هل للمسيح إله أم هو الإله؟ وهل هو وحده ابن الله أم هناك غيره؟ ماذا يقول هو بنفسه؟

1

من العجيب أن نجد في إنجيل يوحنا قول المسيح لمريم المجدلية بعد حادثة الصلب:

{قَالَ لَهَا يَسُوعُ:«لاَ تَلْمِسِينِي لأَنِّي لَمْ أَصْعَدْ بَعْدُ إِلَى أَبِي. وَلكِنِ اذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي وَقُولِي لَهُمْ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلهِي وَإِلهِكُمْ»} (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 20 : 17)

وقوله: “أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلهِي وَإِلهِكُمْ”

يفترض أن يحسم الجدل حول ألوهية المسيح وبنوته الحقيقية لله حسما نهائيا.

فهو يعلن أنه يتساوى في البنوة لله مع قومه، ويتساوى في العبودية لله معهم. فهم أبناء الله كما هو ابنه، والله إلهه كما هو إلههم! وبهذه الصيغة يتبدد أي تأويل يمكن أن يجعل بنوته لله مختلفة عن بنوتهم هم، وتتبدد فكرة ألوهيته تماما بالتأكيد أن الله إلهه كما هو إلههم!

وورد في القرآن الكريم:

{وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} (المائدة 73)

{مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} (المائدة 118)

فيستوحى من الآيات القرآنية أن المسيح عليه السلام كان يؤكِّد ويكرر “ربي وربكم” أو “إلهي وإلهكم” كثيرا، لدرجة أن الله تعالى قال في الآية الأولى إن هذا ما كان يقوله المسيح -دون أن يربطه بمناسبة معينة- ثم ذكر في الآية الثانية أنه سيستشهد بقوله هذا يوم القيامة لينفي أي تهمة بأنه قد قال لهم شيئا مخالفا، هذا القول الذي كان يؤكده ويكرره كثيرا، بل وجاءت صيغة الآية بأسلوب الحصر “ما قلت له إلا” أي أن كل ما قلته لهم حول الألوهية هو أن تعبدوا الله الذي هو ربي وربكم حصرا، وهذا كان مضمون كلامي المتكرر دوما. وبهذا تتطابق شهادة القرآن والإنجيل، بما لا يترك أي مجال للشك.

أما شهادة الإنجيل، فلها خصوصية في أهميتها وقيمتها، كون هذا القول قد حُفظ بقدر كبير من الدقة، لارتباطه بحادثة هامة -وهي نجاته من الموت على الصليب ولقاؤه بمريم المجدلية وأمه عند القبر قبل أن يلتقي بتلاميذه جميعهم لاحقا- تلك الحادثة التي من المؤكد أنها كانت كثيرة التداول فيما بعد بين المسيحيين الأوائل إلى ما قبل تدوين الإنجيل. فوجودها هنا لا يعني أنه لم يقلها إلا في هذه المناسبة فحسب، بل هو تأكيد على أن هذا كلامه المتكرر الذي كان مألوفا لقومه، والذي حفظ في هذه الحادثة.

والجميل في هذا النص الإنجيلي أيضا التأكيد على أنه لم ينف ألوهيته فحسب، بل قد تضمن نفي كونه ابنا لله بصورة تخالف المعنى المألوف وتنقله من البشرية إلى الألوهية. ومن الجدير ملاحظته أنه يؤكد هذا في عموم الإنجيل؛ إذ نجد أنه دائما كان يصف نفسه بـ “ابن الإنسان” لتبديد أي شبهة حول كونه ابن الله بأي معنى يختلف عن المعنى المجازي الذي يصح له ولغيره. وبدا واضحا في الإنجيل أن وصفه لنفسه بابن الإنسان كان متكررا كثيرا، بينما لم يظهر وصفه لنفسه بابن الله إلا في مرات قليلة معدودة. والأهم أن الإنجيل يشهد أن المسيح بنفسه قد وضَّح مقصوده من وصفه نفسه بابن الله أحيانا أو قبوله لهذا الوصف ممن كانوا يخاطبونه، وذلك في الرد على اليهود الذين اتهموه بتهمة ادعاء الألوهية بناء على هذا الوصف، فرد عليهم بقوله إنني ابن الله مجازا كما وصفتم أنتم بأنكم آلهة مجازا في كلام الله، إذ جاء في الإنجيل:

{أَجَابَهُ الْيَهُودُ قَائِلِينَ:«لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَل حَسَنٍ، بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ، فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلهًا» 34أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «أَلَيْسَ مَكْتُوبًا فِي نَامُوسِكُمْ: أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ؟ 35إِنْ قَالَ آلِهَةٌ لأُولئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللهِ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ، 36فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ، أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ، لأَنِّي قُلْتُ: إِنِّي ابْنُ اللهِ؟} (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 10 : 33-36)

فهذا يؤكد أن المسيح عليه السلام قد رفض عقيدة أنه إله أو ابن الله بالمعنى الحقيقي مطلقا.

فطوبى لمن أدرك الحقيقة، لأن الحقيقة تحرر أصحابها كما قال المسيح عليه السلام بنفسه:

{وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ»} (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 8 : 32)

فمن سوء الحظ أنه قد بني على المسيح وعلى الاعتقاد بألوهيته معتقدات خاطئة لا يقتصر ضررها على مجرد الاعتقاد الديني وإنما انسحب على أفكار وأيدلوجيات وسياسات استعبدت شعوبا وسخرتهم لأهداف فاسدة، وكان لها دور كبير في زعزعة سلام العالم، بدءًا من الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش إلى المسيحية الصهيونية اليوم التي تعبث بسلام العالم وتقوده إلى الهاوية، مع أن رسالة المسيح بمجملها يمكن وصفها برسالة السلام. علما أن المسيح عليه السلام قال قولته “الحق يحرركم” هذه لليهود لتبيان أنهم سيصبحون مستعبدين للخطيئة، ولكنهم فهموا الأمر بصورة مختلفة وقالوا إنهم أحرار أصلا لأنهم من نسل إبراهيم ولم يستعبدهم أحد، فأوضح لهم ذلك كما جاء في الإنجيل:

{الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ. وَالْعَبْدُ لاَ يَبْقَى فِي الْبَيْتِ إِلَى الأَبَدِ، أَمَّا الابْنُ فَيَبْقَى إِلَى الأَبَدِ.} (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 8 : 34-35)

وهنا أيضا قد أنبأ بأنهم سيطردون من فلسطين بسبب الخطيئة، لأنهم قد صاروا عبيدا لها، أما لو كانوا أبناء الله لبقوا.

ومع شديد الأسف، نجد أن اليهود، رغم كل ما رأوه وواجهوه، ما زالوا مصرين على الخطيئة، بل ما زالوا يحاولون تسخير الشعوب لمساعدتهم ودعمهم في خطاياهم. فنجد اليوم أن المسيحية الصهيونية تحاول تبرير الجرائم والمظالم وإشعال الحروب وإبادة الضعفاء على أنها مشيئة الرب يسوع! فما أشدها من كربة يعيشها المسيح عند ربه عندما يعلم بكل هذا الذي نُسج على اسمه ونسب له. ذلك المسيح الذي قد أكد بأن البنوة لله تكون بصنع السلام لا بزعزعته وإشعال الحروب والمظالم، إذ يقول:

{طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْن} (إِنْجِيلُ مَتَّى 5 : 9)

فمن شاء أن يتحرر من عبودية الخطيئة، وأن يدعى ابنا لله، فعليه أن يصنع السلام وأن يتخلى عما نفثه اليهود في رسالة المسيح، ذلك النبي العظيم، رسول السلام والمحبة.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *