قضى الغرب عقودا يحاول الترويج لأكذوبة تفوقه الأخلاقي، وأنه يسعى لنشر وإرساء قيم الحرية وحقوق الإنسان، وأنه متحرر من المبادئ الأصولية المخالفة للعدل والقيم الإنسانية التي ترتكز إلى الأديان القديمة، وادعى أن الدفاع عن حقوق الإنسان وقيم الحرية هي المحرك لسياساته. وقدم نفسه أن يقاوم قوى الشر والظلامية التي ترتكز إلى أصولية ومبادئ عفنة لا تقيم للحرية وحقوق الإنسان وزنا، ويعني بذلك الشرق والإسلام خاصة. ولعل من أهم نتائج الأحداث الأخيرة في غزة وفلسطين هو أن هذا القناع قد سقط تماما، وسبب حالة من الصدمة للعالم الذي صدَّق هذه الأكذوبة، وبالأخص مواطني هذه الدول، الذين أفاقوا على نظمهم السياسية مجرد أدوات بيد لوبي إجرامي مغرق في الظلامية والأصولية، يسيطر على الطبقة السياسية من خلال الابتزاز والرشوة، وأن الطبقة السياسية لا يهمها القيم والمبادئ في شيء، كما لا يهمها مصلحة بلدانها بقدر ما يهمهم مصالحهم الشخصية هم بأنفسهم!
فقد أصبح واضحا دون أدنى شك، أن الغرب يدعم دعما مطلقا دولة عنصرية فاشية رجعية، قامت على أساطير توراتية محرَّفة وتعاليم أصولية لأجيال من الكهنة المنحرفين المجرمين، الذين روجوا لتعاليم لا يمكن أن تكون من الله تعالى، والتي تصادم بصورة كاملة الأسس التي يقوم عليها الدين. فهذه التعاليم تأمر بالسرقة والنهب واحتلال أراضي الغير وطردهم وقتلهم وإبادتهم جماعيا، وتعتبر هذه الأفعال هي أوامر الرب المباركة ومشيئته! ومن الطبيعي أن القيم الإنسانية المجردة والقوانين المرعية في الدول والقوانين الدولية تجرم السرقة والنهب والعدوان والقتل، ولذلك لا بد من الدجل والتزوير لمحاولة تزيين هذه الجرائم وتبريرها. فمن ناحية حاول الترويج إلى أن إسرائيل إنما هي سفير العالم الحر في هذه المنطقة، وواحة الديمقراطية والحرية في شرق غارق في الظلمات! وأن مقاومة إسرائيل بأي وسيلة ومناهضتها أو حتى محاولة مناقشة إجرامها وعدوانها يجب أن يتصدى له الغرب بكل قوة. فالدول التي تفكر في مقاومتها إنما هو “محور شر” ترعى الإرهاب وتروِّج له. وعملت آلة الدعاية الصهيونية في الغرب عملها في ربط الإسلام بالإرهاب، وبتصوير المسلمين أنهم قساة قلوب متعطشون للدماء، يستمتعون بقتل الناس وبإرهابهم، ويقتلون لأجل القتل، وأنهم يريدون إفناء كل من هم دونهم! وهذه كانت استراتيجيتهم للتغطية على أصل المسألة، وهي أن الشر كل الشر وأساس الشر في المنطقة بل وفي العالم كله إنما كان إنشاء هذا الكيان الغاصب المحتل بالسرقة والنهب والعدوان، والاستمرار في دعمه غير المحدود، ومحاولة جعل جرائمه الممتدة على مدى 75 عاما أعمالا مشروعة مباركة؛ كونهم في حرب مع الظلام والإرهاب الذي لو لم تكن إسرائيل موجودة فسينطلق إلى ذلك “العالم الحر” ويسعى لتدميره. فأي دجل وكذب تزوير أكبر من هذا؟
لقد أنبأ النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ستأتي في آخر الزمن فتنة “المسيح الدجال”، الذي سيطوف الأرض كلها وينشر المظالم، ويحاول إفساد المعتقدات وتزوير الدين، ويحاول إبعاد الناس عن الله تعالى وإيقاعهم في الشرك من خلال مكايده، فإذا لم يكن هذا هو الزمن، فهل هناك زمان غيره؟ وهل شهد العالم من قبل دجلا وكذبا وتزويرا أصبح في صلب سياسية العالم الغربي وفي خطابه الإعلامي؛ بحيث يرتكب المظالم ويؤيدها ويدعمها ثم يدعي أنه مع الحق والعدل!
لكن الذي يدعو إلى التفاؤل، رغم هول الأحداث وصعوبتها حاليا، هو أن القناع قد سقط عن هذا الغرب المنافق، وأصبح واضحا أنه لا يبالي بالقانون الدولي ولا بالمبادئ ولا بالأخلاق، ولم يعد مباليا على ما يبدو بالاستمرار في دجله، بعد أن تجاوزت إسرائيل كل الحدود ولم يعد ممكنا تغطية إجرامها أو محاولة تبريره؛ فالخطاب الرسمي الإسرائيلي التي يقودها الآن مجموعة من المجانين والحمقى، يعبِّر بكل صراحة ووضوح عن قيم إسرائيل الحقيقية ومبادئها، فهم لا يرون الفلسطينيين بشرا بل “حيوانات بشرية”، ويرون أنه من الواجب معاقبتهم جماعيا وإبادتهم جماعيا وقطع كل سبل العيش والحياة عنهم. وبات واضحا أن حرب إسرائيل هذه لا تريد إلا القتل لمجرد القتل، لأن أهدافها المعلنة غير ممكنة التطبيق، فكلما أثخنوا في الفلسطينيين وأوقعوا مزيدا من الضحايا فهم يحققون هدفهم، وعبَّر بعضهم عن أن هذا العمل يمكن إنهاؤه بسهولة من خلال قنبلة نووية! كما قال بعضهم إن هذا كان عملا لم يتم إنهاؤه منذ 75 عاما أي عام 1948؛ أي أنهم اعترفوا بكل ببساطة بأنهم مارسوا الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتهجير، وأنهم لم يكونوا ضحية عدوان الدول العربية عليهم في حينه كما حاولوا الترويج له بالكذب والدجل في السابق. فكيف يمكن للغرب، والحال هذه، أن يستمر في دجله، بعد أن أسقط المجرمون عن أنفسهم هم بأنفسهم القناع.
وبالمقابل، فبفضل الله تعالى، ظهر التفوق الأخلاقي للإسلام، وظهر صبر المستضعفين وتحملهم للمصائب والكوارث بسبب معتقداتهم الراسخة التي تركت أثرا مهما في سلوكهم وثقافتهم. وتبين أيضا أنهم بشر متفوقون إنسانيا ومتعاطفون ومتكافلون ومواسون لبعضهم بعضا. بينما على الطرف الآخر، نجد المجتمع الإسرائيلي قد كشر عن أنيابه، وأظهر ثقافة حقد وعنصرية وإجرام متأصلة فيهم، إذ أن غالبيتهم العظمى تؤيد الحرب والقتل والإجرام، وترى أن كل ما قامت به آلتهم العسكرية المجرمة غير كاف، بل وسعوا للحيلولة دون وصول المساعدات الإنسانية الضئيلة لغزة. ولم يعد هناك يسار ولا يمين، بل الجميع مجمعون على أن من حقهم ارتكاب الجرائم بحق هؤلاء الذين أصبح واضحا أنهم لا يعتبرونهم بشرا مثلهم. ومن قبل فقد روَّج المجرم الإرهابي نتانياهو إلى أن إسرائيل ليست دولة مواطنيها بل هي دولة اليهود، وعمل على تعريفها كذلك من خلال الكنيست، وكرر مرارا أنه لن يسمح بإقامة دولة فلسطينية، وأن ملخص حياته السياسية هو أنه قد عمل على منع قيام الدولة الفلسطينية بكل الوسائل.
وفي النهاية، فقد أصبح من منتهى الوقاحة والسماجة بالنسبة للغرب أن يقدم نفسه على أنه رسول الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، بل نرى حكوماته تتراوح بين نظم تراها صهيونية أكثر من إسرائيل كالحكومة الأمريكية والبريطانية بل وأحيانا الكندية والأسترالية، ودولا مستعدة بنفسها أن تمارس بصورة متفاوتة الجرائم ضد الإنسانية التي وقعت على مواثيق تجرمها من قبل. فعلى سبيل المثال، كان من الصادم مؤخرا أن تعلق الدول الدعم لهيئة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بمزاعم أن عددا لا يتجاوز 12 قد يكونون شاركوا في هجمات السابع من أكتوبر، رغم أنه لم يتم التحقق من هذه التهم، كما أن الهيئة قد طردت أيضا قبل إجراء التحقيق المناسب 9 منهم مباشرة! فهنا نجد أن الغرب “الأخلاقي” ضرب بمبادئ القانون عرض الحائط، وعاقب على مجرد اتهام! ولم يعاقب المتهمين فحسب، بل عاقب شعبا كاملا بقطع الدعم عنه! وقبل ذلك، رأينا كيف كان موقف الغرب من محكمة العدل العليا التي هي تابعة للأمم المتحدة التي يدعي الجميع أنهم خاضعون لقيمها، حيث رأينا أنهم يحاولون تبرئة إسرائيل من تهمة الإبادة الجماعية، قبل انعقاد المحكمة، ثم بعد صدور القرارات التي تتضمن قبولا مبدئيا للنظر في هذه التهمة، رغم أن إسرائيل بنفسها لم تكلف خاطرها أن تحاول التستر على هذه التهمة منذ البداية من خلال إعلانها نواياها على لسان المسئولين من رئيس الدولة ورئيس الوزراء والوزراء وضباط الجيش وحتى الجنود. مع أن المبدأ الذي لطالما حاولوا الترويج له، هو أننا يجب أن نقبل بأحكام القضاء، وخاصة القضاء الدولي الذي يفترض أن يكون نزيها.
وعلى كل حال، فإن الدجال كان يمكن أن يحقق بعض النجاح ما دام دجالا يوقع الناس في حيرة من أمرهم ولا يكشف لهم حقيقة نواياه، أما الآن، فبعد سقوط القناع، وبعدما لم يعد الدجال يبالي بأن يظهر وجهه الإجرامي الحقيقي، فإن هذه هي بداية نهاية هذا الدجال، وبداية نهاية هذا النظام العالمي الفاسد، الذي يبدو أنه يقود نفسه نحو انتحار وكارثة عالمية، سيكون الغرب ضحيتها، وسيندم أشد الندم على ما فعل، وستضاف هذه الصفحة السوداء إلى تاريخ الغرب المظلم الذي ارتكب أشنع الجرائم بحق الإنسانية من عدوان وحروب صليبية ومحاكم تفتيش واستعمار واحتلال وإبادة جماعية لشعوب الأرض، الذي كان يجب أن يتذكروه جيدا ويندموا ويحاولوا أن يطلبوا من الإنسانية العفو والمغفرة.


لا يوجد تعليق