لعل أهم أخطاء جماعة الإخوان المسلمين، والتي دفع العالم الإسلامي بسببها الكثير من الدماء، هو أنهم تجاوزوا مبدأ إسلاميا راسخا وتغاضوا عنه، وهو أن القتال الديني لا ينبغي إلا أن يكون إلا بسلطة سياسية تعتمد على تفويض رباني. وهذا المبدأ لم يكن في الإسلام فحسب، بل هو مبدأ كان ولا يزال حتى في اليهودية، ومع كل التحريف الذي طرأ عليها، إلا أننا نجد قطاعا واسعا من المتدينين يرفضون القتال إلا بعد نزول المسيح أو الملك المخلص، وهذا هو السبب وراء رفض ما يسمون بـ”الحريديم” التجنيد في الجيش الإسرائيلي، لأنهم يرون أن قيام إسرائيل لم يكن بتفويض رباني، ولذا فهم لا يعترفون بها ويعدُّون القتال معها وكأنه خطيئة! وقد سجل القرآن الكريم حادثة النبي مع بني إسرائيل، والتي توحي بأنه كان يناقشهم ويذكِّرهم بأن القتال لا ينبغي إلا تحت ملك أو إمام مفوض، وكانوا يدّعون أنهم في غالبيتهم يريدون القتال، فقالوا له ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله! فقال لهم إن الواقع سيكشف أن أكثركم غير جادين، وعندما يجد الجد فإنه لن يبقى إلا القليل، وهذا ما كان. المهم أنه كان يذكرهم بهذا المبدأ، وينهاهم عن الفوضى وعن القتال دون إمام. وتذكير القرآن الكريم بهذه الحادثة هو في الواقع تبيان لأهمية هذه المبدأ الراسخ، ونبوءة أيضا بأن ما حدث مع بني إسرائيل سيحدث مع المسلمين.

وفي الإسلام، كان هذا المبدأ ولا يزال مبدأ راسخا، ومسألة أنه لا بد من إمام لم تفارق الفكر الإسلامي إلا لدى جماعة الإخوان المسلمين! ذلك الفكر الذي قام بالأساس على فكرة تكفير المجتمعات -كما يقول سيد قطب- واعتبار أنفسهم وكأنهم جماعة المسلمين وأن المجتمعات هي أشبه بمشركي قريش في الجاهلية الثانية، ولكنهم نسوا أنهم لا يمثلون رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلفاءه، وأنهم ما داموا بلا إمام فسوف يكون الشيطان إمامهم، مما سيؤدي إلى مسالك مهلكة وإخفاقات ستدفع المجتمعات الإسلامية ثمنها غاليا كما سيدفعونها هم أنفسهم. فحتى حزب التحرير على سبيل المثال، رغم الكثير من المبادئ الفاسدة التي يقوم عليها ويدعو إليها كاعتبار الخيانة والانقلاب أمورا مشروعة، كان يرى أنه لا بد من قيام الخلافة أولا. أما جماعة الإخوان المسلمون فرأوا أنهم المفوضون دون تفويض، ورأوا أنهم يمكنهم العمل في السياسة والعسكرة دون إمام، ويمكن أن يأتي الإمام لاحقا بعد أن يحققوا النجاحات! وبهذا فقد تبين أنهم متلونون لا يؤمن جانبهم، وبالفعل كانوا يستغلون الأوضاع ويحاولون أن يصلوا إلى السلطة، إما بانقلابات أو اغتيالات أو من خلال الانتخابات إذا رأوا أنها ستخدمهم.

وهنا لا بد من القول إن العمل السياسي ليس محرما في الإسلام، ولكن المحرم هو أن تلبسه لباس الدين وتقدم نفسك وكأنك المفوض من الله تعالى! بل والأخطر هو أن إلباس السياسة لباس الدين في هذه الحالة، مع بعض الاختلالات في فهم الدين والتاريخ والسيرة، سيجعل الأحزاب الدينية مقيدة وغير قادرة على مواكبة المصالح والتغيرات، لسوء فهمها وسوء استقرائها للنصوص الدينية والتاريخ. فمثلا سيظنون أن التنازل عن السلطة فيما لو لم يكن أحد راغبا بوجودهم وكأنه تنازل عن الخلافة! وسيرون أن قتال فئة صغيرة مقابل قوى جبارة يوجب أن يتدخل الله وينصرهم وكأنهم بقية صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في بدر! كما أنهم سيتعاملون مع غيرهم في المجتمع بناء على تقييمهم لمدى كفره وإيمانه! مما يحول الأحزاب الدينية إلى أحزاب إقصائية خطيرة من ناحية ويجعلها خاضعة لسوء فهمها ولسوء تقديرها ولخرافاتها.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *