مقابل الدليل القرآني القاطع على صدق المسيح الموعود، ألا وهو وجوب هلاك المتقول وهلاك دعوته، والذي جاء به القرآن الكريم في قوله تعالى:
{ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (45) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (46) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (47) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ } (الحاقة 45-48)
نرى من العجائب التي جاء بها المعترض المرتد عن جماعتنا هو قوله بأن قطع الوتين إنما يعني تحريف تعاليم المتنبئ وتركها من قبل جماعته – بناء على ظنه المتسرع بوجود تناقضات بين المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام الخلفاء أو بناء على تحريفه وتزويره وقطعه الجمل من سياقها لتظهر هكذا – أما بقاء الجماعة فهذا ضروري لكي تكون شاهدة على أن هذا الأمر قد حدث!!
فمع أن هذا المعنى باطل بداهة، ولا علاقة له بنصِّ الآية، ولم يخطر ببال أحد من قبل ولم يقل به أي مفسِّر، إلا أنه أيضا يُظهر سمة التسرُّع والاضطراب والتوتر التي عند ذلك المعترض مما يجعله يضع فرضيات فاشلة ترتد عليه وتَبْطُل بشيء قليل من التدبر الذي يفتقر إليه كلية.
فلو كان هذا المعنى صحيحا، لكان المسيح عيسى بن مريم عليه السلام أول وأهم من قُطع وتينه، إذ حُرِّفت تعاليمه من قبل بولس مبكِّرا ثم من الكنيسة من بعد، وتحولت من التوحيد إلى الشرك، أما بقاء المسيحية إلى هذا الوقت فينبغي أن يكون شهادة على قطع وتين عيسى عليه السلام وعلى أنه متنبئ كذَّاب –والعياذ بالله وفقا لهذه القاعدة العجيبة!!
فهل فكَّر هذا المعترض في ذلك؟
ثم إن الأنبياء جميعا قد حُرِّفت تعاليمهم من بعدهم بدرجات متفاوتة، وما كانت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلا بسبب أن تعاليم الأنبياء جميعا قد حرِّفت، وبقيت جماعاتهم وأديانهم من بعدهم تحت قبضة الشيطان، وهذا ما شهد به القرآن الكريم إذ قال:
{تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (النحل 64)
فهل هذا الانحراف في التعاليم مع بقاء جماعاتهم هو قطع وتين لهم وشهادة على أنهم متنبئون كاذبون – والعياذ بالله؟!!
والواقع أن بقاء الجماعات، حتى ولو انحرفت انحرافا كبيرا عن النبي المؤسس لها، إنما يدل على صدق هذا المتنبئ في الأساس، وهذا الدليل القوي قدمه المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام ليكون وسيلة لإقامة الصلح والسلم والتعاون والتفاهم بين الأديان، وأنه من الظلم والخطأ بالنسبة لغير المسلمين اعتبار النبي صلى الله عليه وسلم الذي يتبعه مئات الملايين من البشر ليس صادقا، بل المنطق والنبل يفرض اعتباره صادقا. وهذا المبدأ هو مبدأ إسلامي أصيل؛ إذ نقر بكل الرسالات والرسل في كل أمة ونؤمن أنه لا بد أن يكون الشخص المقدس عند أي أمة في الأصل نبيا صادقا ما دامت جماعته قد بقيت بصورة ما، وإلا لما جعل الله له الكرامة في الأرض كمثل الصادقين (التحفة القيصرية).
فشتان بين ما جاء به المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام والذي أقام به كرامة الأنبياء جميعا وأكَّد على صدقهم وهذا المعترض الذي يجعل كل نبي انحرفت أمته من بعده وبقيت تعلن إيمانها به قد ثَبُت كذبه وتقوُّله على الله!! وبهذا لن يفلت أحد من الأنبياء من التكذيب وفقا لهذه القاعدة الحمقاء الإلحادية التي لا أصل لها.
الواقع أن هذا المعترض ومن هم على شاكلته إنما يحترق كمدا وحسرة لأن هذا الدليل إنما جعله الله تعالى ليكون تذكرة للمتقين وحسرة على الكافرين المكذبين الذين يعلمهم الله تعالى، إذ يقول تعالى:
{ وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (49) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ } (الحاقة 49-51)
فدليل التقول هذا قد ثبت أنه يعلن بكل صراحة صدق المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام وبطلان دعاوى الكاذبين من مدعي النبوة عبر التاريخ الذين اندثروا واندثرت جماعاتهم.
أما سخف الادعاء بأن الجماعة قد انحرفت عن تعاليم المؤسس عليه الصلاة والسلام فهذا مرجعه التسرُّع وقصر النظر وسوء الظن والتغريض، ومع ذلك، فلو سلَّمنا جدلا بأن انحرافا قد حدث – وهذا ليس صحيحا- فهذا لا يقدح في صدق حضرته عليه السلام بل يؤكده كما بينَّا سابقا، لأن جماعته ما زالت باقية وما زال يُذكر بالتعظيم والاحترام بين جماعته. أما عدم انحراف تعاليمه فمرجعه أنه إنما جاء لإعادة الأمة إلى تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن انحرفوا عنها ليؤكد حياة الدين واستمرار زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فهو جاء لصيانة الإسلام وإعادته إلى أصله، وهذه الحفاظة إنما سببها أن الله تعالى قد تعهد بحفظ الإسلام، وبعثته هي أحد أهم مظاهرة هذه الحفاظة.
ومعلوم أنه لم يكن لمبعوث من قبل هذا الكم الكبير من التوثيق من بعده، كما لم تكن هنالك جماعة من قبل حُفظ تراثها كاملا، كما أن لها قيادة روحانية وهي الخلافة الراشدة التي ترد الجماعة دوما إلى الصراط المستقيم ولا تسمح بانحراف الجماعة عن تعاليم الإسلام ولا عن توجيهات المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام. وقد اعترف هذا المعترض بنفسه أن هذه الجماعة عصيَّة على التغيير والتطوير المفترض، ولم يقدر أن يُسرِّب إليها شيئا من أفكاره المنحرفة، إذ أعلن في إحدى نوباته أن كل الجماعات في العالم يمكن أن تتغير أو تتطور ولكن هذه الجماعة لن تتغير!! فدعوى أنها انحرفت عن تعاليم المسيح الموعود عليه السلام ساقطة تماما، مع أن الانحراف عن تعاليم النبي أو المبعوث مع بقاء جماعته –بفرض حدويه – إنما هو دليل على صدقه لا كذبه في كل الأحوال.
فسبحان الله الذي يجري الحق على ألسنة خلقه رغم أنوفهم، مهما انحرفت نفوسهم واسودَّت قلوبهم.

لا تعليق