يمكن تعريف الإرهاب ببساطة على أنه استهداف المدنيين والبنى التحتية بالقتل أو بالحصار والتضييق وبتخريب البنى التحتية لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية.
وبالنظر إلى هذا التعريف، نجد أن هناك نظريتين تسودان في العالم؛ النظرية الأولى هي النظرية الغربية التي ترى أن عملا كهذا، إذا أدى إلى إنهاء الحرب أو تقليل الخسائر فإنه أمر مشروع. ثم النظرية الإسلامية التي ترى أن هذه الوسائل محرمة مطلقا، ولا يجوز استخدامها، مهما كان المبرر.
وتستند النظرية الغربية، التي كانت تطبق على مدى التاريخ الغربي، بل لها جذورها في العصور الوسطى وما قبلها وما بعدها، إلى أن الإسراف في قتل المدنيين وسياسة الأرض المحروقة؛ أي تخريب البنى التحتية وحرق الأراضي الزراعية كي لا يستفيد منها العدو ومحاصرة المدنيين وتجويعهم وترهيبهم من الموت في أي لحظة، قد يكون الوسيلة الأنجع لإخضاعه لإنهاء الحرب والاستسلام بدافع خوفه وإشفاقه على مواطنيه. وقد تبلورت هذه النظرية وطبقت بصورة فجة وأدت إلى نتائج إجرامية في الحرب العالمية الثانية وما بعدها، ولا زالت منهجا مثاليا. ففي الحرب العالمية الثانية برزت هذه النظرية من خلال اقتراح قائد سلاح الجوي الملكي البريطاني وقائد القاذفات البريطانية آرثر هاريس، الذي أصر على تشرشل بأنه قادر على كسب الحرب وحسمها -لأن النظرية السائدة هو أن الحرب لا يمكن أن تحسم بالقوة الجوية وحدها- باستخدام القاذفات الثقيلة، التي تحمل أطنانا من المتفجرات، من خلال قصف المدن والبنى التحتية لإلحاق خسائر بشرية كبيرة في المدنيين وتعطيل سبل العيش مما سيؤدي إلى هزيمة واستسلام ألمانيا في النهاية. وكان تشرشل رئيس الوزراء البريطاني مترددا في قبول هذا الرأي، ولكنه قبله في النهاية هو ومجلس الوزراء، وبدأت حملة قصف المدن الألمانية المروعة، بمئات الطائرات البريطانية والأمريكية، والتي راح ضحيتها مئات الآلاف من المدنيين، وكان أشهرها قصف مدينة دردسن ومشاهده المروعة، التي جعلت تشرشل في النهاية يحاول التنصل من هذه الإعمال وإنكار دورها في حسم الحرب؛ بحيث لم يذكر قيادة القاذفات البريطانية في خطاب النصر. كما لم يتم إنشاء نصب تذكاري لهذه الوحدة من سلاح الجو، بخلاف جميع وحدات وقطاعات الجيش البريطاني، إلا متأخرا بعد عشرات السنين.
وفي المحيط الهادئ، مارست أمريكا السياسة نفسها، ولكن بصورة أكثر ترويعا، وقصفت أكثر من 67 مدينة يابانية، وعلى رأسها طوكيو التي أدى قصفها وحدها إلى مقتل أكثر من 100ألف مدني، وقامت بمحاصرة اليابان وتجويع الشعب الياباني الذي عانى من مجاعة مروعة، ثم تم تتويج هذه الحملة بالقصف الذري على هيروشيما ونغازاكي، والذي لم يكن أمرا جديدا من حيث عدد الضحايا، ولكن من حيث الآثار والتلوث الذي تركته هذه القنابل.
وفي الحالتين، سواء في أوروبا أو في المحيط الهادئ، لم يكن الحلفاء يقبلون بأقل من الاستسلام غير المشروط؛ أي لم يكن لديهم أي رغبة في الدخول في مفاوضات لإنهاء الحرب بشروط عادلة، بل يريدون أن يخضع العدو ويستسلم، ثم يقررون ما يشاؤون. والسؤال هنا: لماذا لا يمكن أن تنتهي الحرب بشروط عادلة، وبتسوية تكفل للطرفين مخرجا ملائما يغري المعتدي الذي على وشك الهزيمة أن يتوقف فيصون نفسه ويحفظ كرامته؟
والمؤسف أنهم قد نجحوا في إرغام العدو على الاستسلام غير المشروط، وأدى هذا النجاح إلى تعزيز فكرة الإرهاب كوسيلة غاية في الأهمية لإخضاع العدو وقهره واستسلامه. وكانت ولا زالت جزءا من السياسة الغربية منذ ذلك الوقت إلى الآن. ولكنهم لا يعون مقدار الخسارة الأخلاقية التي خسروها، كما لا يدركون العواقب الخطيرة التي ستعصف بهم يوما فيما لو لم يتركوا هذا المسلك ويتخلوا عن الإرهاب تماما.
وكما قلنا، فإن هذه السياسة كانت ولا زالت مستمرة، ولذلك ليس غريبا أن القصف الجوي الذي ابتدأ به غزو العراق في العام 2003 سمي بعملية الصدمة والرعب (Shock and Awe) وهو تعبير يتضمن فكرة الإرهاب كما هو واضح؛ حيث ابتدأ الغزو بسلسلة غارات مروعة على المدن العراقية من الشمال إلى الجنوب، وقتل فيها مئات الآلاف من المدنيين كما هو معلوم.
ومقابل نظرية الإرهاب الغربية والإصرار على الهزيمة الكاملة واستسلام العدو، نجد الإسلام يقدم نظرية مختلفة تماما، تعتبر إحدى درر هذا التعليم الإسلامي العظيم، وهذه النظرية تقوم كما قلنا على اجتناب استهداف المدنيين والبنى التحتية بأي صورة من الصور، وتقديم تسوية عادلة للعدو المشرف على الهزيمة بعد أن يدرك خطأه، وبذلك نغريه بأن يفيء إلى أمر الله تعالى ويقبل بالصلح، وبذلك يصون بلاده ومواطنيه وكرامته الوطنية أيضا. فليس المطلوب أن يستسلم ويخضع، وإنما المطلوب أن يصل إلى مرحلة يدرك فيها أن طريق إنقاذ ما يمكن إنقاذه ممكنة، وأنه لن يُظلم ولن ينكل به.
وكما قلنا، فإن الدافع وراء الإرهاب وتسويغه في النظرية الغربية يكون دوما بأن هذا سيمنع من المزيد أو سيوقف الحرب، ولذلك فهو أهون الشرين. فإذا خاف العدو من المزيد فإنه سيستسلم، وبذلك فإننا نحقن دماء الطرفين في النهاية! أما في الإسلام، فمع أنه يرى أهمية بالغة لإيقاف الحرب وسفك الدماء، ولكنه يقدم حلا مختلفا إنسانيا رائعا طاهرا يصون الأرواح ويؤدي في النهاية إلى سلام دائم وعلاقات طيبة بين الأطراف المتقاتلة في النهاية.
والأجمل أيضا، أن الإسلام يدرك أيضا أهمية ترهيب العدو من الخسائر فيما لو اعتدى أو فكر في العدوان، ولكنه يقدم حلا، ليس مبنيا على استهداف المدنيين والبنى التحتية، وإنما بأن يدرك العدو أن لدينا من القوة ما يكفي لردع عدوانه بداية، لذلك يجب أن يفكر قبل أن يعتدي، يقول تعالى:
{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ } (الأَنْفال 61)
ومن اللافت أن الله تعالى يقول هنا “رباط الخيل” أي الخيل المرابطة التي لم تنطلق بعد والمستعدة للانطلاق لو لزم، في بيان أن الهدف هو معرفة ما لدينا من قوة وليس استخدامه بلا حدود. فإذا خاف العدو قوتنا، فإنه قد يتراجع من البداية.
والنقطة الجميلة الأخرى والتي تشكل الفارق المهم الثاني في النظرية الإسلامية هي أن الإسلام لا يريد ولا يسعى لاستسلام للعدو أو تدميره تماما، بل يريد تحقيق العدل له، في أي وقت من الصراع، وحتى وإن أصبح مسلوب الإرادة ومهزوما، وأن يتم الإصلاح بين الطرفين وإنشاء سلام دائم بينهما. يقول تعالى:
{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } (الحجرات 10)
لذلك يأمر الإسلام بإيقاف القتال فورا بمجرد أن يجنح العدو للسلم، إذ يقول تعالى:
{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (الأَنْفال 62)
فشتان بين نظرية غير أخلاقية لا تراعي أرواح البشر ولا الحرمات وتسعى إلى تحطيم العدو واستسلامه ونظرية تكفل للعدو العدل وتغريه به في أي لحظة، رغبة في السلام.
فكما رأينا، فإنه مقابل هذه التعاليم الجميلة، نرى أن النظرية الغربية لا تفكر مطلقا في إقامة السلام أو تعزيزه أو دفع أي جهة صديقة أو حليفة له، ولا تفكر إلا في الاستسلام غير المشروط الذي يُسلب فيه العدو الحق في المطالبة بأي نوع من المطالب، وأن يترك الأمر للأمم المنتصرة لتفرض وتملي عليه ما تشاء. ومع أن هذا المسلك الذي طبق بعد الحرب العالمية الأولى قد أفضى إلى حرب أفظع وأوسع وهي الحرب العالمية الثانية، إلا أن الغرب استمر في تطبيق هذه النظرية بعد ذلك، وطبق الإرهاب بأفظع صوره، ولم يقبل من ألمانيا واليابان سوى الاستسلام غير المشروط، بعد سلسلة من الأعمال الإرهابية التي يرتعد لهولها الضمير الإنساني وسيبقى وصمة عار في جبين البشرية إلى الأبد.
والمؤسف، أنه بدلا من ملاحقة الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا لتتبرأ من سياسة الإرهاب وتعتذر عنها وتتعهد بعدم تطبيقها، نجد أنه -بسبب السلوك غير الإسلامي الذي تمارسه بعض الجهات والمنظمات الإسلامية باستهداف المدنيين والأهداف غير العسكرية ولو على نطاق محدود جدا، وبسبب بعض الجهات التي تنادي بعدم التمييز بين المدنيين والعسكريين- يُتهم المسلمون بالإرهاب ويحاول الإرهابيون الحقيقيون لصق الإرهاب بالإسلام كدين عموما! وبذلك فإن الخسارة التي تنالنا كأمة إسلامية إنما هي خسارة مضاعفة؛ إذ نتهم بالإرهاب من ناحية، ويحاول المجرم الإرهابي الحقيقي إخفاء إرهابه الفظيع ونظرياته الإرهابية التي كان ولا زال يطبقها، استنادا إلى ذلك.
والآن، يقف العالم على مفترق طرق، وعلى حافة كارثة خطيرة، بسبب هذه السياسة. ففي أوكرانيا يدفع الغرب بكل قوته نحو هزيمة لروسيا ويقدم دعما غير محدود لأوكرانيا، ولا يفكر مطلقا في السلام وفي إقامة العدل، بل يتوعد روسيا من الآن بأنه سيفرض عليها استسلاما غير مشروط وتعويضات هائلة ومحاكمات، وبهذا فإنهم يغلقون طريق السلام وأي إمكانية لنوع من التسوية، ويدفعون العالم إلى كارثة نووية. وفي فلسطين، يستغلون بعض التصرفات غير المنضبطة والأفعال المدانة إسلاميا لتبرير قيام إسرائيل بإرهاب حقيقي تستهدف فيه المدنيين والبنى التحتية وتضيِّق فيه الخناق على الناس وتقطع عنهم المياه والأغذية وتمنع عنهم المساعدات، ثم تستعد أمريكا والغرب لتقديم الدعم غير المحدود لإسرائيل لتطبق إرهابا حقيقيا فظيعا. ينبغي علينا أن ندرك أن النصر الحقيقي إنما يتحقق بأن ننتصر أخلاقيا، وأن نكشف الوجه القبيح للإرهاب الغربي والصهيوني، وألا نترك بيدهم أي حجة لإدانتنا. أما تهديم البيوت وإيقاع أكبر قدر من القتلى في الطرفين فإن هذا كله سيعوض ولن يكون خسارة حقيقية لأي فريق في النهاية. ليتنا استطعنا ونستطيع أن نزيل أي حجة تحاول وصفنا ووصف ديننا بالإرهاب من قبل الإرهابيين الحقيقيين. إننا لو فعلنا فستنكشف وجوههم القبيحة، وهذه هي الوسيلة التي أنبأ به الله تعالى { لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ } (الإسراء 8)، لأنهم سيضطرون في كل حال لتطبيق إرهابهم دون أن يجددوا المبررات، فيعلم العالم ويسجل التاريخ الإنساني من هو الإرهابي حقا.
يجب أن يتكاتف العالم لمواجهة الإرهاب، ومحاسبة الدول التي ما زالت تعتمده كسياسة مشروعة ثم بوقاحة تحاول أن تدفع عن نفسها التهمة بإلصاقها بغيرهم، بل وبمن! بالإسلام العظيم الذي يتناقض تماما مع الإرهاب ويقدم نظرية مختلفة لو طبقها العالم لعاش في سلام وأمن دائمين.

لا تعليق