تقوم الفكرة الصهيونية على أفضلية اليهود على سائر بني البشر، وأن مصلحة بني إسرائيل مقدمة، وأن البشر ليسوا أكثر من حيوانات بشرية وجدوا لخدمة بني إسرائيل. وهذه في الأصل درجة سافلة من درجات العنصرية.
وترى الصهيونية أن من حقها أن تغتصب فلسطين، بل وما حولها من الأراضي المزعومة بإسرائيل الكبرى، وأن تقتل أهلها أو تطردهم. أي أنها تؤمن بالسلب والنهب والتطهير العرقي، وهذا انحطاط أخلاقي يجعلهم مجرد عصابة سارقين نهابين قتلة مجرمين.
أما الكذب والتزوير، فهي سعت إلى تزوير التاريخ بصورة فجة وقحة، وإنكار حقائق تاريخية، وادعاء أحداث لم تحدث مطلقا. فنرى نتانياهو مثلا يدعي أن المسلمين عندما فتحوا فلسطين كانت كلها مسكونة من اليهود وقاموا بطرد اليهود! وتراه يردد ذلك في المحافل الغربية بكل وقاحة.
ثم تراهم يسمون عدوانهم واحتلالهم لما تبقى من فلسطين في عام 1967 مثلا بأنه تحرير لـ “يهودا والسامرة” من الاحتلال الأردني! وأن سقوط مدينة القدس بأيديهم إنما هو إعادة توحيد القدس بعد أن كانت مقسمة! وأنهم لن يقبلوا تقسيمها مجددا!! ولعل نتانياهو قد فاق من سبقه بحق في أكاذيبه على مدى الشهور السابقة، في كل جزئية من جزئيات ما ادعاه وما ادعاه أفراد حكومته والناطقون باسم جيشه. فهو مثلا لا يبالي بالأسرى في غزة، ومع ذلك يدعي بأنه يحارب من أجل تحريرهم! ويكرر هذه الكذبة بكل وقاحة في وجوه الإسرائيليين. ثم تراه بكل وقاحة يكرر أن جيشه الجبان جيش قتل الأطفال والنساء وتدمير البيوت بأنه الجيش “الأكثر أخلاقية في العالم”! ثم يكررون بأنهم الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط وهي دولة فصل عنصري من الطراز الأول. فيكرر ويكررون هذه الادعاءات بكل سماجة ووقاحة، وكأن العالم لا يرى ولا يسمع! وقائمة الكذب والتزوير لا نهاية لها؛ ومنها وسرقة التراث الفلسطيني والطعام واللباس الفلسطيني ونسبه لهم -وكأن شراذمهم التي لا يجمعها جامع قد أتوا بهم من بولندا أو روسيا أو ألمانيا أو أوكرانيا!- هو مما يثير الاستغراب الاشمئزاز. والخلاصة فإننا لا نجد في التاريخ الإنساني حركة يمكن أن تساوي الصهيونية في الكذب أو تقترب منها.
وهكذا، وباختصار، فهي حركة عنصرية مقيتة، تعتمد السلب والنهب والقتل الجماعي والتطهير العرقي كسياسة لكيانها المصطنع، وتعتمد الكذب والتزوير بلا حدود. مما يجعلها تجمع السيئات والشرور في تاريخ البشرية، وتمارس أسوأ الجرائم وما تزال.
ورغم أنها حركة سياسية من فضلات الاستعمار الغربي وتستمد قيمها من قيم الاستعمار الغربي وممارساته، إلا أن الأسوأ هو أنها تستخدم الدين لتسويغ السرقة والسلب والنهب والقتل بالادعاء، بأن إلههم قد وعدهم هذه الأرض، وبما أنه قد قرر لهم هذا الحق، فليس مهما مراعاة أوامره الأخرى في سبيل الوصول إلى هذا الهدف! فهم بذلك أكثر من أساء إلى الدين وجعله كريها في أعين من في قلبه ذرة إنسانية.
وفي ممارساتها، وبصفتها تعتبر نفسها امتدادا للغرب، فإن زعماءها المجرمين كثيرا ما يستدلون بأفعال الغرب وتاريخهم، فيما لو رأوا منهم استنكارا لأفعالهم الشنيعة حاليا.
فعندهم:
– ما المشكلة في اغتصاب أراضي الغير وطردهم والحلول محلهم؟ فهذا ما فعله الغرب في أمريكا وأستراليا وكندا بل وفي الأمريكتين بالكامل.
– ما المشكلة في التطهير العرقي وقتل الملايين من الأبرياء الذين في غالبيتهم الأطفال والنساء؟ فما دام الهدف هو الانتصار على الشر، فإن قتل الملايين سيحقن دماءنا بل ودماء من تبقى منهم، بعد أن نثخن فيهم بقصفهم بلا رحمة وتدمير مدنهم وقتل مدنييهم، وإلقاء القنابل النووية عليهم. فالغرب انتصر على ألمانيا بعد أن حرق المدن الألمانية بقصف شامل سجّادي ( أي لا يستهدف هدفا عسكريا، بل يستهدف تدمير المدينة بكاملها وقتل أكبر عدد من سكانها)، كما أنه قتل أكثر من مليون مدني ياباني في قصف سجادي لأكثر من 67 مدينة يابانية من ضمنها العاصمة طوكيو، وهذا قبل هيروشيما ونكازاكي. فلماذا ترفعون الصوت بسبب قتل المدنيين وتدمير غزة، فلم نفعل إلا جزءا يسيرا مما فعلتهم.
والحقيقة أن الغرب، في الأصل، قد استمد قيمه الإجرامية من اليهود وتوراتهم المحرفة التي تعد عندهم العهد القديم من الكتاب المقدس. وكثيرا ما كان الغرب يستذكر بهذه الأحداث الإجرامية لحروب موسى ويوشع بن نون وداود وغير ذلك من أحداث التوراة عندما كانوا ينهبون بلادا ويقتلون أهلها. ورغم أن هذا الأصل ربما لا يبدو حاضرا في ذهنيات وأقوال السياسيين، إلا أنه راسخ بسبب تاريخهم الاستعماري الإجرامي. والغرب اليوم، مدفوعا بالعنصرية وأيضا بالصهيونية المسيحية وبتيارات العداء للإسلام على أساس ديني، لا يرى العرب والمسلمين بشرا مساويين لهم، ولا يرى خطأ حقيقة فيما تفعله إسرائيل. وتراه يتفجع لعدد قليل من قتلى اليهود أو أسراهم أو مختطفيهم، ولكنه لا يلقي بالا لمئات الأضعاف منهم بين المسلمين، وإذا ذكرهم ذكرهم نفاقا. ولعل من أسمج ما يصرح به مسئولو الإدارة الأمريكية مثلا أنهم يقولون إننا نحض إسرائيل على أن تفعل ما بوسعها لتجنب قتل المدنيين! وأحيانا يقولون: إننا نعلم أنها تفعل ما بوسعها، ولكننا نطالبها بالمزيد!
والواقع أن الغرب والصهيونية قد أخطأوا خطأ فادحا بمحاولة اغتصاب بلادنا. فنحن لسنا حضارة بائدة، وإنما نحن الحضارة الأكثر قوة في تاريخ البشرية، وأصحاب لغة حية وثقافة متصلة ودين حيوي قوي للغاية يشكل الدين الأكثر نموا في العالم والذي سيصبح الدين الأكبر في العالم دون منازع بعد بضعة عقود. فليس من الممكن أن نباد كالهنود الحمر أو سكان أستراليا الأصليين المساكين، ولن يستقر بهم المقام في فلسطين مطلقا، ولن ينسى الفلسطينيون ولا العرب ولا المسلمون حقهم. وقد أعجبني النائب البريطاني الشهير “جورج غالوي” المعروف بمناصرته للقضايا العربية، بقوله إنه لو بقي رجل واحد وامرأة واحدة فقط من الفلسطينيين فإن حق الفلسطينيين لن يضيع، وهم ليسوا هنودا حمر، ولن يتحولوا إلى شعب تجده في المتحف! وكما في المثل الشائع “لا يضيع حق وراءه مطالب”.
لذلك، فإن الأسلم للغرب وإسرائيل أن يتراجعوا عن هذا العدوان، ويختاروا طريق العدل والسلام والأمن، وأن يكفروا عن ذنبهم بخلق ومساندة هذه الحركة التي هي قاع الانحطاط الإنساني على مدى التاريخ دون منازع، وأن يسعوا لإحلال السلام في فلسطين في العالم، لأنهم لن ينجحوا مهما طال الزمان. وإذا لم يكفروا عن خطاياهم، فإن العار الذي سيلحق بهم سيبقى يطاردهم إلى يوم القيامة، كما أنه من غير المستبعد أن يدفعوا في المستقبل ثمن هذا الظلم سواء بإدانتهم إلى الأبد وجعل أجيالهم القادمة يتبرأون منهم كما يتبرأ الألمان اليوم من النازية مثلا، أو تقديمهم للعدالة لدفع تعويضات أو غيرها.


لا يوجد تعليق