من ذكريات الطفولة: قطتي والقرآن.. وبداية الأحزان

2

كنت بين السابعة والثامنة من عمري، عندما اقتنيت قطتي الصغيرة الأولى، كانت قطة من ذوات الألوان الثلاثة؛ البني والأسود والأبيض، وذات الفراء الطويل نسبيا.

كانت قطة فائقة الوداعة والحنان، تكثر التمسح بي، وتجلس في حضني إن كنت جالسا، وإذا كنت مستلقيا تأتي لتجلس على صدري، وجهها نحوي، وتصدر صوت الخرخرة أو الارتجاج الذي يشبه صوت مضخة مائية، والذي يعني بلغة القطط منتهى الحب، وكثيرا ما كانت تأخذ قسطا من النوم في هذه الحالة.

وذات يوم، قررت أن أمنحها حماما ساخنا، لأدللها ولعلها تستمع بالنظافة، وبالفعل، قمت بغسلها، وكانت مستسلمة لي، لم تبد أي مقاومة، رغم أن القطط لا تحب الماء. ولكن، بعد يوم أو يومين، بدأت تظهر عليها علائم المرض والضعف، وبدأت تمتنع عن تناول الطعام، بل كانت تستفرغ بين فترة وأخرى، حتى رأيت أنها استفرغت أخيرا قيئا سائلا أخضر، فقالت لي أمي رحمها الله: إنها قد استفرغت حشيشة معدتها، ويبدو أنها لن تعيش!

فأصابني الاضطراب، وأخذت أدعو الله في صلاتي بكل حرقة وحرارة ألا تموت، والدموع تنسكب من عيوني. كنت واثقا بأن الله تعالى لا بد أن يسمع دعائي، وقررت أن أبذل كل جهدي كي يستجيب دعائي. ولكن كنت أرى أن حالها لم يتحسن.

وجلست ذات مرة بعد الصلاة، وقررت أن أقرأ بعض السور من القرآن الكريم، من “ربع يس”، عسى أن يتقبل الله دعائي ببركة قراءة القرآن. وخطر ببالي أنها ستنجو فيما لو لم يذكر الموت في أي من السور التي سأقرؤها. فتحت أول مرة، فإذا بي أمام سورة “نوح”، ففرحت ظنا مني أنها خالية من ذكر الموت، بل استبشرت لأن نوحا قد عاش طويلا، وبدأت القراءة، وإذا بي في الآية الخامسة أجد:

{إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (نوح 5)

فعزمت على إنهاء السورة رغم الصدمة. وبعد أن فرغت دعوت الله تعالى وتضرعت في حزن واضطراب ألا تكون هذه هي الرسالة بأن قطتي ستموت حتما. وقلت إنني سأفتح مرة أخرى، وسأقرأ سورة ثانية، ولعلها تكون خالية من ذكر الموت والأجل، فأطمئن. ففتحت، فإذا بي أمام سورة “المنافقون”، فاستبشرت مجددا، وقلت بأنه غالبا لن يكون للموت ذكر هنا، وبدأت القراءة، وإذا بي في نهاية السورة أجد:

{وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المنافقون 12)

فأدركت أن هذه هي الرسالة، وبدأت بالبكاء راجيا الله تعالى أن يبدل هذا القضاء، ويرحم قلبي الصغير، أو يعينني على تحمل هذه الصدمة، التي كنت أراها مصيبة كبيرة بالنسبة لي.

وفي تلك الليلة، كنت نائما، فرأت أمي وعمتي قطتي تتحامل على نفسها من شدة الوهن، وتأتي إلي وتضع فمها على وجهي وتقبلني كأنها تريد وداعي، ثم مكثت بعض الوقت عند رأسي تخرخر، ثم عادت إلى مكانها لتموت. وفي الصباح علمت بموتها، وأخبروني بما فعلت تلك الليلة، فبكيت بحرقة زادها ما علمت من وداعها لي، ودفنتها تحت دالية قديمة في بيتنا، واستمررت بالبكاء، ولم أيأس من الدعاء، وأخذت أدعو الله تعالى ببراءة الطفل أن يحييها بمعجزة من عنده فتخرج من التراب، أو على الأقل أن يجعلها معي في الجنة.

وبقيت أياما أدعو الله تعالى، وكنت أبيت باكيا متوجها بالدعاء إلى الله وأستيقظ باكيا. وبعد أيام، فإذا بي أجد قطة تماثلها تماما، قريبا من تلك الدالية القديمة، بل ورأيت أن حول فمها كانت تلك العلامة السوداء التي تشكلت عند قطتي نتيجة للمرض عندما كانت تستفرغ، وكان يبدو أن هذه القطة قد تعرضت للمرض نفسه ولكنها شفيت! لم أعتقد أنها قد عادت للحياة، ولكنني أدركت أن هذه قطة جديدة قد ساقها الله تعالى إلي وأبدلني بها عن قطتي السابقة. فأخذتها وربيتها، وكانت تلاطفني كقطتي السابقة، وعاشت معي القطة الجديدة لربما لأكثر من ست سنوات حتى دخلت في أوائل المراهقة.

كانت تلك التجربة تجربة بدت قاسية على قلبي الصغير حينها، فقد عاينت فيها لأول مرة آلام الفقد. ولكنها على ما يبدو كانت جزءا من تربيتي التي أرادها الله تعالى منذ تلك السن الصغيرة. فأول ما تعلمته هو أن الله تعالى قريب يسمع الدعاء، وأنه لطيف رؤوف رحيم ينظر إلى القلب الحزين ويشفق عليه، وينزل من كبريائه لمواساة طفل صغير، فتثبت إيماني به منذ تلك السن الصغيرة، وازددت حبا به تعالى. وتعلمت أنه يجب ألا أيأس من الدعاء، وأن الله تعالى لو قضى بأن أفقد شيئا فلا بد أن أستسلم لقضائه، وأنه قادر على أن يعوضني بفضله وبرحمته. كذلك تأصل في نفسي عميقا، منذ ذلك الوقت، مواساة وشعورا تجاه البشر جميعا، ألا يعانوا من فقد الأعزاء أو من كسر القلوب بأي صورة، ولازمتني رغبة عارمة بأن أحاول رفع المعاناة ما استطعت عن كل من أصادفه يتألم، وكذلك بالدعاء لكل مريض أو مصاب أصادفه أن ينجيه الله تعالى وألا يحرم أحباءه منه ولا يحرمهم منه. وتملكت نفسي إرادة قوية بألا أساهم في يوم من الأيام بأي صورة من الصور في حرمان عزيز من عزيزه.

ولعل من أهم بركات هذه التجربة، التي بدت في غاية القسوة علي حينها، والتي أحمد الله تعالى عليها الآن، أنني تيقنت من يومها أن الله تعالى يسمعني ويراني، وأنه يتكفل بتربيتي، وأن طريق الصلاة والدعاء هو طريق الطمأنينة والفلاح والنجاح وحسن المآل، فيجب ألا أترك عتبة الله تعالى لأكون في أمان، وعليَّ أن أتحمل المصاعب والمصائب والأزمات، راضيا محتسبا، وأتوكل على الله تعالى وأرتقب الفرج الذي لا بد أن يأتي مهما طال الوقت.

ما ذكرني بهذه القصة، هو أنني كنت اليوم في ورد قراءتي اليومية للقرآن الكريم قد مررت بسورة “المنافقون” فتذكرت هذه الحادثة، وتملكتني الرقة، وبدأت الدموع تنساب من عيني. لم تكن هذه المرة دموع ذلك الطفل البريء، بل هي الآن دموع العرفان لرجل تجاوز منتصف العمر، عاين فيها فضل الله تعالى وحبه وتحننه ومواساته في مواقف كثيرة، عسى أن يكرمني الله تعالى بفضله إلى أن ألقاه أخيرا بقلب سليم مفعم بحب متموج له تعالى يزداد يوما بعد يوم.

والحمد لله رب العالمين.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *