“معقول يسمح الإسلام بالزواج من الكتابية ولا يسمح بالترحم عليها إذا ماتت؟ “

والخلاصة أن الأمر معقول عنده.

فالإسلام عنده لا يسمح بالترحم عليها.

ولا غرابة في موقفه هذا إذا فهمنا مبادئه التي يقف عليها. فالإشكالية عنده هو اعتقاده أن الترحم على غير المسلم يعني أننا نرسل رسالة أننا نرتضي إيمانه، أو نعتقد بأن الإسلام وغيره سواء، فلا بد من عدم الترحم، حتى مع الزوجة، لكي يهتم الكتابي بالالتفات إلى الإسلام وضرورة الإيمان به.

والسؤال هنا: من قال أن الترحم يعني هذا؟ فلا يلزم من الترحم على خلق الله الموافقة أو الاعتراض على دينهم أو مبادئهم.

كذلك هو يرى أن غير المسلمين، مهما كان موقفهم، سواء أقيمت عليهم الحجة أم لا، كلهم حصب جهنم، ولن ينفعهم عمل صالح، ولن يُنظر في أعمالهم أصلا، بل ستُذر كالرماد، وتصبح هباء منثورا!

وهذا طبعا نتيجة سوء فهمه لآيات تتحدث عن أفعال الكافرين في الدنيا التي لن تنفعهم شيئا في معارضة الحق، ولن تترك أي أثر في إعاقته، ولا تعني أنهم لا ميزان لهم يوم القيامة، فقط بسبب أنهم غير مسلمين، سواء اختاروا ذلك أم لم يختاروا! علما أن الغالبية العظمى منهم لم يختاروا، بل ولدوا هكذا، ولم يتيسر لهم الاختيار الحق، الذي ليس في مقدورهم.

أما هل يقول الله تعالى ما ذهب إليه؟

على العكس تماما، يقول تعالى:

{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ } (الأنبياء 48)

فماذا تعني هذه الآية إلا أن ميزان الأعمال سيقام لكل نفس، ولن تظلم أي نفس -سواء مسلمة أو غير مسلمة- وسيحاسبهم الله تعالى على الحسنات والسيئات. ولا شك أن الذي ستتجاوز حسناته سيئاته سينجو عند الله، وإلا ما قيمة هذا الميزان؟

وعودة إلى الزوجة الكتابية، فالحقيقة التي أخفاها، والتي كان واجبا أن يشدد عليها أكثر؛ لأنها أهم من الترحم بعد الوفاة، هي المودة المحرمة تجاه أهل الكتاب كلهم عنده، بما فيهم الزوجة، كي لا يعتقدوا بأننا نصحح دينهم ومعتقدهم! فالواجب هو بغضهم لوجه الله كي لا يطمئنوا بإيمانهم! وكي يتذكروا كلما رأيناهم وقطّبنا جباهنا وأعلنا لهم بغضنا، أنهم على دين باطل، وإلا وقعنا أنفسنا في الشرك! فهل هذا ما يجب مع الزوجة أيضا؟

وباختصار، مؤدى موقفه هو أنه يمنع المودة والرحمة عن الزوجة الكتابية حية وميتة!

والسؤال هنا: هل زواج الكتابية زواج أم هو سفاح؟

فإن كان زواجا، فما هو الزواج إلا المودة والرحمة؟ إذ يقول تعالى:

{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم 22)

فما شكل زواج الكتابية إن كان خاليا من المودة والرحمة اللذين يدعو هذا الشخص إلى منعهما؟ هل قال الله تعالى: جعل بينكم مودة ورحمة فيما لو كنتما مسلميْن، أما لو تزوجت أيها المسلم كتابية، فإياك أن تودها وتقع في حبها وإياك أن ترحمها في الدنيا وتترحم عليها بعد وفاتها!

وماذا يفعل بأمر الله تعالى للمسلم أن يترحم على والديه، فيما لو كانت أمه كتابيه؟ كما في قوله:

{وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} (الإسراء 25)

هل قال الله تعالى: استثنِ أمك من الرحمة فيما لو لم تكن مسلمة!

لو كان هذا الشخص واثقا في دينه وفي معتقده، ما كان هذا موقفه، فهو لا يرى الإسلام اليوم في حالة تدعو المسلم إلى الاعتزاز بدينه، لذلك كتب في تعريف صفحته، لتبيان أهدافها، سطرا لم يكتمل:

“أ) إعانة المسلم على أن يعتز بدينه ويوقن ب”

فهل المسلم يحتاج إليك وإلى أفكارك المتطرفة ليعتز بدينه ويوقن؟

الواقع أن منهجه ومبدأه ليس إلا تهديد الناس بسيف التخويف والترهيب من الوقوع في المحرَّم وغير الجائز الذي يراه، ذلك الحرام سيخرجهم من الإسلام. ويظن أنه يجب أن يحافظ على بقاء المسلمين في الإسلام وأن يبقوا معتزين بدينهم وموقنين به بقوة الخوف لا بقوة الإقناع، لأنه على ما يبدو وقع في عدم الثقة والشك، واختار طريق أن يلجئ نفسه ويبحث عن مبررات البقاء في الإسلام بهذه الطريقة.

أقول له: إن جمال الإسلام وقوة حجته هو الذي جذب القلوب منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، ولم تتزعزع الثقة بالإسلام واليقين به إلا من أمثالك وأمثال شيوخك الذين اختاروا سيف الترهيب من الكفر وعقاب الله بدلا من الترغيب في جمال الإسلام وبدلا من الدفاع عنه بالحجج البينة الرائعة التي لا ريب فيها، والتي تتساقط أمام قوتها كل الأراجيف والأكاذيب والعقائد الباطلة.

إن الإسلام في حقيقته ليس إلا الرحمة المهداة للعالمين التي تجسدت في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسل “رحمة للعالمين”، والتي تشمل خلق الله كلهم، ولا تقتصر على المسلمين. وما حقيقة الدعوة إلى الإسلام إلا أننا نريد لخلقه مزيدا من الرحمة ونريد لهم الفلاح في الدنيا والآخرة. فإذا كنا لا ندعو لهم بالرحمة في الدنيا ولا نرجوها لهم، ثم إذا ماتوا نتمنى أن يلقوا في الجحيم، فهل هذا هو الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم؟

فاحرص يا هذا على أن تعرف حقيقة الإسلام، وعلى أن تثق بالإسلام وتعتز به عن قناعة أولا، لا بإرغام نفسك وقهر الآخرين بسيف التخويف من الحرام والتكفير، ثم تكلم.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *