في المسيحية، يأمر بولس المرأة أن تغطي رأسها، لتكون هذه علامة خضوعها للرجل! نعم! وليس من أجل تكريم المرأة واحتشامها وعفتها، ولأجل حماية المرأة ووقايتها، ولمنع استغلالها، وتمييزها عن النساء اللاتي يمكن أن يُطمع فيهن، كما هو الغرض من الحجاب الإسلامي، الذي لا يقتصر على غطاء الرأس، بل في اللباس الخارجي والسلوك والتصرفات.
وقد تمرد الغرب، والنساء خاصة، على تعاليم بولس بسبب أنه قد جعل غطاء الرأس علامة خضوع المرأة للرجل، ورأوا أن التحرر منه إنما هو تحرر المرأة من الدونية التي فُرضت عليها. ووافق ذلك أيضا رغبة الرجال في استغلال المرأة أبشع استغلال. فلذلك تراهم يكررون أن الحجاب الإسلامي -أو بالأحرى غطاء الرأس خاصة- شيء مشين وقيد يقيد المرأة المسلمة! والمسألة وفلسفتها كلها مختلفة تماما.
لننظر إلى النص الذي جاء فيه تعليم بولس الغريب هذا:
{3وَلكِنْ أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَأْسَ كُلِّ رَجُل هُوَ الْمَسِيحُ، وَأَمَّا رَأْسُ الْمَرْأَةِ فَهُوَ الرَّجُلُ، وَرَأْسُ الْمَسِيحِ هُوَ اللهُ. 4كُلُّ رَجُل يُصَلِّي أَوْ يَتَنَبَّأُ وَلَهُ عَلَى رَأْسِهِ شَيْءٌ، يَشِينُ رَأْسَهُ. 5وَأَمَّا كُلُّ امْرَأَةٍ تُصَلِّي أَوْ تَتَنَبَّأُ وَرَأْسُهَا غَيْرُ مُغُطَّى، فَتَشِينُ رَأْسَهَا، لأَنَّهَا وَالْمَحْلُوقَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ بِعَيْنِهِ. 6إِذِ الْمَرْأَةُ، إِنْ كَانَتْ لاَ تَتَغَطَّى، فَلْيُقَصَّ شَعَرُهَا. وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا بِالْمَرْأَةِ أَنْ تُقَصَّ أَوْ تُحْلَقَ، فَلْتَتَغَطَّ. 7فَإِنَّ الرَّجُلَ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ لِكَوْنِهِ صُورَةَ اللهِ وَمَجْدَهُ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَهِيَ مَجْدُ الرَّجُلِ. 8لأَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مِنَ الْمَرْأَةِ، بَلِ الْمَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ. 9وَلأَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يُخْلَقْ مِنْ أَجْلِ الْمَرْأَةِ، بَلِ الْمَرْأَةُ مِنْ أَجْلِ الرَّجُلِ. 10 لِذَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَضَعَ عَلَى رَأْسِهَا عَلامَةَ الْخُضُوعِ، مِنْ أَجْلِ الْمَلاَئِكَةِ. } (رِسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ الأُولَى إِلَى أَهْلِ كُورِنْثُوسَ 11 : 3-10)
ويجدر هنا أن الفقرة العاشرة من النص أعلاه قد عُدِّلت في بعض التراجم بهذه الصورة:
“لِهذَا يَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ يَكُونَ لَهَا سُلْطَانٌ عَلَى رَأْسِهَا، مِنْ أَجْلِ الْمَلاَئِكَةِ”
بحيث أزيل منها “علامة الخضوع”، ووضعت جملة غامضة ” أَنْ يَكُونَ لَهَا سُلْطَانٌ عَلَى رَأْسِهَا”، مع أنها موجودة في التراجم الأخرى! ولكن، على كل حال، هذا التغيير لن يفيد بشيء، لأن النص بكامله يتحدث عن غطاء الرأس وعن مبررات دونية المرأة عنده.
ولا يقتصر الأمر على مجرد وضع الغطاء على الرأس لكي تعلن أنها خاضعة للرجل، بل يمنع بولس المرأة من العمل في التعليم ولا في أي عمل أو منصب ترأس فيه الرجال، وهذا بسبب أنه يراها مسؤولة عن الخطيئة الأزلية، ولذلك يجب أن تعاقب بأن تعامل بدونية! فلننظر إلى هذا النص:
{وَلكِنْ لَسْتُ آذَنُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُعَلِّمَ وَلاَ تَتَسَلَّطَ عَلَى الرَّجُلِ، بَلْ تَكُونُ فِي سُكُوتٍ، 13لأَنَّ آدَمَ جُبِلَ أَوَّلاً ثُمَّ حَوَّاءُ، 14وَآدَمُ لَمْ يُغْوَ، لكِنَّ الْمَرْأَةَ أُغْوِيَتْ فَحَصَلَتْ فِي التَّعَدِّي. 15وَلكِنَّهَا سَتَخْلُصُ بِوِلاَدَةِ الأَوْلاَدِ، إِنْ ثَبَتْنَ فِي الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْقَدَاسَةِ مَعَ التَّعَقُّلِ.} (رِسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ الأُولَى إِلَى تِيمُوثَاوُسَ 2 : 12-15)
فالمسألة ليست مقتصرة على مجرد غطاء الرأس الذي يأمر به بولس، بل في عدّ المرأة في مرتبة دونية، وأنها تتحمل وزر الخطيئة، وأنها يجب أن يقتصر عملها على ولادة الأولاد، وعليها أن تتعقل! أي هو يشكك في قدراتها العقلية بعد أن شكك في دينها!
إذن، وباختصار، المرأة مضطهدة في تعاليم بولس المسيحية وموصومة بالدونية، ويجب أن تضع غطاء رأس لتعلن هذه الدونية والخضوع للرجل! فكان من الطبيعي أن يتمرد الغرب، والنساء خاصة، على هذه التعاليم التمييزية بين الجنسين، والتي تنتقص المرأة بصورة كبيرة. فهذه مشكلة غربية مسيحية أصلا، وأدت إلى قرون من اضطهاد المرأة، إلى أن جاء زمن الانحلال، الذي لم يصلح شئون المرأة ايضا، بل أدى إلى موجة هائلة من الاستغلال والظلم التاريخي للمرأة بتحويلها إلى سلعة وباستغلالها في سوق العمل.
ولكن العجيب أن الغربيين يسقطون نظرتهم ومشكلتهم اليوم على المسلمين، ويحاولون إقناع بعض البسطاء بها! فبعض المسيحيين يروجون لفكرة أن الحجاب الإسلامي -الذي هو أكبر وأشمل بكثير من مجرد غطاء رأس والذي هو احتشام في اللباس وفي السلوك- هو خضوع ودونية للمرأة، مع أن فكرته في الإسلام مغايرة تماما وتقوم على تكريم المرأة ومنع استغلالها.
فالأولى عندما تطرح هذه المسألة، أن يكون النساء والرجال من المسلمين واعين لهذه الفكرة التي هي غائبة عن الكثيرين، ليعرفوا ما هو أصل المسألة، وأن الأمر في الحقيقة مخجل لمن يحاولون إسقاطه على الإسلام، ويهاجمون به الإسلام ظلما، وليس مخجلا للإسلام، الذي لا يستخدم غطاء الرأس رمزا، ولا يتبنى هذه الأفكار الشاذة من أساسها.




لا يوجد تعليق