هل وَعَد الله المؤمنين بالنصر حتما بغض النظر عن قوتهم واستعدادهم وأخذهم بالأسباب؟ وهل يكفي أنهم مؤمنون ليتحقق هذا الوعد؟
نعم، لقد وعد الله تعالى المؤمنين بالنصر، ولكن الواقع أن الوعد الإلهي بالنصر الحتمي للمؤمنين، مهما كانت الظروف ومهما كان المسلمون ضعفاء – والذي يعممونه خطأ- إنما هو سُنَّةٌ خاصةٌ جدا، مرتبطة بإذن إلهي للنبي صلى الله عليه وسلم أو الخليفة الراشد من بعده، عندما يتعرض المسلمون للعدوان ويقاتَلون ويُخرجون من ديارهم لأجل أنهم مسلمون فقط. فإن كان الأمر كذلك، فعندها سيأذن الله تعالى لنبيه بالوحي بأن يتحرك، ولن يتحرك دون هذا الإذن، فإن أذن الله تعالى بذلك فإنه سيحقق معجزة سماوية وينزِّل الملائكة لتحقيق هذا النصر، فيُفشل خطط الأعداء ويبطل قوتهم، ويوفق المؤمنين توفيقا خاصا في خططهم وفي جهودهم. ومع ذلك، لا يكفي كل ما سبق لتحقق هذه السنّة وهذا النصر المعجز، بل يتطلب من المؤمنين أقصى درجات الإيمان والتقوى والطاعة للنبي أو الخليفة من بعده، وإلا فإنهم سيواجهون إخفاقا ونكسات نتيجة لتقصيراتهم، فيتأجل الوعد حتى يصلحوا أنفسهم أو لا يتحقق.
وباختصار، فإن هذا النصر الحتمي الموعود إنما هو معجزة وآية سماوية وهو سُنَّة خاصة يجب ألا تعمم، لها شروطها الدقيقة المحكمة الصارمة، وتتطلب أعلى درجات الالتزام. وهذا واضح تمام الوضوح في القرآن الكريم وفي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
فقد ورد في القرآن الكريم هذا الوعد وشروطه في الآيتين الكريمتين من سورة الحج:
{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (40) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } (الحج 40-41)
فالشروط هي:
1- أن يبدأ الأعداءُ المسلمين بالقتال، رافضين كل شروط السلام والصلح مع المسلمين؛ ولذلك قال تعالى: “يقاتَلون”. فإذا لم يكن الكفار هم البادئون في العداوة والقتال ظلما للمسلمين واضطهادا لهم بسبب إسلامهم، فلا مبرر لدى المسلمين لقتالهم بسبب كفرهم.
2- أن يضع المسلمون في حسبانهم أن هدفهم من الاستعداد لقتال الذين بدأوهم هو دفع العدوان عن أنفسهم وتحقيق الحرية الدينية لهم ولغيرهم من الأديان.
فإن كان الأمر كذلك، وهذا ما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الشروط قد تحققت، والوعد بالنصر الإلهي في حال الضعف أصبح قائما.
ولكن، هل هذا يعني أن الوعد لا بد أن يتحقق حتما، وعلى كل حال؟
الحقيقة أن الوعد الإلهي بطبيعته، لا يعني أن ما وعد الله تعالى به سيتحقق حتما دون الالتزام والوفاء بعهد الله تعالى والقيام بما ينبغي وما هو مطلوب من المؤمنين. فلا بد من الإيمان بالله والتوكل عليه والوفاء مع الله تعالى لكي يفي الله بوعده. وقد كان هذا خطأ بني إسرائيل الذين ظنوا أن الوعد بالأرض المقدسة لا بد أن يتحقق، حتى وإن لم يطيعوا موسى ويقاتلوا، فتخلفوا عما ينبغي عليهم أن يقوموا به، فعوقبوا بالتيه لأربعين عاما.
وبالنظر إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، سنرى حقيقة الأمر التي بينَّاها تتجلى أمامنا بكل وضوح. فرغم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تلقى الإذن برد العدوان بعد أن هاجر إلى المدينة وبدأ المشركون بمهاجمة المسلمين، ورغم تحقق الشروط كلها، بل وتلقيه البشرى بالانتصار، نراه في معركة بدر يسهر الليلة قبلها يدعو الله تعالى: {اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ}
(صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير)
فهل كان يشك في وعد الله؟
الحقيقة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف أن الوعد الإلهي قد يُجهض بسبب الأخطاء والتقصيرات التي قد تصدر من المسلمين. كان يعرف أن الله تعالى غني، وسيحقق مشيئته على كل حال، بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته أو سيأتي بآخرين، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يخشى من هذا الاستغناء الإلهي، ولم يطمئن أن النصر متحقق لا محالة!
وقد وفق الله تعالى الصحابة للالتزام في معركة بدر فرأوا تحقق هذه الآية ونزول الملائكة لنصرتهم. ولكن، شاء الله تعالى أن يتحقق بعض العصيان غير المقصود، باجتهاد بعض الصحابة، في معركة أحد، فتحول النصر إلى هزيمة، وتعرض المسلمون إلى قرحٍ شديد، بل وتعرض النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه للجراح وأغشي عليه، وكان هذا دليلا على أن الوعد الإلهي مرتبط بشرط الطاعة التامة للنبي صلى الله وسلم ومن يخلفه، وإلا لن تظهر هذه المعجزة وهذه السنة الخاصة، فلو لم يحدث ما حدث في أُحد، لاطمأن المسلمون لاحقا، ولظنوا أنهم منصورون دون شروط.
ولقد أدرك الصحابة أن الله تعالى ينصرهم بفضله وبرحمته، لا بعدتهم ولا بعتادهم ولا بخططهم، عندما كانوا قلة مستضعفين في الأرض، ولكن، عندما أصبح المسلمون أكثر قوة من أعدائهم في غزوة حنين، فُهِمَ بأننا لم نعد نحتاج تلك المعجزة، وقيل إننا لن نُغَلب اليوم من قِلَّة، فلم تنفعهم كثرتهم، ولقنهم الله تعالى درسا، بأن النصر في جميع الأحوال هو هبة مني، وأنكم لو لم تتوكلوا علي، وتطيعوني وتطيعوا الرسول والخلافة من بعده، فلو كنتم أقوى من أعدائكم فلن تفلحوا في الانتصار عليهم. وهذا لأنكم تنسبون أنفسكم لي. بينما بين فريقين لا يدعي أحدهما أنه يمثِّل الله تعالى أو يحظى بوعده، فإن الكثرة والتدابير قد تحقق النصر.
وقد استمرت هذه الشروط من اعتداء الأعداء على المسلمين لأنهم مسلمون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفي زمن الخلافة الراشدة من بعده. أما بعد ذلك، فإن الوعد الإلهي بالنصر الحتمي للمؤمنين وشروطه لم تعد موجودة، ولم تكن الظروف هي الظروف نفسها التي حقق بها الله تعالى النصر والظهور للنبي صلى الله عليه وسلم وللخلافة الراشدة من بعده، ولكن المسلمين حازوا قوة وحسن تدبير، فحققوا انتصارات خارج نطاق هذا الوعد وهذه المعجزة، وذلك باتخاذ الأسباب، واستفادوا من التوفيق الإلهي لأنهم كانوا أيضا خيرا من أعدائهم. كما تعرضوا للهزائم من أعدائهم أحيانا بسبب سوء التصرف وسوء التدبير، أو بسبب غضب الله تعالى عنهم بسبب خطاياهم. وهنا بدأت السنّة العامة تعمل معهم.
وباختصار، فخارج الوعد الإلهي بالنصر الحتمي والذي هو معجزةٌ وسنَّةٌ خاصة كما ذكرنا، فإن المسلمين يخضعون للسنة العامة المرتبطة بالأسباب والتدبير؛ إذ قد يعانون من الهزيمة ويقتربون منها بسبب غضب الله عليهم وبسبب خطاياهم، وقد يسلط الله عليهم الكفار وينصرهم عليهم أيضا، أو قد يتعرضون لإخفاقات نتيجة لعدم توكلهم على الله تعالى واعتقادهم بأن الله يحقق النصر بفضله وبرحمته لا بالسنن والتدابير.
فهكذا، يجب أن ندرك أن هناك سنة خاصة للانتصار الحتمي -لا تنطبق على المسلمين بحال في هذا الزمان لاختلاف الظروف- وسنة عامة للنصر يشترك فيها المسلمون مع غيرهم، بل قد يتعرضون للنكسات فيها بسبب أخطائهم وتقصيراتهم. فبسبب أنهم مسلمون، فإن الله تعالى سيثقل ميزان أعدائهم وينصرهم عليهم عقابا لهم على سيئاتهم أحيانا. وبالتدبر في المسألة عموما، سنرى أن المسلمين في هذا الوقت قد يكونون أقرب للهزيمة في السنة العامة؛ فالسنة الخاصة لا تنطبق عليهم، و في العامة لأنهم قد يخسرون الأسباب التي قد تنصر غيرهم، بسبب أخطائهم وسيئاتهم وبسبب غيرة الله تعالى على اسم الإسلام الذي يحملونه.
وتطبيقا على أرض الواقع، يجب أن ندرك أن تسمية بعض الدول نفسها بـ “إسلامية” في اسمها الرسمي، أو تسمية جماعة أو منظمة نفسها بأنها “إسلامية” لن يجعلها مؤهلة للحصول على الوعد الخاص والسنة الخاصة بالانتصار أصلا، بل على العكس تماما، فهم قد يخسرون السنة العامة أيضا بتصرفهم هذا؛ إذ سيحركون الغضب والغيرة الإلهية لادعائهم أنهم ممثلون لله تعالى، وقد يقضي الله تعالى بهزيمتهم ليؤكد أنهم لا علاقة لهم بالوعد الذي وعدت به المؤمنين. بينما لو لم يسموا أنفسهم بإسلاميين أو يقدموا أنفسهم وكأنهم ممثلون للإسلام، لربما تحقق لهم بعض الانتصار فيما لو اتخذوا بالأسباب وأحسنوا التخطيط والتدبير. فتقديم أنفسهم على أنهم وكأنهم بقية الصحابة وحملة لواء الإسلام سيحرِّك الغيرة الإلهية لكي لا يلتبس الأمر على الناس.
وفي تاريخنا الحديث، من الواضح تماما، أن كل من ادعى أنه يمثل الإسلام وقاتَلَ معوِّلا على أن الله تعالى سينصره بسبب هذا الادعاء، وأنه تحت نطاق الوعد الإلهي الخاص -الذي له شروطه الدقيقة المحكمة الصارمة كما رأينا- سواء كان مخطئا أو مخادعا، قد تلقى هزيمة منكرة. فحاشا لله تعالى أن يخلف وعده، ولكن التألي على الله تعالى، سواء بخطأ مقصود أو غير مقصود، سيحرك الغيرة الإلهية، لكي لا تختلط الأمور على الناس. والواقع أن هؤلاء، بدعاواهم هذه، يوقعون بسطاء الناس في الشك في الله تعالى وفي وعوده!
أما، ما السبيل حاليا؟ وماذا يجب على المسلمين فعله؟ فالسبيل هو أن على الدول الإسلامية أن تتوحد لكي لا تخضع هذا الخضوع المهين لأعدائها، ولو فعلوا ذلك لما تجرأ العدو على مهاجمة المظلومين والقضاء عليهم تحت سمع العالم الإسلامي وبصره. وعليهم أن يدركوا بأن الله تعالى قد نزع من أيديهم القوة وجعلها في أيدي الأعداء لغاية، وهي أن يرجعوا إلى الله تعالى. أما هذا العالم ونظامه الحالي، فقد أنبأ الله تعالى بأنه سينهار تماما ويتدمر بأيديهم، وسيجعل الله تعالى بعضهم يموج في بعض. وكل ما هو مطلوب من المسلمين إنما هو الصلاح والرجوع إلى الله تعالى، وسترجع لهم فلسطين التي لها وعد خاص مرتبط بالصلاح ورد في قوله تعالى:
{ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (106) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} (الأنبياء 106-107)
بل تتضمن هذه الآية وعدا عاما أيضا بأنهم سيرثون المزيد من الأرض، أي ستؤول إليهم كما يؤول الميراث للوارث دون جهد منه، وستتمدد رقعة المسلمين ويصبحوا غالبية في أرجاء العالم بانتشار الإسلام بقوة جماله وتعاليمه العظيمة. ولا بأس في أن يكونوا على استعداد دائما للدفاع عن أنفسهم فيما لو هوجموا، ولكن هذا يتطلب الوحدة فيما بينهم لنصرة المظلومين من إخوانهم.
الخلاصة، فإن هذا الخطأ الفادح الذي وقع فيه الكثير من المسلمين، بالتألي على الله تعالى والادعاء بأنهم منصورون بسبب أنهم يسمون أنفسهم بدول إسلامية أو جماعات إسلامية، قد كبّد الأمة الكثير ولا يزال. فالوعد بالنصر من الله في حال الضعف سنُّة خاصة ومعجزة تظهر بشروط خاصة لا تتوفر حاليا في المسلمين، وابتعاد المسلمين عن التقوى والإيمان والصلاح وعدم إدراكهم لحقيقة الأمر والوقت، سيجهض قوتهم حتى ولو كانت متفوقة على الأعداء. فالأولى أن يصحح المنظرون للإسلام السياسي موقفهم، وأن يتوقفوا عن إلقاء المسلمين في التهلكة، وفي تشكيك المسلمين في الله تعالى ووعوده، نتيجة موقفهم المغلوط هذا.


لا يوجد تعليق