كثيرا ما يتشدق اليهود الصهاينة خاصة، بعد أن اغتصبوا فلسطين وأقاموا دولتهم العنصرية المجرمة، أنه لم يكن لفلسطين وجود في التاريخ، وأن هذه الأرض اسمها إسرائيل، وأن لهم حقا تاريخيا فيها. ويدعون دينيا أن الله تعالى قد وعدهم بها وعدا أبديا.
وهكذا فهناك ادعاءان تاريخيان، وادعاء ديني، وكل هذه الادعاءات إنما هي أكاذيب سافرة تفندها التوراة نفسها!
ففيما يخص الادعاءين التاريخيين؛ وهما أنه لم يكن هناك شيء اسمه فلسطين، وأن فلسطين اسمها الحقيقي هو إسرائيل، نجد أن التوراة والعهد القديم يذكران اسم فلسطين مجردا بصفته اسم البلاد أو الأرض 5 مرات، والنسبة إليها بالمفرد أو بالجمع؛ أي فلسطيني وفلسطينيون أو فلسطينيين 289 مرة؛ أي ما مجموعه 294 مرة.
ومعلوم أن العهد القديم عندما تكلم عن فلسطين، سماها في أكثر المواضع “أرض كنعان” وبيَّن أنها هي الأرض الموعودة لبني إسرائيل:
{وَأُقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ، عَهْدًا أَبَدِيًّا، لأَكُونَ إِلهًا لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ. 8وَأُعْطِي لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ أَرْضَ غُرْبَتِكَ، كُلَّ أَرْضِ كَنْعَانَ مُلْكًا أَبَدِيًّا. وَأَكُونُ إِلهَهُمْ»} (سِفْرُ التَّكْوِينِ 17 : 7-8)
وقد بيَّن العهد القديم أنها تبدأ بعد عبور نهر الأردن:
{9وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: 10«كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: إِنَّكُمْ عَابِرُونَ الأُرْدُنَّ إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ.} (اَلْعَدَد 35 : 9-10)
وأن مدينة “حبرون” أو الخليل مدينة فيها:
{وَبَعْدَ ذلِكَ دَفَنَ إِبْرَاهِيمُ سَارَةَ امْرَأَتَهُ فِي مَغَارَةِ حَقْلِ الْمَكْفِيلَةِ أَمَامَ مَمْرَا، الَّتِي هِيَ حَبْرُونُ، فِي أَرْضِ كَنْعَان} (سِفْرُ التَّكْوِينِ 23 : 19)
وكذلك مدينة “شكيم” أي نابلس:
{ثُمَّ أَتَى يَعْقُوبُ سَالِمًا إِلَى مَدِينَةِ شَكِيمَ الَّتِي فِي أَرْضِ كَنْعَانَ} (سِفْرُ التَّكْوِينِ 33 : 18)
وأكد أن أرض كنعان نفسها هي أرض الفلسطينيين:
{كَلِمَةُ الرَّبِّ عَلَيْكُمْ: «يَا كَنْعَانُ أَرْضَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ، إِنِّي أَخْرِبُكِ بِلاَ سَاكِنٍ».} (صَفَنْيَا 2 : 5)
وهكذا فقد بيَّن العهد القديم اسمها كأرض كنعان وأرض الفلسطينيين، وأن أرض كنعان وأرض الفلسطينيين اسم شيء واحد، لا أن أرض الفلسطينيين جزء منها كما يظن البعض، بناء على تحريفات تاريخية مغرضة.
وإذا قيل أن الله سماها بإسرائيل بعد أن وهب “يعقوب” هذا الاسم، فإن هذا أيضا لا يدعمه العهد القديم. فعندما سكن فيها يعقوب، حافظ العهد القديم على الاسم نفسه:
{وَسَكَنَ يَعْقُوبُ فِي أَرْضِ غُرْبَةِ أَبِيهِ، فِي أَرْضِ كَنْعَانَ.} (سِفْرُ التَّكْوِينِ 37 : 1)
وإن كان العهد القديم يذكر أن الله تعالى قد أعطى يعقوب اسم “إسرائيل” إلا أنه لم يقل إن الأرض قد سميت باسمه، أو أن يعقوب أو أبناؤه كانوا يسمونها بهذا الاسم. بل كانوا يسمونها بأرض كنعان أيضا. وفي قصة يوسف في العهد القديم نجد أن اسم “أرض كنعان” قد تكرر عشرات المرات. فلو كانت الأرض قد سميت إسرائيل في حينه، فكان أولى أن يسميها يعقوب وأبناؤه.
وعندما خرج موسى ببني إسرائيل لاحقا بعد 400 عام ليسكنوا في فلسطين، قد سماها العهد القديم بأرض كنعان أيضا، كما سبق وبينَّا في اعتبارها تبدأ بعد نهر الأردن:
{9وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: 10«كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: إِنَّكُمْ عَابِرُونَ الأُرْدُنَّ إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ.} (اَلْعَدَد 35 : 9-10)
وذكرها العهد القديم أيضا باسم أرض الفلسطينيين أي فلسطين في قصة خروج موسى من مصر:
{كَانَ لَمَّا أَطْلَقَ فِرْعَوْنُ الشَّعْبَ أَنَّ اللهَ لَمْ يَهْدِهِمْ فِي طَرِيقِ أَرْضِ الْفَلَسْطِينِيِّينَ مَعَ أَنَّهَا قَرِيبَةٌ} (اَلْخُرُوجُ 13 : 17)
وكما ذكرنا، فإن العهد القديم يبين أن أرض كنعان هي نفسها أرض الفلسطينيين أو فلسطين، بنص قطعي واضح.
{كَلِمَةُ الرَّبِّ عَلَيْكُمْ: «يَا كَنْعَانُ أَرْضَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ، إِنِّي أَخْرِبُكِ بِلاَ سَاكِنٍ».} (صَفَنْيَا 2 : 5)
أي أن كنعان هي أرض الفلسطينيين، وفلسطين هي أرض كنعان!
وهنا يتضح أن العهد القديم قد سماها أرض كنعان حينها وأرض الفلسطينيين أيضا مرة أخرى في قصة خروج بني إسرائيل، مما يؤكد ما قلنا.
ولقد جرت عدت محاولات لتحريف هذه الحقائق الواضحة، والتي من ضمنها القول بأن الفلسطينيين كانوا قوما غرباء جاءوا من جزيرة كريت، وكانوا في الساحل فقط وفي مرج بن عامر إلى بيسان. ويبين الكتاب المقدس أن الكريتيين هم أقوام آخرون يبدو أنهم كانوا يسكنون في جنوبي الساحل على نطاق محدود:
{13فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ: «لِمَنْ أَنْتَ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟» فَقَالَ: «أَنَا غُلاَمٌ مِصْرِيٌّ عَبْدٌ لِرَجُل عَمَالِيقِيٍّ، وَقَدْ تَرَكَنِي سَيِّدِي لأَنِّي مَرِضْتُ مُنْذُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ. 14فَإِنَّنَا قَدْ غَزَوْنَا عَلَى جَنُوبِيِّ الْكَرِيتِيِّينَ} (صَمُوئِيلَ الأَوَّلُ 30 : 13-14)
{هأَنَذَا أَمُدُّ يَدِي عَلَى الْفِلِسْطِينِيِّينَ وَأَسْتَأْصِلُ الْكَرِيتِيِّينَ} (حِزْقِيَال 25 : 16)
ويؤكد أن هؤلاء الأقوام كانوا يسكنون في الساحل وهم غير الفلسطينيين:
{وَيْلٌ لِسُكَّانِ سَاحِلِ الْبَحْرِ أُمَّةِ الْكِرِيتِيِّينَ! كَلِمَةُ الرَّبِّ عَلَيْكُمْ: «يَا كَنْعَانُ أَرْضَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ، إِنِّي أَخْرِبُكِ بِلاَ سَاكِنٍ»} (صَفَنْيَا 2 : 5)
ومعلوم أن إبراهيم عليه السلام عندما جاء التقى بملك الفلسطينيين كان اسمه “أبيمالك”، كما يذكر العهد القديم، والذي يتضح من اسمه وكأنه اسم عربي من اللغات العربية القديمة “أبي مالك” أو أنه لقب للملوك. وأن الأرض كانت تسمى أرض الفلسطينيين، وقد تغرب فيها مدة طويلة:
{34وَتَغَرَّبَ إِبْرَاهِيمُ فِي أَرْضِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ أَيَّامًا كَثِيرَةً.} (سِفْرُ التَّكْوِينِ 21 : 34)
ومعلوم أن داود قد اقتتل مع الفلسطينيين، الذي كانوا يملكون الأرض منذ زمن إبراهيم إلى ذلك الوقت. وأنهم لم يندثروا ولم يندثر ملكهم، بل يبدو أنهم آمنوا وتركوا أصنامهم في زمن داود وقبلوا به ملكا، ولكنهم لاحقا أيضا كانوا قد حازوا قوة وسيطروا مجددا على بني إسرائيل أربعين عاما في زمن شمشون كما هو مذكور في سفر القضاة.
فالفلسطينيون هم في الحقيقة سكان وحكام فلسطين التي تسموا باسمها، وهم من أصول عربية كنعانية وفنيقية وغيرها. أي أن لقب فلسطيني كان لقب من يعيش على أرض فلسطين، وليس اسم قبيلة أو شعب. لأن الشعوب تكون منسوبة إلى أجدادها أو أصولها كما يبين الكتاب المقدس أن جد الكنعانيين هو كنعان بن حام بن نوح، والمؤآبيون والعمونيون هم أبناء مؤآب وبن عمي اللذان هما ابنا لوط، وهكذا.
وهكذا يثبت من الكتاب المقدس نفسه وجود فلسطين كبلد وانتماء مواطنيها إليها وتسميتهم بالفلسطينيين نسبة إليها، وأنه لم تكن البلاد قد سميت إسرائيل حتى من يعقوب نفسه ومن بنيه ومن الأنبياء جميعا من بعده. وهكذا فإن الرواية التاريخية منقوضة من العهد القديم نفسه، الذي يحتجون به على دعواهم. بل هو يقدم شيئا مختلفا تماما يعاكسها وينقضها.
أما من الناحية الدينية، فإن العهد القديم يكذب مزاعم اليهود الصهاينة حاليا. فالعهد يقول إن الأرض هي ميراث وعهد أبدي لبني إبراهيم، ولم يقل إنها لبني إسرائيل خاصة:
{وَأُقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ، عَهْدًا أَبَدِيًّا، لأَكُونَ إِلهًا لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ. 8وَأُعْطِي لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ أَرْضَ غُرْبَتِكَ، كُلَّ أَرْضِ كَنْعَانَ مُلْكًا أَبَدِيًّا. وَأَكُونُ إِلهَهُمْ»} (سِفْرُ التَّكْوِينِ 17 : 7-8)
وقد تحقق هذا العهد بأن جعلها الله تعالى منذ ذلك الوقت بالفعل ميراثا لأبناء إبراهيم بالفرع الإسرائيلي إلى ما قبل ظهور الإسلام ثم انتقل الميراث إلى بني إسماعيل وبقيت فلسطين في يدهم منذ ذلك الحين، وبقوا يقطنونها دون انقطاع، بينما لم يكن فيها إلا عدد قليل جدا من اليهود. بل بقيت فلسطين تحت حكم المسلمين كل هذه المدة، بانقطاع محدود في فترة الصليبيين وفي الوقت الحالي، ولم يهجرها أبناء إبراهيم من الفرع الإسماعيلي مطلقا.
فإذا كانوا يتمسكون بفهمهم، فعليهم أن يقبلوا بأن إلههم قد أخلف وعده، ولم يجعلهم يملكوها إلا فترة محدودة جدا زهاء 70 عاما، كما لم يبق فيها بنو إسرائيل يعيشون بكثرة ودون انقطاع مطلقا، بعكس بني إسماعيل. فهل كان الرب نائما ثم انتبه حاليا ليحقق وعده معهم عند قيام الصهيونية؟ فلو كان الأمر عهدا إلهيا والله تعالى بالفعل وعدهم هم خاصة بها، لحقق ذلك الإله العهد! ولكن يتضح أن فهمنا هو الذي ينطبق، وإلا فلا يستطيعون أن يبرروا عدم تحقيقه لآلاف السنين بالنسبة لهم؟
وهكذا، فقد كانت تسمى فلسطين، وبقيت تسمى فلسطين، ودولة الظلم والعدوان والاغتصاب والسرقة والتزوير ستؤول إلى زوال. ويبدو أنهم لن يرتدعوا حتى ينزل بهم العقاب الإلهي. فإن لم يكن بيد أحد الحول ولا القوة أمامهم وأمام أمريكا والغرب الذي يحميهم، فإن القوة لله جميعا، وهو على كل شيء قدير.


لا يوجد تعليق