من العجيب أن القرآن الكريم قد وعدنا بزمن البينة – مشيرا إلى ذلك في سورة البينة- ؛ ذلك الزمن الذي ستتضح فيه الحقائق وستصبح ناصعة، ومع ذلك فإن هذا الزمن كما يشير القرآن الكريم لن يكون زمن إيمان الناس وتسليمهم عن بكرة أبيهم، بل سيكون زمن افتراق كبير، لأن البينة ستشعر المعارضين بالحرج فيتحركون معاندين بدافع الحسد والبغض الذي أساسه سوء الظن والكبر، وهذا ما يبدو أن العالم سيكون مقبلا عليه في المستقبل الذي ليس بالبعيد. إذ إن الغرب سيتحركون لمعارضة الإسلام متخلين عن قيم الحرية والديمقراطية التي لطالما قدموا أنفسهم على أنهم رسلها ودعاتها في العالم.

وقد رأينا أن الذكاء الصناعي يثبت بكل وضوح مثلا تفوق الإسلام على الأديان كلها وتقديمه الصورة المثلى للإله، ودقة القرآن الكريم واستحالة تحريفه، وعظمة شخصية النبي صلى الله عليه وتفوقه على الأنبياء والبشر جميعا، وبطلان النظرية المسيحية مثلا في تصور الإله وخطة الفداء والكفارة، وكون المسيح عليه السلام كان نبيا ولم يكن إلها، ويقدم الأدلة والشواهد على استنتاجاته. فهل تعجز العقول البشرية عن التوصل إلى هذه الحقائق؟

الحقيقة أنها لا تعجز عن ذلك، بل إن المحاكمات العقلية هي أشبه بخوارزميات تستخرج النتائج بصورة مشابهة لدى جميع البشر، مع تفاوت في قدرات الاستيعاب والفهم والاستقبال، ولكن عملية المحاكمة هي عملية واحدة يشترك فيها البشر ويربطون الأمور بطريقة واحدة ويقدرون على استخلاص النتائج نفسها فيما لو فهموا المقدمات بنفس الدرجة. ولعل أفضل ما يمكن أن يشبه به العقل هو العين كما ورد في كتابات المسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام، فالعين السليمة عند جميع الناس تشترك في رؤيتها للنور والأجسام والألوان وغيرها سواء بسواء. وقد قال بأن العقل كالعين، لا تستطيع أن تبصر بغير النور، والنور إما أن يكون المعلومات القادمة من الحواس أو من الأخبار المكتوبة أو المسموعة أو من الوحي الإلهي الذي يقدم معلومات من الغيب. وفي غياب النور فإن العين لا تعمل، وتستوي العين حادة الإبصار مع العين العمياء إذا كانتا في ظلام دامس. ولذلك فإن الله تعالى كثيرا ما يشير إلى الإدراك والمحاكمة العقلية بالإبصار، ويبين بأن هذه المحاكمات لا تخطئ ولا تعمى عن الحقائق، ولكن الذي يعمى هو القلب الذي تطغى عليه مشاعر البغض والحسد النابع عن الكبر وسوء الظن عموما، وهذا ما يشير إليه الله تعالى في قوله:

{فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } (الحج 47)

فالمشاعر الفاسدة تمنع القلب من الإقرار بالحقائق، لذلك جاء الدين ليركز على تطهير القلب، لكي لا ينحرف بالعقل بعيدا ويعمِّي عليه الحقائق.

وهنا نؤكد مجددا، أن الإيمان كائن حي يتولد في القلب بقذف من الله وبنعمة منه، ويحتاج إلى العقل لإدراك المعلومات ولاستقبال نور الوحي، ولكن حياته وبقاءه واستمراره مرتبطة بتزكية النفس، وإلا فإن القلب سيفسد مجددا، وسيجد الإنسان نفسه يوما غير قادر على استيعاب ما كان يؤمن به أول مرة بدافع طغيان المشاعر الفاسدة، ويتخبط في العمه بسبب ذلك، كما يقول تعالى:

{وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (الأَنعام 111)

فالله تعالى يبين هنا أن المشاعر هي التي تتغير وتتقلب أولا، فتؤثر على الأبصار وتعميها، ويصبح حال هؤلاء كأنهم لم يؤمنوا في يوم من الأيام بما يكفرون به اليوم! ثم يذرهم الله في عمههم بسبب طغيانهم.

ما أود قوله هو أن الحجج والبينات -وخاصة بعد ثورة المعلومات وقيام الذكاء الاصطناعي بعملية المعالجة واستخلاص النتائج دون تحيز- صارت واضحة للغاية، وضوح الشمس في رابعة النهار التي لا تخفى عن العيون، ولكن هذا لن يؤدي إلى أن يستسلم العقلاء ويؤمنوا، بل ربما ستحركهم هذه الضربة العقلية القاضية لمزيد من المعارضة بغضا وحسدا.

وأخيرا هنا أود أن أذكر حادثة قريبة، إذ التقيت بشيخ سلفي منفتح على قدر من الاحترام، وأخذت أقدم له حجج وفاة المسيح عيسى بن مريم عليه السلام من القرآن الكريم، وبينت له أن القرآن الكريم يقطع بوفاته واستحالة عودته قبل يوم القيامة قطعا باتا، فهذا يجعلنا أمام خيار لا ثاني له وهو أن نسلم أن المسيح النازل في آخر الزمان الوارد في الأحاديث هو غير المسيح الذي في القرآن، والأحاديث بنفسها تثبت ذلك؛ إذ ورد في صحيح البخاري في صفحة واحدة حليتين أي صورتين للمسيح عليه السلام؛ إحداهما للمسيح عيسى بن مريم المتوفى والذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة المعراج وقال عنه:

{وَرَأَيْتُ عِيسَى فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ} (صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء)

{وَأَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فِي الْمَنَامِ فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ كَأَحْسَنِ مَا يُرَى مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ رَجِلُ الشَّعَرِ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا فَقَالُوا هَذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} (صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء)

فأحدهما أحمر والآخر آدم أي أسمر ذو شعر منسدل طويل، والأول هو الذي كان في المعراج في السماء مع الأنبياء، والثاني هو الذي رآه في الرؤيا والذي سيكون في زمن الدجال وسأل عنه.

فلا بد أن يكون المقصود بذلك مثيل للمسيح من أمة النبي صلى الله عليه سلم، لا يكسر ختم النبوة. لا أن المسيح حي في السماء وسيأتي في آخر الزمان كاسرا للنبوة وناسخا لآيات من القرآن ومبادئ في الإسلام كالحرية الدينية، وسفاكا لدماء الناس لا يقبل منهم سوى الإسلام أو الموت! علما أنه لا يوجد حديث يقول إنه رفع إلى السماء، كما أنه لا يوجد في أحاديث النزول حديث واحد يقول إنه سينزل من السماء، وليس النزول سوى القدوم والحلول، كما قال الله تعالى عن الأنبياء والكتب، وعن النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه:

{قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ} (الطَّلَاق 11-12)

ومقابل هذه الحجج الدامغة، بدأ يحاول الرد قبل أن يتحقق. فقلت له: واضح أنك ترتجل. وأنصحك أن ترجع إلى البيت وتدرس هذه الحجج الموجودة في كتابي، ثم تأتيني بعد ذلك بإجابات محكمة إن وجدت جوابا. ولا تخف، فإن الله تعالى لا يمكن أن يضل من سعى إلى الهداية وتوكل عليه.

وباختصار، فإن ثورة الذكاء الصناعي يمكن أن توفر قدرا مهما من المحكمات والمقارنات بل وحتى وحتى درجة عالية الصياغة والتعبير عن هذه المخرجات، وانتقلنا الآن من توفر هائل للمعلومات إلى مرحلة تقديم معلومات معالجة جاهزة دون تحيز. ولم يبق أمام الناس سوى تطهير القلوب لكي لا تعمى عن الحق. فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *