الدروز كمثال على الطائفية البغيضة التي هويتها المصالح بلباس ديني

مع أن الدروز موجودون في فلسطين وسوريا ولبنان والأردن، ومن المفترض أن يكونوا طائفة واحدة موحدة في معتقداتها وهويتها وتوجهاتها، إلا أن مواقفهم تتباين في هذه البلاد من أقصاها إلى أقصاها، وثبت أنها يمكن أن تنقلب في لحظة.

ففي فلسطين، ومنذ نشوء الكيان الصهيوني، اختار الدروز أن يرتبطوا بهذا الكيان ارتباطا عضويا، ظانين أنهم بذلك ينالون أفضلية ومكاسب. ولتسويغ هذا الارتباط كان لا بد من تبرير ورواية دينية، فأعلنوا أنهم ليسوا مسلمين وإنما دين خاص، وأنهم موحدون يسكنون هذه البلاد من قبل أن يأتي الإسلام بالتوحيد، واختاروا أن نبيهم الأعظم هو النبي شعيب! ولماذا شعيب؟ لظنهم أن شعيبا كان الشيخ الكبير الذي استقبل موسى وهو فار من مصر، وزوجه إحدى ابنتيه. علما أن القرآن الكريم لا يقول إنه شعيب وإن كان في مدين، وحتى الكتاب المقدس يقول إنه “يثرون” الكاهن، ولكن بعض التفاسير قد أخطأت، فاعتمدوا على هذا الخطأ، ثم قالوا إن ارتباطهم ببني إسرائيل هو ارتباط تاريخي، وأن على بني إسرائيل أن يردوا الجميل لهم! وهذه كلها مغالطات وأكاذيب لا بد أن بعض مفكري اليهود قد ساعدوهم فيها، لينزعوهم من محيطهم العربي والإسلامي. علما أنهم ليسوا إلا فئة منشقة عن الشيعة الإسماعيلية لظروف سياسية إبان حكم الحاكم بأمر الله الفاطمي في مصر. وعلى كل حال، ومع شديد الأسف، شارك الدروز في المجازر وفي تقتيل أهلهم ولا يزالون.

أما في لبنان، فلم يتبن الدروز هذه الرواية، وكانوا جزءا من الحركة الوطنية اللبنانية، وقدموا أنفسهم كطائفة مسلمة، وأكدوا على هويتهم القومية العربية، وهذا تحت زعامة الزعيم كمال جنبلاط. وشاركوا في الحرب الأهلية اللبنانية إلى جانب المسلمين والفلسطينيين.

أما في سوريا، فقد كانوا مكونا من الشعب السوري، وأكدوا على هويتهم المسلمة والعربية إلى وقت قريب.

وفي الأردن، لا يكاد يتميز الدروز من ضمن مكونات الشعب، وهم منسجمون انسجاما كاملا إلى حد كبير، وعددهم قليل على كل حال.

ومع الأحداث الأخيرة في سوريا، بدأ الدروز بتبني الرواية الدرزية لدروز فلسطين، وأصبحوا يصرحون بقطع ارتباطهم بالإسلام والمحيط العربي، وتخلوا عن تسمية أنفسهم بالمسلمين الموحدين – علما أن هذه التسمية أصلا مستوردة ودخيلة من الرواية لدروز فلسطين، والمرتبطة بقصة شعيب وعلاقته بموسى- وهي تسمية غريبة على كل حال، وكأن بقية المسلمين مشركون أو غير موحدين! وأصبحوا يرفعون الأعلام الإسرائيلية! أي باختصار، اختاروا أن ينضموا إلى مشروع دروز فلسطين.

وفي لبنان، حذر وليد جنبلاط من هذا الانحراف، وأكد أن هناك مشروعا لتهجير دروز فلسطين إلى سوريا، وليس أن دروز سوريا سيأتون إلى فلسطين. ولكن بالمقابل، هناك صوت وئام وهاب وحزبه الذي كان قبل شهور يسبح بحمد المقاومة، وإذا به يعلن ويشجع المشروع الدرزي الصهيوني!

وهذا في الواقع يكشف هشاشة القيم عند هذه الطائفة، والتي هي في الواقع ليس لديها معتقدات راسخة متفق عليها، وهي ليست سوى هوية لمجموعة من الناس توالدوا في هذا المذهب، ولم يتربوا على قيم الإسلام ولا العروبة. وتغيير المعتقدات والانتماء والهوية يمكن أن يحدث بسهولة بالغة بل ومذهلة.

لكن العامل الأهم الذي يؤدي إلى هذه الانقلابات، والذي قد يكون خافيا عن الكثيرين، أن المسألة برمتها ليست سوى مسألة مال وتغيير هائل في الأحوال الاقتصادية حسب ظنهم. فالدروز أدركوا أن إسرائيل لو احتلتهم أو على الأقل تحالفوا معها، فإن العامل العادي سيأخذ أجرا يوميا يفوق راتبا شهريا لأستاذ الجامعة في سوريا! هذا إضافة إلى أن الاستقواء بإسرائيل سيمكنهم من طرد من يشاركونهم العيش في السويداء، وسيجعلهم يوسعونها؛ أي يعطيهم بعض المكاسب الإقليمية حسب ظنهم. كذلك فإن إسرائيل تمنيهم بحلم دولة تمتد على أجزاء من دول بلاد الشام الأربع!

والواقع أن هذه الخطوة هي خطوة انتحارية لوثت تاريخ الطائفة الذي قد بدأ تلويثه من فلسطين، ولطالما كان موقف دروز لبنان وسوريا يعمل على إزالة هذه الوصفة واعتبار الطائفة ومواقفها في فلسطين خطأ تاريخيا كبيرا يجب أن يصحح، ولكن بدلا من ذلك للأسف يبدو أنه يحصل العكس.

ما يهمني التركيز عليه أخيرا هو أن الدين أو المذهب الذي يدعو إلى الطائفية والانعزال وليس الوحدة والانسجام فلا شك أنه دين أو مذهب باطل خطير يتلاعب فيه رجال دينه الفاسدون بالناس وبمصيرهم. أما إن كان ولا بد من وجود فرقة أو طائفة، فلا بد أن يكون على أساس اعتقادي راسخ ومتين، وليس حتى على أساس اجتهاد. وبقدر ما تكون المعتقدات سليمة فإن هذا سينعكس على قدرة الفرقة أو الطائفة أو الدين على الانسجام والوحدة والدعوة إليها والثبات على القيم التي لا تتبدل بتغير المصالح.

لذلك، وفي حالة الدروز، فربما يكون الحل بأن يتداعى أهل هذه الفرقة لتثبيت معتقداتهم وقيمهم وهويتهم. فمن المؤسف أن مشايخهم لا يستطيعون التعبير عن معتقداتهم ولا تعريفها وتحديدها، مع أنه من المفترض أن تكون هذه المعتقدات هي المبرر لوجودهم أصلا.

نسأل الله تعالى أن يهديهم لما فيه الخير، وأن يحميهم من الانزلاق في أخطاء تاريخية ربما يصعب تصحيحها في المستقبل.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *