بدأ تاريخ الأمة الإسلامية بإسماعيل عليه السلام، الذي كان بنفسه مستعدا لتقديم التضحية في سبيل الله رغم حداثة سنه. ثم تجلت هذه الإشارة بظهور الذبيح الحقيقي الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم، والذي كان ابن الذبيح الثاني عبد الله. وقد لخَّص الله حال النبي صلى الله عليه بقوله:
{لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (الشعراء 4)
أي أنه ذابح نفسه ذبحا شديدا إلى القفا، في سبيل أن تهتدي البشرية وتنعم بالأمن والسلام. وبالفعل، فقد أهدى النبي صلى الله عليه وسلم للعالم الأمن والسلام، ومبادئ الحفاظ على الأنفس وعلى كرامتها وحقوقها، للعدو قبل الصديق، ووضع مبادئ المساواة بين بني البشر، ودعاهم للتنافس في الخيرات، وأن أكرمهم عند الله أتقاهم، أي أن أفضل خلق الله هم من لا يقترفون الشر والسوء تجاه بني البشر، ومن يتقدمون لمواساتهم ويضحون بأنفسهم في هذا السبيل. وهذا هو مختصر رسالة الإسلام، وكل منصف يدرك أن القيم الإنسانية التي كثيرا ما يرددها العالم وقليلا ما يلتزم بها، ليس لها مرجع حقيقي في التاريخ البشري إلا في الإسلام، نظريا وتطبيقا.
أما الشق الثاني من أبناء إبراهيم، فلم يكونوا أبناء إسحاق مباشرة الذي ربي علي يد إبراهيم، وإنما أبناء يعقوب ابن إسحاق؛ أي إسرائيل، الذي كان شيخا كبيرا، والذين قد بدأت بذرة الفساد فيهم مبكرا. فعندما رأوا أن أخاهم يوسف مقرب لأبيه وقد يكون ذا شأن، تآمروا لقتله، ثم اتفقوا على نفيه وبيعه عبدا. فكانت هذه هي بداية قصتهم.
والمؤسف أنهم استمروا لسنوات طويلة مصرين على موقفهم، ولم يرتدعوا، بل إنهم عندما التقوا به قبل أن يعرفوه، وبعد حادثة نسيان المكيال في متاع بنيامين، اتهموه تهمة جديدة، وادعوا أن بنيامين قد سرق كمثل أخيه يوسف من قبل الذي كان سارقا!
ومنذ ذلك الوقت، يبدو أنهم كانوا يظنون أنفسهم مختارين ومقربين إلى الله بسبب نسبهم، وأن ذنوبهم مغفورة مهما تعاظمت، لذلك اجترأوا على جريمتهم بحق أخيهم، من باب أن الله سيغفر لهم، وسيكونون صالحين أيضا عند أبيهم وعند الله بعد الخلاص من يوسف، مما أوقع الكبر في نفوسهم. فأراد الله تعالى أن يرغم أنوفهم بأن يجعل أخاهم الذي تآمروا عليه ولي نعمتهم، وأن يصبحوا في كنفه. وكان دخولهم إلى مصر يبدو تكريما في البداية، ولكنه كان في الحقيقة ابتلاء، وكان الله تعالى يريد أن يخلص أجيالهم من الكبر الموروث الذي تملَّك نفوسهم، فأصبحت ذريتهم في حكم العبيد عند المصريين، وتعرضوا للاضطهاد كأمة مستعبدة، مما كسر نفوسهم، وجعلهم في حالة لا يمكن معها لأحد أن يفكِّر في الكبر. ثم منَّ الله عليهم بأن بعث موسى عليه السلام لكي يخلصهم من العبودية ويرفع نفوسهم من الذل الذي اعتادوه. ولكن سرعان ما عاد الكبر إليهم مجددا بعد داود وسليمان، فكان عقاب الله تعالى لهم بالمرصاد من جديد، وتعرضوا للسبي والاستعباد. وكان الله تعالى يبعث إليهم النبي تلو النبي لإصلاح فسادهم، فكانوا يلقون منهم سوء المعاملة والقتل أحيانا، وتعرض الأنبياء جميعا عندهم للقتل المعنوي، بأن نسبوا إليهم أسوأ الجرائم ودونوها في العهد القديم. فمن إبراهيم الذي قدم زوجته للملك الفلسطيني أبيمالك مدعيا أنها أخته، ثم كرر هذه الفعلة الوقحة عند فرعون في مصر، وكان كلاهما أكرم منه وأكثر قربا لله منه والعياذ بالله، إلى يعقوب الذي زنا بكنته، إلى لوط الذي زنا بابنتيه، إلى داود الذي تلصص ورأى زوجة أحد قادته عارية فقرر أن يأخذها وأرسل زوجها الذي كان مخلصا له للموت، إلى الكثير جدا من القصص الشنيعة المقززة التي تشمئز من ذكرها النفوس السوية، ثم العجيب أن تجمع في كتاب يفترض أن يكون مقدسا! فأين القداسة؟ وما هو التعليم المقدَّس أي الطاهر الذي يقدم للبشرية؟ وماذا سيكون أثر هذه القصص سوى الترويج للفساد وتدمير الأخلاق والقضاء على النماذج التي جعلها الله تعالى للفضيلة بحيث يستمرئ الناس بعد ذلك الإثم ويستسهلوه ما دام الأنبياء كانوا على هذه الشاكلة؟
وهكذا نجدهم قد اغتالوا شخصيات الأنبياء الكرام، الذين أبدوا إحباطهم منهم منذ موسى عليه السلام مرورا بداود وسليمان إلى عيسى عليهم السلام، والذين لعنوهم بسبب كفرهم وعصيانهم، بل إن سليمان قد دعا الله أن تضمحل دولتهم وألا ينال أحد منهم من بعده ملكا كملكه، بسبب ما علم من عصيانهم وفجورهم الذي سيتعاظم في المستقبل.
أما تاريخهم في قتل أنفسهم والإبادة الجماعية للأمم حولهم، فقد دونوه في العهد القديم؛ فنرى أنهم خدعوا أهل شكيم (نابلس) وقتلوهم على حين غرة، وادعوا أن الله تعالى قد أمرهم أن يفنوا الشعوب القريبة منهم ويقتلوا كل نسمة من رجال ونساء وأطفال، وأن يبقروا بطون الحوامل، وأما الأمم البعيدة فإذا استسلموا لهم صاروا جميعا عبيدا، وإذا لم يستسلموا قتلوا الرجال وسبوا النساء والأطفال. فما أشنع ما فعلوا، وما أشنع أن ينسبوا هذا التعليم إلى الله تعالى. فهم قد أسسوا للإبادة الجماعية والاستعباد والرق ونسبوها إلى التعليم الإلهي، بينما كانت تمارسها الشعوب من قبل دون أن تجعلها من التعاليم المقدسة.
وهكذا فلا عجب أن اليهود قد سُمُّوا قتلة الأنبياء. فهؤلاء الذين لم يتوانوا عن قتل الأنبياء، وسعوا لقتل آخر أنبيائهم المسيح عيسى بن مريم عليه السلام. ومن يقتل الأنبياء لن يتوانى عن قتل من دونهم من البشر، ولكن الذي يزيد هذا القتل والإجرام بشاعة هو أن ينسب إلى تعليم الله تعالى.
وبسبب نزعة القتل لديهم وارتباطها بتاريخهم نجد أن القرآن الكريم عندما نهى عن قتل نفس بريئة واحدة وبيَّن فظاعة الأمر؛ إذ عد قتل نفس واحدة كقتل الناس جميعا، قال إن هذا التعليم قد وجه من قبل إلى بني إسرائيل خاصة:
{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} (المائدة 33)
ويسجل القرآن الكريم أنهم لم يستفيدوا من تعليم الله بحرمة القتل، ولم يستفيدوا من رسالات أنبيائهم الذين سعوا ليخلصوهم من هذه النزعة والفساد في الأرض المرتبط بها.
والواقع أن العهد القديم قد تضمن الكثير من المواضع التي تدينهم وتبين أنهم مغضوب عليهم من الله تعالى بسبب فسادهم المستمر، فجاء على لسان موسى:
َقَالَ الرَّبُّ لِي: قُمِ انْزِلْ عَاجِلاً مِنْ هُنَا، لأَنَّهُ قَدْ فَسَدَ شَعْبُكَ الَّذِي أَخْرَجْتَهُ مِنْ مِصْرَ. زَاغُوا سَرِيعًا عَنِ الطَّرِيقِ الَّتِي أَوْصَيْتُهُمْ. صَنَعُوا لأَنْفُسِهِمْ تِمْثَالاً مَسْبُوكًا. 13وَكَلَّمَنِيَ الرَّبُّ قَائِلاً: رَأَيْتُ هذَا الشَّعْبَ وَإِذَا هُوَ شَعْبٌ صُلْبُ الرَّقَبَةِ. 14اُتْرُكْنِي فَأُبِيدَهُمْ وَأَمْحُوَ اسْمَهُمْ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ} (اََلتَّثْنِيَة 9 : 12-14)
ويذكر العهد القديم أن الرب قد وصفهم بأنهم شعب “صلب الرقبة” وكان يريد إفناءهم في كل مرة، وكان موسى يتضرع لأجلهم. وشجبهم أنبياؤهم جميعا، ووصفهم المسيح عليه السلام بأولاد الأفاعي:
{«يَاأَوْلاَدَ الأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي؟} (إِنْجِيلُ مَتَّى 3 : 7)
أما إشعياء فيذكر على لسان الله ما يلي:
{2اِسْمَعِي أَيَّتُهَا السَّمَاوَاتُ وَأَصْغِي أَيَّتُهَا الأَرْضُ، لأَنَّ الرَّبَّ يَتَكَلَّمُ: «رَبَّيْتُ بَنِينَ وَنَشَّأْتُهُمْ، أَمَّا هُمْ فَعَصَوْا عَلَيَّ. 3اَلثَّوْرُ يَعْرِفُ قَانِيَهُ وَالْحِمَارُ مِعْلَفَ صَاحِبِهِ، أَمَّا إِسْرَائِيلُ فَلاَ يَعْرِفُ. شَعْبِي لاَ يَفْهَمُ». 4وَيْلٌ لِلأُمَّةِ الْخَاطِئَةِ، الشَّعْبِ الثَّقِيلِ الإِثْمِ، نَسْلِ فَاعِلِي الشَّرِّ، أَوْلاَدِ مُفْسِدِينَ! تَرَكُوا الرَّبَّ، اسْتَهَانُوا بِقُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ، ارْتَدُّوا إِلَى وَرَاءٍ. 5عَلَى مَ تُضْرَبُونَ بَعْدُ؟ تَزْدَادُونَ زَيَغَانًا! كُلُّ الرَّأْسِ مَرِيضٌ، وَكُلُّ الْقَلْبِ سَقِيمٌ. } (إِشَعْيَاءَ 1 : 2-5)
فلنتأمل في هذا الوصف وما جاء فيه!
أما القرآن الكريم، فقد جاء يذكرهم بسيئاتهم وأخطائهم التاريخية، ويفتح لهم باب الأمل، بطاعة الله والإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم. ولكنه أيضا سجل أنهم سبب الفساد في الأرض وإشعال الحروب، إذ قال تعالى:
{ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } (المائدة 65)
وأخيرا، فعلى العالم أن يراجع تاريخ الأمتين، ويرى أيهما التي كانت ولا زالت خير أمة أخرجت للناس، وأيهما كانت أمة فاسدة مفسدة. وأيهما من قدمت للعالم الأمن والسلام والقيم الإنسانية العظيمة، وأيهما التي تبنت زورا وبهتانا فكرة عنصرية بغيضة تعتبر جميع بني البشر حيوانات مقارنة بهم إنما خلقوا على هيئتهم ليليقوا بخدمتهم! وأيهما كان لهما الدور في إرساء الأمن والسلام العالمي، وأيهما كان وراء كل حرب عالمية وفساد في الأرض. وأيهما قد تميزت بالتضحية والفداء من أجل البشر وأيهما كانت أمة قاتلة للبشر ماديا ومعنويا بالكذب والافتراء والتشويه، كما لأكثر من قرن من الزمان من خلال وسائل الإعلام التي كانت تحت سيطرتهم. والأسوأ أن هؤلاء المجرمين قد حاولوا أن يصموا الإسلام بالإرهاب والإجرام زورا وبهتانا، وبأن الإسلام يشكل خطرا على العالم لا بد من مقاومته، مع العلم أن الإرهابيين من المسلمين لم يتعلموا الإرهاب إلا من بني إسرائيل ومدسوساتهم في التاريخ الإسلامي التي تسمى الإسرائيليات، وفكرة الإرهاب ودولة المسلمين التي تفضلهم على غيرهم ليست إلا صورة لدولة اليهود المفضلين المختارين، وهي لا تمت للإسلام بأي صلة. وهي في الحقيقة جوانب تحقق نبوءة النبي صلى الله عليه في أن بعض الأمة سيتبعون سَنَن من قبلهم حذو النعل بالنعل. فإذا كان الميزان راجحا نحو الإسلام، فما الذي يجعل اليهودية تراثا إنسانيا يستحق التكريم، ما دامت لم تساهم في أي خير للبشرية، ولم يكن بنو إسرائيل مثالا، وما زالوا يرتكبون جرائمهم نفسها، بل تعاظمت مؤخرا بعد إنشاء إسرائيل وسيطرتهم على الإعلام وعلى رجال السياسة الغربيين الفاسدين؟
والحق أن الغرب لا بد أن يستيقظ يوما، ويرى كيف أنه قد كان ألعوبة بيد هؤلاء، وأنه قد دمر موارده وعاث في الأرض فسادا، بما لا يخدم شعوبه، وما لا يخدم الإنسانية. وسيشعرون بالخجل الشديد والندم من مواقفهم ومواقف دولهم وسياسييهم.
لا بد للعالم أن يتخلص من هذا الشر الذي يشكله الفكر اليهودي الذي صاغته الصهيونية المعاصرة في أشنع الصور، ويدرك العالم مقدار الضرر الذي تضرر به العالم نتيجة لذلك. كما ينبغي أن يتبرأ مسيحيو العالم من جرائم العهد القديم وقيمه، وأن يفكوا ارتباطهم الديني باليهود وبالعهد القديم، ويرتبطوا بشخصية المسيح عليه السلام السامية وأخلاقه؛ وهو الذي أدان اليهود وتاريخهم ووبخهم بشدة، ولاقى على يدهم العذاب ومحاولة القتل والوصم باللعنة والإساءة له ولوالدته الطاهرة. ولا بد لكل يهودي أن يتبرأ من الفكر اليهودي الصهيوني الإجرامي، ويلجأ إلى القيم الإنسانية السامية، وتصبح اليهودية بالنسبة له ليست أكثر من تراث، مع أنه ليس تراثا يستحق أن يفتخر به، إلا اللهم بالأنبياء من بني إسرائيل، الذي لاقوا على يد بني إسرائيل أنفسهم أسوأ المعاملة واغتالوهم فعليا ومعنويا.
إن المقارنة بين الأمة الإسلامية والأمة اليهودية سيبين بوضوح: من هي الأمة التي كانت أمة الذبيح التي تسامت فيها قيم التضحية، وضحى فيها أفرادها بأنفسهم وبكل شيء في سبيل القيم السامية والسلام العالمي وكانت خير أمة أخرجت للناس، ومن هي الأمة القاتلة التي سعت لتعيش على الدماء والأشلاء والسعي بالفساد في الأرض وإشعال الحروب. بل والأوقح والأشد غرابة، أن هؤلاء بعد جرائمهم التاريخية، وبعد الشجب الإلهي لهم، وبعد نزول العقوبات الإلهية بهم على مدى التاريخ، يقدمون أنفسهم كشعب الله المختار! فما وجه اختيار الله لهم، وكيف يظهر هذا في فكرهم وسلوكهم، وفي معاملة الله لهم؟
ولكنها الأكاذيب والخداع لأنفسهم وللعالم.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

لا تعليق