لم يأت هاني طاهر في هذا الحلقة بجديد أيضا، بل استمر في تحليله العجيب ‏للأعداد برؤية يتضح بكل سهولة أنها رؤية متحيزة مغرِّضة غير معقولة مبنية ‏على سوء الظن والتكذيب الذي يصل إلى حدود لا يمكن تصورها. فهو لا ‏يتهم “المؤسس” عليه الصلاة والسلام بالكذب فحسب، بل يرى أن الجماعة ‏تمارس التزييف والتزوير منذ اليوم الأول حتى اليوم، وأن جميع المسئولين في كل ‏البلاد متواطئون على الكذب والتزوير، فيصرخ ويقول:‏

‏”ما هذه الجماعة التي الكل فيها يمارس التزوير؟! واضح أن الكل متآمر على ‏التزوير.. هل هذا يحدث في جماعة الله؟”‏

‏ فما أعجب هذا الكلام الذي ينم عن قدر هائل من الحقد وسوء الظن غير ‏المبرر ويتسم بعدم المعقولية والمصطبغ بنظرية المؤآمرة التي لطالما كان ينتقدها ‏هاني وينتقد الذين تستولي على عقولهم.‏

ما يفترضه هاني طاهر أن المسئولين في الجماعة عن بكرة أبيهم يتواطأون على ‏الكذب والتزوير، فهل يمكن أن يحدث هذا عقلا؟ هل يمكن أن يتفق هذا ‏العدد من المسئولين – وخاصة في جماعة دينية قائمة على الدعوة للأخلاق ‏والروحانية – على الكذب؟ لو كانت الجماعة لا تجمع سوى شذاذ الآفاق ‏والمجرمين من كل العالم، فمن غير الممكن أن يتفق هؤلاء جميعا على الكذب؟ ‏وهذا دليل عقلي معلوم ومسلَّم به. فكيف بجماعة تجمع المتقين المؤمنين ‏المخلصين الذين ينذهل العالم برؤية صدقهم وإخلاصهم ووفائهم ويشهدون به ‏في كل مناسبة؟ ألم ير هاني طاهر صدق الجماعة وإخلاصها ووفائها وكرمها ‏وأمانتها؟ ألم يغمره الأحمديون بالحب والوفاء وتكرمه الجماعة وتحسن إليه؟ ‏فهل هذا ظنك في هذه الجماعة التي احتضنتك وكرَّمتك؟ هل هذا هو جزاء ‏الإحسان؟

هذه التهمة وحدها تكشف عمَّا في باطن هاني طاهر من حقد وسوء ظن لا ‏يمكن أن يتصف بهما إنسان سوي لديه قدر قليل من الإيمان، وتكشف أيضا ‏أن هذا الحقد وسوء الظن قد أعمى بصره وبصيرته بحيث لا يرى إلا أمورا ‏شاذة غير معقولة ويأتي باستنتاجات تعدُّ وصمة في جبين المنطق والعقل ‏الذي يتبجح به أيضا.‏

ذكر هاني طاهر أن الأرقام تظهر أن الجماعة نمت نموا كبيرا في السنوات الأولى ‏من القرن الماضي بحيث كان العدد يقارب 30 ألفا في 1900 وبدأت ‏بالتزايد حتى وصلت إلى 400 ألف عام 1906، بزيادة كانت تبلغ 100 ‏ألف في العام أحيانا، واستند في ذلك إلى مواضع من الكتب والإعلانات ‏وغيرها لحضرة المؤسس عليه الصلاة السلام، وكان يتعجب من أن الجماعة ‏تنمو بهذا الحجم. ولا أعرف لماذا الاستغراب؟ وخاصة أنه إلى تلك الفترة كان ‏قد قام حضرته بكثير من الأعمال والكتابات والمناظرات التي دافع فيها عن ‏الإسلام، وكانت أيضا قد ظهرت آيات وتأييدات عديدة لحضرته، مثل آية ‏الخسوف والكسوف، وآية الطاعون، وموت معارضيه وفقا للنبوءات كمثل ‏ليكرام الهندوسي وآثم المسيحي وألكسندر دوئي في أمريكا وغيرهم ‏والمباهلات والتحديات مع المشايخ المعارضين. فكان هذا الوقت بمنزلة وقت ‏الفتح لحضرته الذي دخلت فيه الناس أفواجا بعد أن رأوا الآيات. ففيمَ ‏العجب؟ هو في الواقع لا يتعجب ولكنه ببساطة لا يصدِّق!!‏

أما كيف يصدِّق هاني طاهر أي شيء؟ فيبدو من تحليلاته وأسلوب طرحه أنه ‏لا يصدِّق إلا ما يراه بعينيه، أو ما يتم التصريح به في وثائق مضمونة ‏ومصدقة، وإذا لم يرَ بعينيه الشيء فلا يصدقه، وإذا لم يتم التصريح بشيء ‏فيتفرض عدم وجوده! فوفقا لهذه القواعد، هل يمكن أن يقتنع هاني طاهر ‏بشيء إلا بالذي في رأسه؟ هل يستطيع أحد في العالم أن يقدِّم له ما يقنعه ‏ويجعله يصدِّق بما لم يتفحصه بيديه ويراه بعينيه كي يُقرَّ بوجوده؟

ولتقريب الصورة لأسلوب هاني في البحث والتحقيق أقدم مثالا، وهو أنك لو ‏كنت تسير في السوق مع ابنك، ويظهر من سيره إلى جانبك وأسلوب تعامله ‏معك أنه ابنك، بل ويناديك: “يا أبي”، فهاني لن يصدِّق أنه ابنك حتى ‏تصرِّح أنت وتقول: “إنه ابني”، ولن يصدِّق هذه الدعوى إلا إذا أظهرت ‏شهادة الميلاد التي تثبت أنه ابنك، بل لن يتيقن تماما أنه ابنك حتى يتم إجراء ‏فحص المورثات (‏DNA‏)، فعندها قد يسلِّم بأنه ابنك مع بعض ‏التحفظات!! إذ سيفترض منذ البداية أنه ليس ابنك، وأنه لو ناداك ” يا أبي” ‏فهذا ليس دليلا، لأنه قد يكون ربيبك، ولو أثبتَّ له من شهادة الميلاد أنه ‏ابنك فسيقول وما أدراني إن كان ابنك حقيقة؟! لن أصدِّق! ولا يبالي ‏بتكذيبك ولا بتكذيب ابنك ولا بالتشكيك في طهارة زوجتك، ولا يفكر بأن ‏فكرته في عدم التصديق دون الأدلة غير منطقية أيضا، لا يهمه أنه يخالف ‏العقل ويخالف الأخلاق في ظنونه وافتراضه السوء والكذب ..كل هذا لأنه ‏يريد الحقيقة ويريد أن يظهرها للناس!‏

فهل يمكن الثقة بشخص بهذه النفسية أو هذه العقلية؟ ‏

وقد يظن البعض أنني أبالغ في مثالي السابق، ولكن لو تفحصتم تحليلاته ‏وتحقيقاته وبحثه ستجدون أن هذا المثال ينطبق عليه تماما. ‏

فعلى سبيل المثال في هذا الفيديو الأخير ذكر أن رسالة وصلت من مصري ‏إلى المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام عام 1907، وكتب له هذا المصري ‏فيها:‏

‏”لقد كثرت أتباعكم في هذه البلاد وصارت عدد الرمل والحصى ولم يبق أحد ‏إلا وعمل برأيكم واتبع أنصاركم”‏

وشكك هاني في أن تكون الرسالة قد وصلت أصلا، فلن يصدق أنها وصلت ‏حتى يراها بأم عينيه، ثم قال بما يفيد أن أسلوب الرسالة يبين أنها مفبركة، لأن ‏العرب لا تقول: “كثرت أتباعكم.. وصارت” بل يقولون: “كثر أتباعكم.. ‏وصاروا”! ولا أعرف عن أي عرب يتحدث؟ ربما يفترض أنه هو العرب ‏والعرب هو فقط!‏

وأقول هنا: إن هذا الأسلوب معروف عند العرب جدا، واستخدمه القرآن ‏الكريم في عشرات المواضع كقوله تعالى: ‏

‏{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ ‏عَلَى شَيْءٍ} (البقرة 114)‏

‏{قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (إِبراهيم 11)‏

يبدو أن أسلوب القرآن ليس عربيا عند هاني طاهر، لأنه كان يفترض أن ‏يقول القرآن: “قال اليهود” و “قال النصارى” و “قال رسلهم”! أستغرب ‏كيف غفل عن أن هذا الأسلوب عربي أيضا، إذ أن الجموع مؤنثة، ولذلك ‏يضاف للفعل تاء التأنيث في هذه الحالة. هل تبخرت معرفته بالعربية أيضا في ‏مسألة بسيطة كهذه؟! ماذا جرى لعقله؟

ثم تجده يتهم المصري، لو كان هنالك مصري أصلا وكان قد كتب هذه ‏الرسالة حسب تعبيره، بالتزوير والكذب ويتهم المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام بأنه لا ‏يقول القول السديد، لأنه لم يتحقق من كلامه! وغفل أو تغافل عن أن هذا ‏النص هو تعبير عن أن دعوة حضرته تحظى بالقبول حيثما سمع الناس به، وأن ‏المصري قد توقع انتشار الجماعة بصورة مذهلة في المستقبل ودخولها في طاعة ‏المسيح الموعود بأسلوب عربي بليغ. فصيغة الماضي في العربية تستخدم للدلالة ‏على المستقبل أحيانا لتأكيد حدث مستقبلي، كقوله تعالى:‏

‏{أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } (النحل 2)

أي أن نصر الله آت، فلا تستجعلوه، لأنه لم يأت بعد، ولكنه سيأتي حتما، ‏واستخدم الفعل الماضي “أتى” ولم يقل “سيأتي نصر الله فلا تستعجلوه”. ‏وهنالك العديد من الشواهد في القرآن الكريم على هذا الأسلوب العربي.

لكنَّ الواضح أن هاني طاهر قد خسر كل شيء، مع شديد الأسف، بسبب ‏عناده وسوء ظنه.‏

أما من أمثله اعتباره عدم التصريح بشيء، أو عدم العثور على وثيقة تذكره، ‏أنه غير موجود، نراه يظن أن عدد الجماعة لم يزد فردا واحدا بعد 1906، ‏وهذا لأنه لم يعثر على موضع يُذكر فيه أن العدد قد ازداد! فهل عدم التصريح ‏بالعدد يعني أنه لم يزد؟ علما أن ذكر الأعداد كان بمناسبات معينة، ولم يكن ‏يُعلن إحصاء بعدد أفراد الجماعة هكذا دون مناسبة.‏

وهذا الأسلوب في التفكير والتحقيق كأن ينكر هاني أن مولودا قد ولد عند ‏شخص ما، إلا إذا جاء أبوه وصرَّح بأنني قد رُزقت بمولود، أو إذا رأى شهادة ‏ميلاد الطفل وتفحصها. أما حقيقة أن الطفل موجود أمامه، أو أن شهودا ‏كثرا يشهدون أن فلانا قد رزق بمولود جديد، فهذا كله عنده غير جدير ‏بالتصديق!‏

أما عن فرضياته العجيبة أن الجماعة لو تناقصت بعد وفاة المؤسس فهذا يعني ‏أنها ليست على الحق، وأن الجماعة قد نزل عددها إلى النصف بعد خمسين ‏سنة من وفاته، فقد غفل مجددا عن أن هذا لا يعني تناقصا حقيقيا، لأن ‏الخليفة عندما ذكر عدد الجماعة فربما كان يقصد الجماعة في باكستان وحدها ‏وليست الهند أيضا والبلدان الأخرى، لأنه سئل عن العدد في المحكمة في ‏باكستان، ونسي أيضا أنه قد يعني الذين هم مرتبطون بنظام الجماعة، وهذا ‏يعني أن الأحمديين الذين يعتبرون أنفسهم أحمديين وإن لم يرتبطوا بنظام ‏الجماعة أكبر من ذلك بكثير أيضا. ولكن على فرض أن الجماعة قد نقص ‏عددها بالفعل بعد وفاة المؤسس ثم عادت للنمو مرة أخرى، فهذا دليل ‏صدقها لا كذبها، لأنه تحققت فيها نبوءة سورة النصر، إذ سيدخل الناس فيها ‏أفواجا، ثم لا يتسنى لها تربيتهم بما يكفي فتنقطع صلتهم بها ويبقى فئة من ‏المخلصين، ثم يستدرك الله هذا الضعف، وفي كل الأحوال ينصرها رغم كل ‏هذا. والجماعة التي حافظت على وجودها وتعاظم نشاطها في تلك الفترة لم ‏يكن النقص المفترض لعدد المرتبطين بها سببا في ضعفها، بل كانت قد ‏وصلت إلى بلدان كثيرة إلى حينه، وكانت قد وصلت البلاد العربية وتأسست ‏فيها جماعات قبل ذلك الوقت بثلاثين عاما تقريبا. فهل كان هذا ضعفا ‏وتناقصا وتلاشيا؟ هل الجماعة بدأت بالتلاشي بعد وفاة “المؤسس” عليه ‏الصلاة والسلام أم النمو على كل الصعد حتى إنها وصلت قرية هاني طاهر ‏النائية؟

ثم بعد ذلك، يستند إلى تعبير قاله الخليفة الثاني يبين فيه أن الجماعة نمت في ‏عصره وتقدمت، بقوله إنها تضاعفت مئات المرات في عهده، فيبدأ بإجراء ‏حساباته بناء على ذلك ليقول إنه لو كان العدد 200 ألف حينها، وكانت ‏قد تضاعفت مئة مرة، فهذا يعني أن عددها كان 2000 عند وفاة المسيح ‏الموعود عليه الصلاة والسلام!! وبناء على هذا التعبير اسنتنج أن هذا هو ‏الرقم الحقيقي على ما يبدو. فإذا لم نقبل هذا الرقم فنحن يجب أن نختار بين ‏دمارين على حد تعبيره، إذ يقول:‏

‏”إما أن ترفضوا أقوال المؤسس في أنه كانوا 400 ألف, أو أن تقولوا إنها ‏بدأت بالانحدار الشديد فور وفاة مؤسسها, لكم أن تختاروا أي خيار ‏منهما..”‏

أي أنه يخيرنا بين تكذيب المؤسس عليه الصلاة والسلام ورفض أقواله أو أن ‏نعترف بأن جماعتنا ليست على الحق بناء على الانحدار الشديد فور وفاة ‏مؤسسها.‏

ونقول له، لا هذا ولا ذلك، ولسنا سائرين إلى دمار بفضل الله، بل الدمار ‏هو لأعدائنا ولحسادنا، فمؤسس الجماعة صادق، والجماعة إلى تقدم ‏وازدهار. أما التراجع في العدد بعد وفاة المؤسس فهو فضلا عن أنه نبوءة ‏قرآنية فإن حضرته بنفسه قد تنبأ به في كتابه الوصية، وبين بأن الجماعة ستبدو ‏وكأنها منهارة وسيفارقها بعض الجهال كما حدث بعد وفاة النبي صلى الله ‏عليه وسلم، ثم تتدارك الجماعة القدرة الثانية التي هي الخلافة، وتعود مرة ‏أخرى إلى الإزدهار.‏

باختصار، هاني طاهر الآن في حالة يرثى لها، وهذا واضح من أقواله وفرضياته ‏المخالفة للمنطق والعقل والمبنية على قدر كبير من سوء الظن والتكذيب. ‏ورغم أن الظن هو أكذب الحديث كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وتكذيب الصادقين ‏هو أسوأ من الكذب نفسه، ورغم أنه قد تورط في النفاق والخيانة إلى أن ‏اكتشف أمره فطرد من عمله ثم بدأ بعدها تحركه هذا، رغم كل هذا ما زال ‏يبرر ما يقدمه على أنه بدافع الصدق والأمانة. ألا تنظر إلى الخشبة التي في ‏عينك قبل أن تنظر إلى القذى الذي في عين أخيك؟

ثم يقدم مثال بنين ويقول بأن عدد المبايعين فيها في سنتين عام 2001 و ‏‏2002 أكبر من عدد المسلمين في مجمل البلاد، وينسى أن هذا كان في بعد ‏بيعته بسنة أو سنتين، فلماذا لم ينتبه إلى هذا الأمر منذ البداية؟ هل هي ‏صحوة ضمير الآن أم صحوة عقلية؟

هو على كل حال يعتبر أنه كان مخدوعا كل هذه السنوات، وأنه كان ساذجا، ‏فهل هذه هي مظاهر الصحوة العقلية وهل هذه مخرجاتها التي رأينا شيئا منها ‏في تسجيلاتك حتى الآن وكما بينا بعض نماذجها فيما سبق؟

أؤكد أخيرا، أنه مستمر في التهرب من صلب القضية، وهي دلائل صدق المسيح الموعود، ويتبع أسلوبا يستهدف منه إبطال عصمة المسيح الموعود ليشكك الأحمديين ويحولهم إلى منافقين كما صرح سابقا لتتدمر الجماعة من الداخل، وأنه يحاول العثور على دليل على تورط المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام والجماعة بالكذب لكي لا يبحث في الدلائل ولا يرجع إليها فيبرر ارتداده، وهذا أسلوب مكشوف كان يتبعه الكافرون ومعارضو الأنبياء دوما كما أوضحنا سابقا.

ولا ينسى هاني طاهر أن يستمر في مسلسل التشويق لكي يتابع الناس ما في ‏جعبته. فليفعل! وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.‏

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *