من البداية، أكَّد هاني طاهر في الفيديو أنه يستهدف عصمة الإمام المهدي ‏والمسيح الموعود عليه الصلاة والسلام، ويريد من الأحمديين أن يصلوا إلى هذه ‏النتيجة كما أوضحنا مرارا، وهذا هو غرضه من جمع الشبهات. ولكن، بما أنه ‏لا يعتقد أن “المؤسس” صادق الآن، فالأولى أن يُعرض عن هذه التفاصيل ‏الفرعية المتشابهات ويقدم الأدلة المحكمات على عدم صدقه! ولكنه يتِّبع ‏أسلوب من زاغ قلبه ويرغب بإزاغة قلوب غيره.‏

على كل حال، بخصوص شجرة آدم، فالمسألة جدُّ بسيطة، وهي أن هنالك ‏جانبان للقصة؛ الجانب الرمزي والجانب الواقعي، ويجب مراعاة عن أي جانب ‏كان الحديث.‏

فجواب المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام يتعلَّق بالجانب الرمزي في ‏القصة، وفي هذا الجانب رُمز للشريعة بالجنة، ورمز للنعم المتعددة التي أنعم الله ‏بها على الإنسان بأشجارها وثمارها. وقول حضرته إن الشجرة التي نهي آدم ‏عن الاقتراب منها أنها شجرة العنب هو تفصيل في الجانب الرمزي يتضمن ‏حكمة بالغة يُفهم منها أن الحرام ليس سوى سوء استخدام النعم التي أنعم ‏الله بها على الإنسان، وأن أمرا واحدا قد يكون استخدامه الصحيح حلالا ‏واستخدامه الخاطئ حراما، وخير رمز لهذا هو شجرة العنب، لأن العنب في ‏أصله حلال، ولكن تحويله إلى خمر يجعله حراما. وقد أشار القرآن الكريم إلى ‏ذلك في قوله تعالى:‏

‏{وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ ‏لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } (النحل 68)‏

وأما تفسير الخليفة الثاني رضي الله عنه فإنما هو لإزالة هذه الفكرة الخاطئة – التي يريد ‏هاني أن يوهم بها ويرسخها -بالاعتقاد أن الشجرة هي شجرة واقعية في جنة ‏واقعية، سواء كانت عنبا أو غيره، أو كانت شجرة سحرية إذا أكلها أحد ‏أصبح عارفا للخير والشر، أو أن يخطئ أحد في تأويل رمزيتها بالاعتقاد أنها ‏المرأة مثلا، حيث قال حضرته رضي الله عنه:‏

‏”قيل إن الشجرة هي شجرة القمح أو العنب، أو هي المرأة. وقيل هي شجرة ‏التمييز بين الخير والشر. ومثل هذه المعاني مستبعدة عقلا، لأن الاقتراب من ‏شجرة القمح أو العنب لا يجعل المرء ظالما.. فكلاهما حلال.. بل قال الله ‏لهما: (فكلا منها رغدا) أي كلوا حتى تشبعوا من طعام هذه المنطقة. أما ‏المرأة فقد أمر الله تعالى آدم أن يسكن هناك مع امرأته.كما ليس(كما أنه ‏ليس) هناك شجرة لمعرفة الخير و الشر، وإن كان هناك مثل هذه الشجرة ‏فليس من الظلم أن يميز الإنسان بين الخير والشر، لأن التمييز بين الخير والشر ‏يجعل الإنسان أشرف من الحيوانات الأخرى.” (التفسير الكبير، الجزء الأول)

فإذا قيل في تفصيل الجانب الرمزي أنها شجرة العنب، وقيل أنها في الواقع ‏ليست شجرة عنب ولا أية شجرة أخرى، فهل هذا تناقض؟

ألا يعلم هاني أن المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام هو بنفسه من بيَّن أن ‏قصة آدم هي قصة رمزية، وتكلَّم عن هذه الأبعاد الرمزية وتأويلها في مواضع ‏عديدة يصعب حصرها؟ أم هي الخيانة الفجة والكذب والتدليس؟

هل كان الاقتراب من شجرة العنب في زمن آدم حراما، ثم بعد ذلك أصبح ‏حلالا؟ ولو كان هذا هو المعنى المسطَّح الذي أراد هاني أن يوهم به، فلماذا لم ‏يحرِّم الإسلام الاقتراب من شجرة العنب عند المسيح الموعود، علما أن الخمر ‏ذاتها لم تحرَّم قطعيا إلا في الإسلام؟

الواقع أنه يعلم كل هذا، ولكنها الخيانة والتدليس والتضليل للأسف.‏

أما عن الشهب ورجمها للشياطين فهذا ما جاء في القرآن الكريم، وما أخطأ ‏فيه المفسرون السطحيون وظنوا بأنها معركة جوية مادية بالفعل بكل أبعادها؛ ‏إذ تصعد الشياطين لتتسلل ووتتجسس على الغيب في غفلة من الله ‏وملائكته – والعياذ بالله- حتى إذا شعر الملائكة بهم بدأت المضادات الجوية ‏بقصفهم، فتفلح في القضاء على أكثرهم، ولكن مع ذلك يفلت بعض ‏الشياطين ويأتون بأخبار الغيب ويخبرون بها أولياءهم!‏

أما المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام فبين بأن علاقة الشهب برجم ‏الشياطين، التي ذكرها القرآن الكريم، هي ليست علاقة مادية محضة، بل هي ‏سر من أسرار الله تعالى الذي العالم المادي والعالم الروحاني متشابهان ‏مترابطان، وأي تغيير في العالم المادي يؤثر بصورة ما في العالم الروحاني. فحركة ‏الشهب، تؤدي إلى القضاء على الشر والسوء في العالم بصورة ما، ولكن ‏كيفيتها غير معلومة لنا، والوحي القرآني الذي أخبر بها يشير إلى هذا السر. ‏وأنه من الخطأ الظن أن الأمر مادي محض. فما أروع ما قاله المسيح الموعود ‏عليه الصلاة والسلام إذ قال:‏

‏”وإذا طُرح سؤال: ما علاقة تساقط الشهب التي تبدو أسبابها كلها مادية في ‏الظاهر مع رجم الشياطين؟ وكيف يتبين أن بهذا الحادث تُدفع الشياطين ‏وتُطرَد من السماء؟

فجوابه أن هذا النوع من الاعتراضات تنشأ حين يذهل فكر الإنسان عن ‏ذكرى السلسلة الروحانية، أو لا يكون عنده اليقين بهذه السلسلة…‏

على أية حال، من الثابت المتحقق أن الله القادر على كل شيء لم يجعل ‏الحوادث في العالم محصورة ومحدودة على هذه السلسلة الظاهرية فقط بل ‏أجرى إلى جانبها سلسلة باطنية أيضا. خذوا مثلا الشمس والقمر أو الأرض ‏أو بخار الماء الذي ينزل مطرا أو العواصف العاتية أو البَرَد التي تنزل على ‏الأرض أو الشهب الثاقبة التي تسقط، فمع أن كل هذه الأشياء مصحوبة في ‏أعمالها وتغيُّراتها وتحوُّلاتها وحدوثها بالأسباب الظاهرية أيضا التي تملأ دفاتر ‏علماء الأفلاك والطبيعة، ولكن مع كل ذلك يعرف العارفون أن هناك أسبابا ‏أخرى تحت هذه الأسباب وهي التي تدير الأمور، وتُسمَّى بتعبير آخر: ‏‏”الملائكة” الذين إذا كانوا على علاقة مع شيء يوصلون أموره إلى منتهاها. ‏وينتبهون دائما في أمورهم إلى الأهداف الروحانية التي كلّفهم الله بها. لا تكون ‏أعمالهم لاغية بل يهدفون في كل أمر إلى أهداف سامية وعظيمة.‏

ولما كان هذا الأمر حقيقة ثابتة … وليست هناك جزئية من النظام الظاهري ‏لا يرافقه النظام الباطني في الخفاء…‏

ومن الواضح تماما أن فعل الملاك لا يكون عبثا قطعا بل لا بد أن يكون وراءه ‏هدف معين يفيد مصالح دينية ودنيوية. ولكن فهم الأهداف وراء أفعال ‏الملائكة ليس ممكنا إلا بواسطة الملائكة. فبواسطة الملائكة أيْ جبريل قد ‏كُشف على آخر الرسل – صلى الله عليه وسلم – أن الغاية المتوخاة من فعل الملائكة هذا ‏أيْ رمي الشهب هي رجم الشياطين.‏

أما كيف تهرب الشياطين بسقوط الشهب فإن سرّه يُكشف عند التأمل في ‏السلسلة الروحانية، وهو أن بين الشياطين والملائكة عداوة شخصية. فالملائكة ‏عند إطلاقهم الشهب – التي يُلقون عليها تأثير حرارة النجوم – ينشرون في ‏الجوّ قوتهم الروحانية. وكلما يتحرك شهاب يرافقه نور ملائكي لأنه يأتي نائلا ‏البركة من يد الملائكة، وفيه قوة لحرق الشيطان. فلا يمكن الاعتراض أن الجِنَّة ‏خُلقت من النار فأيّ ضرر يصيبها من النار؟ لأن الحقيقة أنه بقدر ما تتضرر ‏الجِنّة برمي الشهب ليس سببه النار الظاهرية بل السبب هو النور الملائكي ‏الذي يرافق الشهب وهو محرق الشياطين بطبيعته.” (مرآة كمالات الإسلام)‏

وهذا يعني باختصار، أن الصورة الظاهرية لحركة الشهب ليست سوى صورة ‏لتأثيرٍ يحدث في العالم الروحاني بفعل حركتها، وليس بسبب تأثير النار المادية ‏المحرقة المرافقة لها. وأن هذا التأثير هو سرُّ تعرفه الملائكة الموكلة به، لذا أشار ‏الله له بالوحي القرآني عن طريق الملائكة أيضا الذين يمثلهم جبريل أمين ‏الوحي. وقدَّم حضرته بعض القرائن التي تثبت هذه العلاقة كمثل ما شهده ‏العالم من تساقط الشهب بكثرة عن ولادة نبي أو ولي أو حدوث حدث ‏روحاني هام على الأرض.

فما أروع هذه المعرفة التي قدمتها حضرته عليه ‏الصلاة والسلام!‏

والسؤال الموجه لهاني الآن: ما هو التأويل الأفضل الذي لديك لهذا الآيات ‏القرآنية التي تقول إن الشهب ترجم الشياطين؟ ولا تتهرب بالقول إنك لست ‏الآن في معرض التأويل، فلا ينبغي أن ترفض تأويلا أو تنتقده بخيانة وأنت ‏ليس لديك ما هو خير منه. أم أنك تنكر ما في القرآن الكريم وتخفي إلحادك، ‏والذي سيكون المفاجأة التي تخبئها للمشاهدين في نهاية المطاف؟

أما قتل المرتد والادعاء بأن المسيح الموعود يؤمن به فهي خيانة ما بعدها ‏خيانة. فهو يعلم أن المسيح الموعود قد ركَّز كثيرا على الحرية الدينية – وقال ‏إن هذا كان من أهم أسباب انجذابه للجماعة منذ البداية- وعلى أنه لا ‏يُعاقب أحد لمجرد اعتقاده في الدنيا، بل من الظلم أن يعاقبه أحد، لأن الله ‏تعالى قد جعل الإنسان مخيرا في هذه الدنيا لكي يثاب على الإيمان ويعاقب ‏على الكفر في الآخرة، وهذا ورد في نصوص لا حصر لها. أما الحد الشرعي ‏الذي ورد في قول حضرته، فلا يعني بحال قتل المرتد، وإعتقاد حضرته به، ولا ‏يستخلص منه هذه النتيجة عاقل، وهو ليس سوى تعبير عن أن شخصا ‏كهذا يستحق العقاب.‏

لماذا لا يستبنط هاني من قول النبي صلى الله عليه وسلم : {وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ ‏فَتُقَامَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ ‏حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ} (صحيح ‏مسلم, كتاب المساجد ومواضع الصلاة) بأن تحريق بيوت تاركي الصلاة ‏عليهم حد شرعي كان يود النبي صلى الله عليه وسلم تطبيقه؟!‏

كان الأولى بهاني ومما يجعل له نوعا من المصداقية أن يثبت كما يدعي أن ‏الحرية الدينية هي من الأفكار التي لم يأت به المؤسس والتي ابتدعتها الجماعة ‏من بعده، بينما كان حضرته يؤمن بقتل المرتد والحرب العدوانية وسبي النساء.‏

ويبدو أن هاني أراد يوهم بأن المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام يؤمن ‏بالعدوان والتحريق وسبي النساء، عندما ذكر أن حضرته قد أورد رسالة أبي ‏بكر الصديق رضي الله عنه، لقادته في حروب الردة في كتابه. مع أنه يعلم جيدا ما ‏يقوله حضرته بتفصيل في هذا الخصوص؛ إذ أنه يستنكر العدوان وشن الحرب ‏لنشر الإسلام أو معاقبة الكافرين على كفرهم، وأنه يعتبر أن السبي ما كان ‏سابقا إلا عقابا للكافرين على سبيهم وعدوانهم ومن باب المعاملة بالمثل، وأنه ‏بما أن الكافرين قد انتهوا عنه الآن فأصبح محرما على المسلمين، لأنه ليس ‏حكما أصيلا في الإسلام بل حكما عقابيا. وقد كتبتُ مقالة سابقا أوردت ‏فيها اقتباسا طويلا لحضرته يبين ذلك، وهذا هو رابط المقالة:‏

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=10202069684659333&id=1703545531‎

ثم، لا يُفَسَّر انتقاد هاني لإيراد المسيح الموعود عليه الصلاة السلام لرسالة أبي ‏بكر إلا أنه يستنكرها ويستنكر أفعال أبي بكر، ويرى أن المسلمين عندما ‏عاقبوا الكافرين بالمثل أحيانا كانوا مخطئين. ولعلكم ستسمعون منه في ‏المستقبل إما استنكارا للسيرة وإنكارا للسنة والحديث، أو إنكارا واستنكارا ‏للإسلام بمجمله. فارتقبوا لتروا ما يعدكم به!‏

وأخيرا نقول، إن هاني بعد أن زاغ قلبه تماما وزلت قدمه، مستمر في تقديم ‏المتشابهات وترك المحكمات ابتغاء الفتنة، ويصدق عليه قول الله تعالى:‏

‏{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ ‏مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} (آل ‏عمران 8)‏

وهو إذ يعلم المحكمات وما جاء فيها إنما يرتكب خيانة متعمدة بطرحه ‏لمتشابهات بقصد الإضلال والفتنة. فأمره إلى الله تعالى.‏

أما عمله هذا، فسيؤدي إلى إطلاع الأحمديين على جوانب جميلة من فكر ‏المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام وزيادة علمهم. وهكذا سينقلب السحر ‏على الساحر.‏

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *