عندما وصف القرآن الكريم العلاقة بين الرجل والمرأة، وصفها بأنها آية من آيات الله تعالى، وأن هدفها إنما هو السكينة، وأن هذه الرابطة أساسها إنما هو المودة والرحمة، إذ يقول تعالى:
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الروم 22)
ومن عجائب الذكر الحكيم أنه قد سمى ما بين الرجل والمرأة بالمودة والرحمة، وفي هذا التعبير قد اختزل مفاهيم عظيمة مرتبطة بنشوء هذه الرابطة واستمرارها بل وأسلوب التصرف القويم الذي ينبغي أن يكون بين الزوجين.
ومعلوم أن الخالق قد أودع في فطرة كل من الرجل والمرأة شغفا ورغبة تجاه أحدهما للآخر، وهذا الشغف يسبب هياجا يحتاج تسكينا لا يحدث إلا بارتباطهما، ولكن الله تعالى لم يذكر في هذه الآية أن هذا الشغف هو أساس العلاقة؛ وأنه مؤشر صحتها، أو أنه ما ينبغي أن يبقى أو يدوم في هذه العلاقة، بل قد وصف هذه الرابطة بالمودة، والتي هي في أصل اللغة ليست التعبير الأقوى عن الحب والشغف، رغم أن القرآن الكريم قد استخدم هذه التعابير في مواضع أخرى.
وإذا تفحصنا معنى المودة في اللغة، فسنجد أنها تعني الرغبة في الحصول على شيء ما ؛كقولنا “وددت أن أفعل كذا”، كما تعني مرحلة من العلاقة بين البشر تتجاوز مجرد الأُنس يحدث فيها نوع من الاستلطاف والرغبة في التعامل فيما بينهم، وتعني أيضا مجرد الارتباط كما يرتبط الحبل بالوتد في الخيمة؛ حيث يسمى الوتد بالودِّ أيضا في لغات العرب، وتعني الكتاب أو الكُتب بمعنى العهد والعقد أو العهود والعقود. ونظرا إلى هذا المعاني ندرك توصيف العلاقة كما بينها الله تعالى والذي يعني أن هناك رغبة وشغفا جعلها الله بين الرجل والمرأة كي يرتبطا، وهذا من معاني المودة ولكنه ليس المعنى الوحيد. وبعد إنشاء هذه الرابطة سيأنس كل طرف للآخر ويعتاد عليه ويستلطفه ويرغب في الحفاظ على هذه الرابطة نظرا إلى المعنى الثاني، وأن هذه الرابطة رابطة قوية كارتباط الحبل بالوتد لتقوم عليها الحياة وفقا للمعنى الثالث، وهذه الرابطة إنما هي عقد وميثاق غليط، ويجب أن يكون مكتوبا وموثَّقا، ويجب أن تدركوا أنكم مساءلون عنه أمام الله تعالى بناء على المعنى الرابع.
ونلاحظ هنا أن الله تعالى لم يجعل الشغف والرغبة إلا جزءا فقط من معاني المودة، ولم يجعله الأساس الحقيقي لإنشاء الزواج واستدامته، وإلا لذكره بكلمة تفيد هذا المعنى لا غير، وإنما اعتبره مجرد مرحلة لا بد منها في البداية لاستدراج كل منهما للارتباط إن صح التعبير، ولا بد أن تتراجع مع الوقت على كل حال. فالشغف والرغبة ليس إلا الدافع المبدئي، والزواج يؤدي إلى تسكينه، ولكن نشوء المودة بمعانيها الأخرى إنما هو الهدف النهائي الذي يجعل كلا من الرجل والمرأة يعيشان السكينة الدائمة والحياة المستقرة.
هذه هي فلسفة الإسلام في الزواج والعلاقة بين الرجل والمرأة، بينما نجد أن هذه الفلسفة تختلف تماما عن الفلسفة الغربية الناجمة عن المعتقدات المسيحية المحرفة عن رسالة المسيح عليه السلام، والتي أدت إلى تشويه هذه الرابطة؛ فالعلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمعات الغربية أساسها الرغبة والشغف، وهي مستمرة ما دام هذا الشغف، وإذا شعر أي من الرجل أو المرأة بغياب هذا الشغف فلا بد أن يدرك بأن العلاقة لم تعد صالحة ولا بد من إنهائها، وعليه أو عليها ألا يبذل أي جهد في محاولة إصلاحها. بل وتتطور الأمور لتبين هذه الفلسفة بأن أساس فقدان هذا الشغف هو تقصير الطرف الثاني بحقك، بل ولعله أيضا يرتكب بحقك مظالم وإساءات ويمتص طاقتك ويقيدك ويمارس عليك سلطته و”نرجسيته”، فمن الخطأ التفكير في إصلاح العلاقة والصبر عليها، لأن هذا سيمنعك من متعتك وسيبقيك أسيرا لرابطة لا جدوى منها!
أما موقف الإسلام فهو أن الشغف إن اختفى، بل لو وصل الأمر إلى حد الكراهية والمقت بين الزوجين، فيجب أن يصبرا؛ لأن المشاعر قد تتأثر نتيجة لظروف مختلفة، ومن ضمنها الأمراض النفسية والبدنية والتغيرات الهرمونية، فيجب أن يدرك كل طرف أن حدوث اضطراب في المشاعر أو ضياعها لا يعني أن الأمر قد أصبح لا فائدة منه وأصبح شرا كله؛ إذ يقول تعالى:
{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } (النساء 20)
وجاء في الحديث: {لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ} (صحيح مسلم، كتاب الرضاع)
والفرك هو البغض والكراهية.
ونجد أن هذا الخطاب موجه للرجال لأن ظروفهم تجعلهم أكثر قدرة على إنهاء هذه العلاقة بأقل الخسائر؛ إذ يمكنه ببساطة أن يطلِّق المرأة ويتزوج بغيرها ويستمر في الإنفاق عليها وعلى الأولاد ما دامت معهم. بينما المرأة غالبا -وخاصة عندما يكون لديها أولاد وتدرك أهمية الاهتمام بهم- فإنها تشعر بنوع من الصعوبة في إنهاء العلاقة التي هي عقد وميثاق غليظ، وسيرتب ذلك عليها مسؤوليات ومصاعب مالية، فتحاول أن تتناسى مشاعرها وتعيش لأولادها، وترى أنه من الأفضل أن تحافظ على الزواج. وهذه الصعوبة مقصودة؛ لأن المرأة تتراجع مشاعرها وتتقلب أكثر بكثير من الرجل، ولو كان الأمر بيدها وكان سهلا لبادرت إلى إنهاء العلاقة لأتفه الأسباب. فمعنى أن الله تعالى قد وجه الخطاب إلى الرجال هنا بأن افتقاد الرغبة والحب بل الوصول إلى مرحلة الكراهية ليس مبررا كافيا لإنهاء الزواج، بل ستجدون هناك حسنات كثيرة أخرى عاجلا أو آجلا، ويمكن للمشاعر أن تنصلح وتعود بل تصبح أفضل من السابق، أو تنتقل إلى نوع آخر من مشاعر الود الناجمة عن المعايشة والعشرة والتعود فيما بينهما.
وهكذا، فنجد أن الذكر الحكيم قد اختزل في توصيفه للعلاقة بالمودة الكثير من المعاني التي تبين طبيعة العلاقة الزوجية وأهمية الحفاظ عليها. ولم يكتف بذلك، بل قدَّم الوصفة للمعاملة بين الزوجين والتي يمكن أن تديم العلاقة وتحافظ عليها؛ ألا وهي الرحمة.
والرحمة عموما تعني العطاء الذي لا يرتبط بعمل وجهد عموما، وإن ارتبط بالعمل والجهد، فإن ميزان الحساب لهذا العمل والجهد يكون ميزانا ليس حازما، بحيث يحاسب الإنسان على كل صغيرة وكبيرة، بل يجود الراحم على المرحوم دون حساب. وقد وصف الله تعالى نفسه في أول القرآن الكريم بالرحمن الرحيم؛ والرحمن أي المعطي دون جهد أو عمل والرحيم الذي يعطي على الجهد والعمل والطب، ولكنه أيضا وصف نفسه بمالك يوم الحساب، والذي يعني أنه كلما كان هناك مناسبة للحصول على نتائج الأعمال فإنه لا يحاسب حساب المحاسب أو القاضي بل حساب المالك للحق الذي يغدق عليك بالعطاء حتى وإن لم يوازِ عملك ما حصلت عليه. وعندما وصف الله تعالى العلاقة بين الزوجين بالرحمة، وأنه قد أوجدها وجعلها في هذه العلاقة، فإنما أرشدنا إلى هذه الطريقة في التعامل.
ويبين الله تعالى أن هذه الرحمة تتولد في البداية تلقائيا من المودة؛ إذ أن الشغف والرغبة عندما تكون مشتعلة فإنها ستقود إلى أن يتساهل كل طرف من الآخر ولا يحاسبه حسابا دقيقا، وعند تراجع الشغف يبدأ التدقيق والمحاسبة بين الطرفين، وحينها فإن الطرفين مطالبان بأن يتصرفا برحمة تجاه بعضهما بعضا؛ أي أن يشفقا على بعضهما وألا يكلف كل طرف الآخر ما لا يطيق، وأن يقدَّر صفاته الحسنة عمله وجهده، وأن يتجاوز عن الأمور غير المرغوب بها التي لديه، وأن يتذكر الخصال الحميدة ويتناسى الخصال والتصرفات السيئة. وعلى الطرفين أن يتذكرا بأن هذه الرابطة التي جمعت بينهما ليست أمرا سهلا ولا هينا، وأن عليهما أن يراعيا بعضهما والأولاد الذين نشأوا نتيجة لهذه العلاقة، ويتسابقا في الصبر والإحسان تجاه بعضهما.
هذه الفلسفة الإسلامية أدت إلى تشكيل ثقافة وتقاليد مهمة مع الوقت؛ بحيث حافظت على الأسرة لقرون طويلة، وعلى منظومة الأخلاق والقيم في العالم الإسلامي، إلى أن بدأت الفلسفة الغربية الدجالية بالتسرب وبدأت تعمل عملها في الإفساد. فبدأ الترويج إلى أن العلاقة إن خلت من المشاعر فلا بد من إنهائها، وخاصة من جانب المرأة. بل وعملت الفلسفة الغربية على خلق أسباب فقدان المشاعر بالترويج لمفاسد تؤدي إلى تخريب العقول وتشكيك المرأة بجدوى المشاعر أحيانا فيما لو كانت تسبب لها نوعا مفترضا من الظلم أو القهر أو الاستغلال! فعليها ألا تطيع مشاعرها وتدرك أنها مجرد ضحية! فمن ناحية تشجع الثقافة الغربية على فك الروابط، ومن ناحية ثانية تروِّج إلى وساوس تؤدي إلى تفكيك الروابط لتظن المرأة خاصة أنها مخدوعة أو مستغلة حتى وإن كانت لا تعاني من مشكلة شعورية. وليس هناك أبلغ من مصطلح القرآن الكريم الذي عرَّف هذا الأمر بأنه “نفث في العقد” وأمرنا أن نستعيد بالله من وساوسه.
وإن كان من المؤسف انتشار هذه الأفكار في الشرق أو في الغرب؛ إلا أن ظهورها في المجتمعات الإسلامية أمر يؤدي إلى مزيد من الأسف. فهذه الأفكار إنما هي نتيجة طبيعية للمعتقدات المسيحية الدجالية المحرفة، والتأمل في هذه المعتقدات ومقارنتها بالمعتقدات الإسلامية سيكشف الأمر بوضوح.
فإذا كان الإسلام يصف الرغبة والشغف الذي أوجده الله تعالى بين الرجل والمرأة بأنه جزء من المودة التي تدفع لإنشاء العلاقة، وأنه آية من الله تعالى ونعمة، نجد أن الشغف والرغبة في أصل المعتقدات المسيحية إنما هو أمر مذموم نجم عن الخطيئة. فالمرأة عوقبت على الخطيئة بأن جعل الله عندها اشتياقا للرجل، وجعل الرجل سائدا عليها {وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ} (سِفْرُ التَّكْوِينِ 3 : 16). أما الرجل فإن أم الخطايا عنده وعلامتها هو أنه سيشتاق للمرأة ويسود عليها، وسمى الكتاب المقدس المرأة خطية بنفسها خطية {وَإِنْ لَمْ تُحْسِنْ فَعِنْدَ الْبَابِ خَطِيَّةٌ رَابِضَةٌ، وَإِلَيْكَ اشْتِيَاقُهَا وَأَنْتَ تَسُودُ عَلَيْهَا} (سِفْرُ التَّكْوِينِ 4 : 7)، لذلك كانت عقوبة قايين (قابيل) هو تلك المرأة التي بالباب والتي كان يتنافس على هابيل من أجلها. فالكتاب المقدس يجعل الرغبة والاشتياق بين الرجل والمرأة شيئا سيئا، وكذلك سيادة الرجل على المرأة، وكلاهما عقوبة لكل من الرجل والمرأة. وفكرة الزواج بحد ذاتها إنما هي أمر لا يليق بالقداسة، لذلك فالذين يريدون أن يخدموا الكنيسة عليهم بالرهبنة. بل إن علامة أن الناس مخطئين هو أنهم يولدون نتيجة أثر الخطيئة التي جعلت كلا من الرجل والمرأة يشتاقان لبعضهما، لذا فهما آثمين وراثين للإثم، والمسيح عليه السلام لا يحمل الخطيئة لأنه لم تحدث علاقة بين أمه ورجل لكي يولد!
هذه المعتقدات أدت إلى ألا يحترم الناس عميقا هذه الرغبة ويرونها شيئا سيئا في أصلا، كما ألا تحترم المرأة سيادة الرجل عليها. وببروز عهد النعمة، فإن الخطايا لم تعد خطايا، ولن يحاسب من آمن بفداء المسيح على خطاياه، لذلك فالقانون الأهم هو أن يتَّبع الإنسان رغباته وشغفه، مهما كان أصلها، وأن تدرك المرأة أنها يجب أن تحصل على الرغبة والشغف متحررة من سيادة الرجل؛ لذلك لا حاجة للزواج أصلا ولتوثيقه، بل يكفي أن تعيش المرأة مع الرجل ما دامت تحصل تلبي شغفها ورغبتها، ويمكنها ترك رجل إلى آخر كلما وجدت أنها ستجد الشغف الذي قد ضيعته!
وبالطبع، فلا بد من تزيين هذه الفكرة القبيحة في أصلها، والقول إن الرابطة التي يجب أن تكون بين الأزواج هي الحب، وهي رابطة سامية وإنسانية، واستمرار العلاقة بين الرجل والمرأة مع خلوها من الحب يهين المرأة والرجل، لذا يجب أن ينهوها على الفور! ولهذا لاقت هذه الأفكار رواجا في مجتمعاتنا ظنا أنها راقية وإنسانية، مع أنها في الحقيقة حيوانية محضة، إذ أنها في النهاية تجعل الشغف والرغبة هو المحرك للزواج؛ لهذه العلاقة الإنسانية الراقية، التي تتجاوز بكثير مجرد الرغبة والشغف، بل لا يضرها اضطراب المشاعر ووصولها إلى حد الكراهية أحيانا، ويقوم عليها بناء المجتمع وقيمه وأخلاقه وتقاليده واستمراريته.
وباختصار يمكننا القول؛ إن الرغبة والشغف هي الأساس في العلاقات الإنسانية في الفلسفة الغربية الدجالية الحديثة، وهي التي قادت إلى تسويغ الشذوذ وتشريعه والدفاع عنه رغم ما يتضمنه من أضرار نفسية وصحية وإخلاله بأمن المجتمع وقضائه على النسل. بل إن اتِّباع الرغبة والشغف في العلاقات بين الرجل والمرأة جعلهم لا يهتمون بالنسل واستمراره، وجعل هذه المجتمعات تعاني من نقص في المواليد ستعصف بمجتمعهم بكامله وتغير صورته. أما الإسلام فيقول إن أساس العلاقة هي المودة والرحمة، ويذكّر بأهمية هذه الرابطة، ويعلمنا أن نتعامل مع بعضنا برحمة، لا بأن تتمرد المرأة على سلطة الرجل، ولا أن يتعسف الرجل في تعامله مع المرأة ويظلمها، ويذكِّرنا بأن بداية العلاقة التي دفعتنا إليها الرغبة والشوق والشغف قد جعلتنا نقدم الرحمة تلقائيا، فعلينا أن نقدمها بعد ذلك فيما لو تراجع الشغف أو زال، لننعم بالسكينة الدائمة والأبدية.

لا تعليق