أثناء حديثي بالأمس مع بعض الإخوة الأحبة، حول الأحداث في غزة، سمعت مقولة كانت قد غابت عن سمعي منذ مدة طويلة، وهي: “لا يوجد مدنيون بين الإسرائيليين، فكلهم جنود حتى بناتهم ونساؤهم، وأطفالهم سيكبرون وسيقتلوننا”!
تذكرت أن هذا الكلام كثيرا ما كان يروَّج وسمعناه كثيرا في صغرنا، وكان كل من يمكن أن يبدأ بمناقشته يمارس عليه إرهاب فكري ويُتهم بالخيانة!
عندما سمعت هذا الكلام، قلت لقائليه: “إذن، يحق للإسرائيليين أن يقولوا، ليس في غزة مدني، وهم يؤوون حماس والمقاومة، وأبناؤهم سيصبحون مقاومين فيما بعد، فما الحرج في قصفهم وقتلهم”!
لماذا عندما سمعنا هذه التصريحات الوقحة البغيضة من المسئولين الإسرائيليين تملكتنا الدهشة، ما دام فينا من يقول بالقول نفسه؟
وقلت للإخوة: عليكم أن تعلموا أن كلامكم هذا ليس موقف الإسلام، وهو يعاكس سنة النبي صلى الله عليه وسلم ووصاياه، وهو في الواقع مستورد من الفكر اليهودي العنصري وليس من الإسلام في شيء، والإسلام بل وتاريخنا منه بريء تماما. فواجبنا أن نتبرأ من هذا الكلام تماما، وأن نتصدى له، وألا نسمح لأي جاهل أن يروجه من الآن فصاعدا. إن الإسلام يمنع من قتل غير المحاربين أي المدنيين من الأطفال والنساء والشيوخ بل والرجال المدنيين تحت أي مبرر، ويمنع من قتل المحارب الذي يلقي السلاح، بل ويمنع من قتل المحارب إذا لم يكن مشتركا في الحرب الفعلية -كأن يكون في إجازة وليس في موقعه العسكري عند نشوب المعركة- ويمنع من أسره خارج ميدان المعركة أو خارج حالة الحرب المشتعلة.
وقلت: كذلك، وفي غمرة هذه الأحداث، ومن باب تقييم الأوضاع والنظر في العواقب، فلو أن حماس اكتفت بأن تهاجم المواقع العسكرية، وأسرت الجنود وعادت بهم، ولم تتحرك باتجاه المستوطنات أو لم تسمح للناس بأن يندفعوا تجاهها بخلاف رغبة الحركة وإرادتها – كما صرح نائب رئيس الحركة- مما أدى إلى أن يقتل بعض المدنيين، لما كان هناك من مجال أن تتضاعف هذه الأكاذيب من قبل الإسرائيليين ويسايرهم فيها الأمريكان بكل وقاحة لتبرر حمام الدم تجاه أهلنا وتؤجج عواطف الغربيين ليندفعوا في تأييد إسرائيل بصورة غير مسبوقة، قبل أن تنكشف الحقائق ويبدأ صوت خافت جدا بالدعوة للتراجع نوعا ما.
والواقع أن الذي حرك إسرائيل للانتقام ليس قتل المدنيين عندهم، وإنما هو الخزي الذي لحق بها بسبب الفشل العسكري والاستخباراتي وبسبب جبن جنودها وانهيار قيادتهم السريع، الذي كان صادما ومفاجئا، ولكن هذا لم يكن وحده ليكفي لتبرير انتقامها بإجرامها غير المحدود، فاعتمدت على التصرفات غير المنضبطة من مهاجمة المدنيين، وضخمتها وكذبت أكاذيب بخصوص قطع رؤوس الأطفال وحرقهم واغتصاب النساء. وبغض النظر عن جدوى هذه العملية وإن كان مناسبا شنها أم لا، فلقد كان النجاح الذي تحقق فرصة حقيقية، ليس لإظهار شجاعتنا وبسالتنا فحسب، بل لإظهار أخلاقنا الحقيقية وانضباطنا، ولكن للأسف، انقلب الأمر علينا، ودفع أهلنا في غزة ثمنا باهظا ومازالوا يدفعون. لو لم يحدث هذا، لتحرك الضمير العالمي قبل أن تثخن إسرائيل في القتل، ولما استطاع الرئيس الأمريكي أن يتصرف بهذا الانحياز الفج الوقح.
أما القول بأنه لا يوجد مدني إسرائيلي، ويجب قتلهم جميعهم، فبخلاف أنه موقف مخالف للإسلام ومبادئه وأخلاقه وتعاليمه، كذلك فإنه قول في غاية الغباء، لأنه في الواقع يصب في تأييد الإجرام الإسرائيلي الذي نراه، والذي لم يسبق له مثيل. ونحمد الله أن الإسرائيليين لم ينتبهوا إلى الأمر ولم يستثمروه الاستثمار الحقيقي بعد، على الأقل وفقا لما رأيت حتى الآن. لذلك فإنني أحذر، وأتمنى من الجميع أن يحذر بعضهم بعضا، من تكرار هذا الكلام الفاسد القبيح. فلو التقى مراسلون صحفيون بمتظاهرين مثلا في أحد الشوارع وسمعوا منهم هذا الكلام، أو لو نقلوا خطبة أو كلاما في مجلس لشيخ أحمق يردد هذا الكلام، فإن هذا سيكون سلاحا قويا للغاية بأيديهم، وسيقولون إنهم يسعون إلى إفنائنا فلماذا لا نفنيهم؟ وسيفقدنا أهم ما نملك وأهم ما نعتز به ونفخر على كل أمم الأرض، وهو أننا الذين أهدينا للعالم قوانين الحرب الإنسانية، تلك القوانين التي لم يشهدها تاريخ العالم من قبل، ولم يعرفها إلا من خلال رسالة الإسلام العظيم وتعاليم نبينا الأكرم صلى الله عليه وسلم، والتي ملخصها؛ ألا تقتلوا طفلا وليدا ولا امرأة ولا شيخا ولا راهبا في صومعته ولا رجلا غير محارب ولا تقطعوا شجرة ولا تحرقوا زرعا ولا تهدموا دار عبادة ولا تهدموا بناء (أي لا تهاجموا المدنيين ولا تدمروا البنية التحتية ولا تعرضوا الناس للجوع) ؟ أين وردت هذه التعاليم في تراث أي دين أو حضارة إنسانية قبل الإسلام؟ ألا ينبغي أن نفخر بهذه الدرة من التعاليم الإسلامية؟ إننا لو تمسكنا بهذه المبادئ، فقد كسبنا الحرب تلقائيا، وكشفنا الوجه القبيح للعدوان الإسرائيلي المدعوم غربيا، وساهمنا في إساءة تلك الوجوه، والتي ستكون الوسيلة الأنجع في هذا الزمان وفقا للنبأ {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ} (الإسراء 8)، والأهم هو أننا كنا سنكسب نصرة الله تعالى الذي تعهد بنصر من يلتزمون بأوامره ويجتنبون نواهيه ولا يبالون بالعواقب، لأن العاقبة بيد الله تعالى.
إن الصهيونية في الواقع إنما هي جماعة المتعصبين اليهود، الذين ليس لا مبادئ ولا إنسانية ولا رحمة عندهم، بل إن لديهم نصوصا تأمرهم بهذا الإجرام وتعتبره أمرا إلهيا، لأن فئة من المتعصبين قد أدرجوه في كتبهم واعتبروه أمرا مقدسا! فالتعصب والإجرام أمر شائك لديهم ليس من السهل التخلص منه. والحقيقة أن تطبيقهم لهذا التعصب والإجرام قد أساء لليهود إساءة تاريخية من الصعب أن تنسى أو تمسح من صفحات التاريخ، وسيخجل اليهود ما بقيت الدنيا من هذه الدولة العنصرية البغيضة إلى يوم القيامة. بل ربما سينالهم عقاب إلهي بإيدي متعصبين آخرين كما حدث على يد النازية في ألمانيا إبان الحرب العالمية الثانية. لذلك لا عجب أن اليهود بأنفسهم بدأوا بالتحرك في أمريكا، وتظاهروا في واشنطن ليقولوا: “لن نسمح أن ترتكب هذه الفظائع باسمنا”. فمن باب أولى أن علينا نحن المسلمين أن نعلن للعالم أننا لا نسمح بأن ترتكب أعمال وتنسب للإسلام باسمنا مهما كانت بسيطة ومهما كانت لا تقارن بإجرام الصهاينة غير المحدود، ونحن بهذا نكون قد وقفنا بحق في صف أهلنا وقضيتنا العادلة لا في صف عدونا. نعم، إن الوقت الآن هو وقت الوقوف بجانب أهلنا والعمل بكل ما في وسعنا لوقف العدوان ولنصرتهم وإغاثتهم، ولكن علينا أن نتفقد صفوفنا أيضا، وألا نسمح للمتعصبين بأن يضررونا ويجعلوننا نخسر المعركة أخلاقيا كما نخسرها ماديا بسبب الضعف والوهن والتخاذل العربي والإسلامي، وذلك بإشاعة أفكارهم الباطلة.
إن التعصب آفة خطيرة، أكثر ما تضرر أصحابها، وفي المثال السابق نستطيع أن نرى الضرر المباشر لها في هذه الأحداث، مع أن الأضرار الأخرى التي تنعكس على الأخلاق والسلوك وانعدام المواساة بين البشر يطول الحديث حولها وتحليلها، وسيضطر المتعصبون إلى أن يتشظوا وينقسموا على أنفسهم ويتعصبوا إلى انتماءات أدنى فأدنى تتناحر فيما بينها.
وخلال هذه الأحداث، من المؤسف أنني اطلعت على أن بعض المتعصبين على أساس ديني أو إقليمي يتحركون ويحاولون بث سموم تعصبهم، وإن كانوا قلة قليلة. ومع أن الشارع إجمالا متوحد حول هذه القضية والقضايا المصيرية إجمالا، إلا أن هذه الأصوات القبيحة تحاول النفث مدعية أنها تدافع عن فئة أو عن دين وتحرص على مصالحها. ولكن هؤلاء لا يعلمون أن العدو لا يميز بين فلسطيني وعربي آخر وبين مسلم ومسيحي في عدوانه وهمجيته. فبالأمس قصف الإسرائيليون ثالث أقدم كنيسة في العالم، واختلط دم المسيحيين بإخوانهم المسلمين، ولم يحرك الغرب الذي يدعي المسيحية ساكنا.
إن التعصب في الواقع ملة واحدة؛ أفكارهم واحدة وسلوكهم واحد. ولو أمسك المتعصبون بزمام الأمور وسادت أفكارهم، فإن النصر سيكون للأكثر قوة وعدة وعتادا، لأن الله تعالى لا يكون مع المتعصبين من أي جنس أو عرق أو دين، وسيجعلهم يعذبون بعضهم بعضا. ونحن المسلمون أولى الناس بأن ننبذ هذا التعصب البغيض. فهذا الذي سيبيض وجوهنا ويسيء وجوه المتعصبين ويسوِّدها.

لا تعليق