خلال هذه الأحداث المؤلمة في فلسطين، كنت أتابع وأرى مشاهد استشهاد الأبرياء، والألم كان ولا زال يعتصرني. ولكنني مع ذلك كنت أشعر بنوع من السكينة والطمأنينة تجاه الشهداء، الذين سيعوضهم الله تعالى الرحيم الكريم. فلا شك أن القتل كبير ومؤلم، ولكن إيماننا بأن الشهيد قد أفضى إلى خالقه الكريم الرحيم، يخفف من حزننا وألمنا ويمنحنا نوعا من الطمأنينة.
وما لاحظته أن مشاعري كانت تفيض خاصة، لرؤية الأحياء المكلومين بفقد أحبائهم، أو ممن قد فقدوا أعضاءهم، وخاصة الأطفال منهم. ولعل من أكثر المشاهد إيلاما، ومما هيج مشاعري بشدة، كان مشهد طفل ربما في العاشرة من عمره، كان قد فقد يده اليسرى، وكان يبكي ويقول: أريد أن أمسك يدي مرة أخرى! وما زال هذا المشهد خاصة لا يفارق ذاكرتي.
على كل حال، ومع أن هذه الأحداث تستأثر باهتمامنا، فقد صادف اليوم أن اطلعت على حديث لباحثة إسبانية مسلمة اسمها “أديبة رميرو سانشير”، تتحدث عن قصة رجوع عائلتها إلى الإسلام، وعن تاريخ الموريسكيين في الأندلس؛ وهم المسلمون الذين أجبروا على التنصر بعد سقوط غرناطة، وعانوا معاناة شديدة من محاكم التفتيش والقهر والجبر الذي مورس عليهم ليتركوا الإسلام، ولكنهم حاولوا الاحتفاظ به بقوة سرا في القرن السابع عشر، ثم تحرك ملوك إسبانيا ومحاكم التفتيش الكنسية لاجتثاثهم نهائيا وتهجير قسم منهم، حتى إذا جاء القرن التاسع عشر أصبح غالبيتهم لا يستطيعون أن يتذكروا صلتهم بالإسلام.
بدأت الباحثة بذكر علاقة والديها بالإسلام، فقالت إن والدها كان باحثا موسيقيا في الموسيقى الأندلسية. وحتى عام 1978 كان الإسباني بحكم القانون يجب أن يكون مسيحيا، حتى صدر في ذلك العام قانون حرية الأديان. وبصدور هذا القانون بدأ بعض الإسبان التعرف على الإسلام واعتناقه. وكان والدها معارضا لأصدقائه الذين أسلموا، حتى زار ذات مرة المغرب برفقتهم، وذات مرة دخلوا المسجد للصلاة وهو بقي ينتظرهم في السيارة، ثم سمع صوت تلاوة القرآن الكريم مما هز كيانه، فذهب إلى مصدر الصوت، وكان مسجدا آخر أو زاوية صغيرة، فأخبروه أن هذا هو القرآن الكريم، وهذا المقرئ هو الشيخ عبد الباسط عبد الصمد. وبحكم خبرته بالموسيقا شعر بالارتباط بينها وبين القرآن الكريم، وشعر أن ذات الروح التي تصرخ في موسيقا الفلامنجو قد جاءت من هذا الصوت العتيق المتجذر عميقا في روحه. فأسلم على الفور وسمى نفسه عبد الصمد. وربما يبدو الأمر مستغربا أن يكون مجرد استماعه للحن القرآن هو الذي قد جذبه، ولكن لأهل الخبرة ذوق خاص لا يمكن أن يشرحوه لغيرهم. وعلى كل حال، لله في خلقه وفي سبل هدايته شئون.
ثم ذكرت أن والدها بعدما أسلم، دخلت والدته يوما ورأته ساجدا، فبعد فراغه سألته: ما هذا؟ فقال إنني قد أسلمت وأنا أصلي، فقالت إنها كانت ترى جدتها تفعل هكذا في غرفتها بين فترة وأخرى. وعلقت أنه بالطبع لم تكن جدتها تصلي الصلاة الإسلامية، ولكن السجود قد أورث عبر الأجيال لهم كتقليد، وفي رأيها أنه ربما علمت الأم ابنتها أنها لو كانت تريد أن تدعو لحاجة أو كانت تشعر بخوف فإن عليها أن تكون على هذه الهيئة.
كذلك قالت إنها لاحظت أن جدها لأمها الذي كان قرويا يرعى الغنم، كان في الصباح يغسل يديه ثلاثا بحركات تشبه حركات الوضوء، كما تعلم ذلك من أجداده.
ثم ذكرت قصة طريفة لإسلام صديقة لها، تقول بأنها توارثت طقسا من والدتها وتوارثتها والدتها من والدتها وهكذا، وهو أن هناك مجموعة من خمسة نساء في قرية يرثن هذا الطقس كلن من والدتها، كن كلما توفيت امرأة يذهبن إليها ويغسلنها، ثم يهمسن ثلاثا في أذنها “لا خلا للاه.. لا خلا للاه.. لا خلا للاه”، قبل أن تؤخذ لطقوس الدفن المسيحية. فقالت لصديقته إن “لا خلا للاه..” هي ليست إلا “لا إله إلا الله”، وهذا يؤكد أصلك المسلم، مما دفع هذه الصديقة إلى أن تسلم.
فيبدو أن الموريسكيين قد قرروا أن يتركوا هذه الشواهد والعلامات لتتناقلها الأجيال من خلال التقاليد، ليدركوا في يوم من الأيام أصلهم الإسلامي ويعودوا إليه، إذ لم يكونوا قادرين حتى على مجرد الكلام أنكم مسلمون، وخاصة أن العداء ومحاولة اجتثاث الإسلام بدأت بالتصاعد شيئا فشيئا ولم تخف وطأتها، بل لم تتخلص من آثارها إسبانيا الحالية إلا قبيل الثمانينيات من القرن الماضي. وقد أوضحت هذه الباحثة أنه بعد عام 1603 بدأت حملة لاجتثاث الإسلام نهائيا تصاعدت فيها الإجراءات القمعية. فلم يقتنع ملوك إسبانيا وقساوستها بأن الذين تنصروا قد تنصروا فعلا، فشددوا عليهم كثيرا، ومنعوهم من أن يكون لهم أبواب لبيوتهم، بل أن توضع ستائر ليداهموهم بسرعة في أي وقت، ثم فرضوا عليهم ألا يتكلموا العربية مطلقا، وأن عليهم أن يتعلموا اللغة “الرومانثية” والتي هي لغة قشتالة التي هي الإسبانية القديمة. وأعطي كل شخص مدة ثلاثة أشهر لتعلمها وإلا فسيواجه الموت. وقد سمحوا لهم أن يكتبوها في تلك الفترة الوسيطة بالحروف العربية، وأُجبروا على أن يكتبوا نصوصا من الإنجيل والصلوات المسيحية ليقرأوها في الكنيسة مكتوبة بهذه الطريقة. وقد عثر على عدد كبير جدا من المخطوطات المكتوبة بهذه الطريقة. ولكن مما عثر عليه أنهم كانوا بين هذه النصوص يضعون صفحات يكتبون فيها بالعربية نصوصا إسلامية، كنص عثرت عليه يقول ما معناه: “عليك أن تحافظ على صلاة الفجر، وإلا فإنك لو تهاونت، فاعلم أن لجهنم سبعة أبواب”. وتقول أيضا إن هناك نصوصا للعلوم الإسلامية المخبأة في هذه الكتابات، ومن ضمنها مثلا متنا كاملا للفقه المالكي.
ومن الطريف أنها قد ذكرتْ تجربتها من خلال الرؤى التي كانت ترشدها أحيانا لبعض الأبحاث الخاصة، وكيف أنها كانت تشعر بشيء خاص في أماكن، ثم يُكتشف لاحقا أنها قريبة من أضرحة أو أماكن كانت مسكونة من أئمة مرموقين. وكانت ترى في المنام في بيت سكنت فيه شخصا يرتدي ثوبا أبيض ويأتيها مرارا وكأنه يطلب منها شيئا أو يوجهها لتكتشف شيئا، وذات مرة أيقظها لتنتبه إلى المدفأة التي كانت قد أشعلت النار ببعض الأثاث وهي نائمة، ثم تبين أن تحت هذا البيت كان ضريح لأحد الأئمة وقبور مدفونة حوله اكتشفت لاحقا. وكأن أرواح المسلمين الحائرة كانت تملأ الأمكنة وتريد للإسلام أن يرجع من جديد. وقد أعجبني قولها إن والدها وهي والعائلة جميعا مقتنعون بأنهم قد رجعوا للإسلام بسبب دعوات مستجابة لأجدادهم الذين لا بد أن يكونوا قد سألوا الله أن يرجع الإسلام في ذريتهم بعد تلك السنوات المظلمة من الفتنة والقهر.
وقد سردت هذه الباحثة الكثير من هذه الأمور الممتعة، ولكن مما هيج مشاعري خاصة، ذكرها لبعض ما تم اكتشافه في مقابر الموريسكيين. ففي أحد التوابيت الذي ربما من القرن الثامن عشر عُثر على قطعة معدنية موضوعة على صدر المتوفى منقوش عليها: “يا منكر (أي الملك الذي يسأل الميت عن ربه ودينه ونبيه وكتابه) هو مسلم ولكنه نسي”. كذلك تقول إن والدها قد فتح تابوت أحد أجداده، فوجده موضوعا فيه مقلوبا؛ أي موضوع الرأس مكان القدمين، لكي يكون عند دفنه متوجها للقبلة، كما أراد من دفنوه في حينها. فعند هذه النقطة أخذتني الرقة بشدة، وتحدرت الدموع من عينيّ، وتذكرت قول الله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} (البقرة 218) والفتنة ليست إلا الإكراه في الدين الذي هو حقيقة أكبر وأشد من القتل. فالذي يستشهد على دينه لن يكون قد خسر، أما الذي يجبر على ترك دينه، ويمنع من ممارسته جيلا بعد جيل، فلا شك أنه يتعرض لفتنة عظيمة وبلاء يهون أمامه الموت أو القتل. وتذكرت هذه القلوب الضارعة والأرواح المقموعة التي تعرضت لهذا الاضطهاد العظيم على مدى قرون، وما كانت تقاسيه من ألم لا يدانيه ألم، وكيف أنهم كانوا يأملون ويتضرعون أن يرجع الإسلام في ذريتهم يوما، وكيف أن الله تعالى قد بدأ استجابة أدعيتهم أخيرا.
وهكذا، فمما لا شك فيه أن القتل الذي يتعرض له أهلنا أمر عظيم، ولكن بفضل الله تعالى هم لا يعانون فتنة في دينهم، فقد اتخذ الله منهم الشهداء الذين ماتوا مظلومين، ولعل الله تعالى سيغفر لهم خطاياهم ويورثهم الجنة بفضله وبكرمه، كما وفق الله تعالى الغالبية من الأحياء إظهار الصبر والتوكل على الله تعالى، مما سيقربهم إليه، بل مما كان أيضا سببا في ذهول العالم وانجذابهم نحو ذلك الإسلام الذي يجعل هؤلاء الناس يتحملون هذه المصائب بهذا الصبر الذي يتعجبون منه ويذكرون الله تعالى ويحمدونه ويشكرونه. فرغم الشدائد والمصائب والقتل الذريع الذي نسأل الله أن يوقفه سريعا، فالحمد لله على سلامة الدين. فكل مصاب في سوى الدين مهما عظم هين.
نسأل الله تعالى أن يرجع المسلمون إلى الإسلام الحق ويتوحدوا تحت الخلافة الراشدة، ليشهد العالم بزوغ شمس الإسلام من جديد، ليغمر نور الإسلام وسلامه العالم، آمين.

لا تعليق