وتَعْداءً وَعَدًا: جرَى وأحضرَ. وَعَدا فلانًا عن الأمر: صرَفه وشغَله. وعدا عليه: وثب. وعدا الأمرَ وعن الأمر: جاوزه وتركه. وعَدِيَ يَعْدَى عَدًا له: أبغضَه (أقرب الموارد)
وضَبْحًا: الضَّبْح نوع من العَدْو، حيث قال الراغب الأصفهاني صاحب المفردات: “قد يقال ذلك للعَدْوِ، وقيل: الضَّبْحُ كالضَّبْع وهو مَدُّ الضّبْعِ في العَدْو.”
وورد في أقرب الموارد: “ضبحت الخيل في عدْوها ضبحًا: أسمعت من أفواهها صوتًا ليس بصهيل ولا حمحمة… وقيل: الضَّبْحُ صوتُ أنفاسها.”
فنرى كيف أن الطائرات عند إقلاعها تعدو على المدرجات عدوا سريعا، وترفع مقدمتها وتنخفض مؤخرتها قبل الإقلاع، كما أن الضبع منخفض المؤخرة مرفوع المقدمة. وتصدر الطائرات صوت ضجيج المحركات النفاثة الذي يمكن وصفه بالضبح، كما أنها عندما تكون في السماء تصدر صوت هديرها المرعب، وخاصة عندما تخترق جدار الصوت. فهذه الطائرات تعدو وتصدر ضجيجا، وهو شبيه بصوت أنفاس الخيول أيضا عند ركضها.
ومن معاني العاديات أيضا أنهن يقمن بالعدوان؛ أي يعتدين ويغرن ويهاجمن.
أما “الموريات قدحا”
ونظرا إلى اللغة نجد: أَوْرَى الزَّنْدَ: أخرجَ نارَه.
وقدَح بالزَّند: رامَ الإيراءَ به.. أي أراد إشعال النار به. (أقرب الموارد)
فنرى أن الطائرات عندما تقلع وتبدأ محركاتها بالدوران، فهذا يبدأ بشعلة وهي شرارة لإشعال الوقود، ثم تخرج النار من المحركات النفاثة. وكما أن الشرر كان يخرج من حوافر الخيل نتيجة لسرعة عدوها، فكذلك الطائرات عند إقلاعها وهبوطها خاصة تحتك عجلاتها بالمدارج الأرضية أو على حاملات الطائرات، ويخرج منها الشرر.
ومن المعاني الأخرى أيضا هو أنها تقدح بصاعق يؤدي إلى إشعال النار بشيء تحمله، وهذا يومئ إلى الصواريخ والقذائف والقنابل التي تحملها.
أما “المغيرات صبحا” فنلاحظ أنه اصطلح في عصرنا تسمية هجوم الطائرات بالإغارة وبالغارات الجوية، ونلاحظ أيضا أن الغارات تكون دائما في الصبح في أوقات محددة. وقد أخبرني بعض أهل الخبرة أن الطائرات يغرن في الصباح الباكر بعد الفجر أو قبيله إذا كان الهدف المراد قصفه هدفا عسكريا يريدون منه أن يباغتوا العدو في هذه الفترة التي تكون معظم القوات في حالة راحة، ويحتاج الأمر إلى بعض الوقت ليستعد الجميع للمواجهة، كما أنهن يغرن في وقت آخر من الصباح وهو بحدود العاشرة صباحا، عندما يكون كل صاحب وظيفة، مدنيا أو عسكريا، في وظيفته.
أما “فأثرن به نقعا”، فالضمير الهاء في “به” يعود على القدح الذي يورونه؛ أي ما أردن إشعاله من نار، والذي يعني الصواريخ والقذائف والقنابل التي تحملها.
ونجد في القواميس من معاني النقع:
نَقْعُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، وشَقُّ الجَيْبِ، … والقَتْلُ … وصوْتُ النَّعامَةِ.. والماءُ المُسْتَنْقِعُ (القاموس المحيط)
غبار ساطع منتشر.. أصوات الخدود إذا ضُربت..
ونَقَعَ عدوَّه: قتله.. ونَقَعَ الموتُ: انتشر (لسان العرب)
فوفقا لهذه المعاني، فإن ما يحملنه من نار له صوت مرتفع، وهذا الصوت يماثل أحيانا ضرب الخدود أو ارتطام شيء بشيء، وهو كصوت النعامة، ويثير غبارا ساطعا منتشرا، ويؤدي إلى استشراء القتل وانتشاره وكثرته!
فما أعجب هذا التعبير!
حيث نرى أن هذا الوصف هو وصف دقيق للصواريخ والقذائف والقنابل، وكيف أنها تصدر أصواتا مرتفعة متعددة متنوعة، وتثير غبارا كثيفا ساطعا ودخانا في اليابسة كما تثير الماء المستنقع بسبب انفجارها عندما تقصف أهدافا في الماء، وتؤدي إلى قتل الكثير من الناس!
والأعجب أننا لو عرفنا أن للنعامة أصواتا متعددة، منها ما هو كالهدير والزئير الذي يقوم به الذكر، وهو شبيه بصوت الصاروخ خاصة في بداية إطلاقه، ثم هناك الزمار أو الصفير، وهو كصوت الصاروخ الذي يصدر صفيرا قبل انفجاره، ومن يستمع إليها سيجد أنها شبيهة جدا بأصوات القصف والصواريخ. هذا إضافة إلى أن هناك صوتا للقصف وهو صوت الارتطام، الذي يشبه صوت لطم الخدود وشق الجيوب.
كذلك يشير هذا التعبير إلى أن الأهداف منها ما سيكون في الماء؛ أي السفن والبوارج الحربية، وسيثير الانفجار الماء الذي يكون مستقرا ومستنقعا في البحار والمحيطات.
و”فوسطن به جمعا” أي أن هذا الشيء من النارِ، المقدوحة المورية، الذي كُنِّي عنه ولم يُذكر يتوسط الهدف بدقة، فيصيب الجمع أو المجموعات أو المجمَّعات في وسطها، ويحدث دمارا.
ثم تنتقل الآيات لتذكر أن “الإنسان”؛ أي هذه النوعية من البشر يؤمئذ، والذين سيستخدمون هذه العاديات بكثافة في عدوانهم على الضعفاء وظلمهم، يتصفون بصفة “الكنود”. والكَنود هو الكَفور، يستوي فيه المذكر والمؤنث؛ وهو الكافرُ؛ اللوّامُ لربه. وهو أيضا: البخيلُ؛ العاصي … مَن يأكل وحده ويمنع رفده ويضرب عبده.” (أقرب الموارد)
فهؤلاء الذين يستخدمون هذه الطائرات ويعتدون، السبب وراء عدوانهم هو أنهم كافرون بالله، وكافرون بنعم الله، وهم بخلاء وعصاة، ويحبون أن يأكلوا وحدهم، ويسيئون للضعفاء ويهينونهم كما يسيء السيد اللئيم للعبد. وهذا يعني أنهم مستكبرون طماعون بما في يد غيرهم، ولا يشبعون. وهذا ما ينطبق اليوم على الغرب كما هو معلوم. فحروبهم كلها يحركها الاستكبار واستغلال ثروات الآخرين، ولا يتوانون في إذلال الشعوب والأمم، وفي العدوان عليهم بمبررات واهية ليس خلفها سوى الطمع في خيراتهم ومقدراتهم، إضافة إلى معتقداتهم الكفرية التي تؤدي إلى انعدام الإنسانية عندهم وتعزز تكبرهم على الخلق.
وقوله تعالى “وإنه على ذلك لشهيد” هو أنهم لا يتوانون عن القيام بهذا العدوان والظلم والتكبر على خلق الله واستعباد البشر، ويتفاخرون بذلك ولا يشعرون بالحرج.
وقوله تعالى “وإنه لحب الخير لشديد”، تأكيد على أن شهوة جمع المال والثروة هي التي تحركه وتدفعه ليستولي عليها بشدة وحماس ويندفع من أجلها بكل قواه. فلا يتحرك لدوافع الخير ولا لأجل الإنسانية، ولا يظهر الشجاعة والإقدام والعزم الأكيد إلا في سبيل جمع الثروات وسلبها من الضعفاء. أما القيم الإنسانية ورفع الظلم عن البشر، فهذا لا يحرك ساكنا من أجله.
أما قوله تعالى: “أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور، وحُصِّل ما في الصدور، إن ربهم بهم يومئذ لخبير” إنما يفيد إنذارا ربانيا بأن عاقبتهم ستكون وخيمة، وسيعاقبهم الله تعالى عقابا شديدا على فعالهم. فهم في الحقيقة وإن كانوا يبدون أحياء فهم أموات روحانيا، وكأنهم يعيشون في القبور، ولن يبقوا مستقرين في قبورهم هذه، أي في نظامهم وحياتهم التي قد تبدو مزدهرة مع أنها ليست إلا موتا، بل سيتدمر نظامهم ويتبعثرون كما تتبعثر بقايا الجثث من القبور فيما لو خُرِّبت وفتحت. كما أن كفرهم وطمعهم وتكبرهم على خلق الله أشبه بجثة متعفنة سيظهرها الله تعالى للعلن وسيأنف منها كل صاحب ضمير إنساني. وسيظهر الله ما في صدورهم من أحقاد وأفكار بالية شريرة مجرمة، وسيصبحون هم وتاريخهم وصمة عار في جبين الإنسانية تؤدي إلى أن يخجل منهم ومن أفعالهم أجيالهم القادمة. وسيعاملهم الله تعالى عند وقوع العذاب بهم بما يليق ويناسب، فهو العليم بهم الخبير بأحوالهم.
***************
(ملاحظة: نعتقد في الجماعة الإسلامية الأحمدية، أن الجزء الثلاثين من القرآن الكريم، وهو جزء عم، ينبئ خاصة بنبأ انتصار الإسلام في الزمن الأخير، بعد فترة من الانحطاط والضعف، والتي ستكون فيها الأمم الغربية التي أشير إليها بأنها “يأجوج ومأجوج” في القرآن الكريم وأنها أمة “المسيح الدجال” أيضا في الأحاديث مستولية على الأرض وتعيث فيها فسادا. ويحتوي القرآن الكريم في مواضع متنوعة الأنباء عن هذا الزمن، ولكن الجزء الأخير خاصة يركز على أحوال هذه الأمم وعلى أحوال المسلمين في هذا الزمان. وهذه الرؤية التفصيلية التي تنساق مع هذا الإطار العام، حول هذه السورة، هي من اجتهادي الخاص، الذي يحتمل الصواب والخطأ. وفي التأملات عموما التي ستكون سلسلة أكتب فيها كلما رأيت مناسبا، سأشير إلى اجتهادي الخاص، وإلى ما ليس من اجتهادي أيضا مما سُبقت به من أقوال الخلفاء أو علماء الجماعة. وأحببت أن أشارك القراء بهذه التأملات، فمن رأى فيها شيئا حسنا فليحمد الله تعالى)

لا تعليق