بعد أن أفرغ هذا المعترض المرتد كل ما في جعبته، وبدأ يلجأ إلى المسرحيات والحوارات الهزلية، أصبح واضحا أنه لم يفلح في أن يبرر ارتداده تبريرا مشرِّفا، لأن كل هذه المبررات في الواقع كاذبة ولا أساس لها. والواقع لو أنه صدق مع نفسه وسلك مسلكا شريفا منذ البداية لكان هذا أحفظ لماء وجهه الذي أراقه في كذبات متناقضة، مما أوقعه في حال أشبه بمن يحاول حياكة قربة تالفة ممزقة كلما حاول إصلاحها من جهة فتقت من جهة أخرى.

والواقع أن حالته الحقيقية بسيطة جدا وواضحة تمام الوضوح، وهي أنه قد فقد إيمانه، فأصبح يشك في كل شيء، وأصبح ما يؤمن به بالأمس لا يصدقه اليوم وكأنه لم يؤمن به يوما، وهذا ما قاله الله تعالى عن أمثاله:

{ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } (الأَنعام 111)

وعند هذه النقطة يصبح واجبا على الشريف أن ينسحب من الجماعة فورا، دون إبطاء، ومهما كلفه الأمر، ويعلن أنسحابه هذا، ثم يسلِّم كل الأمانات التي لديه ويؤدي الحقوق المترتبة عليه، ويحتفظ بعلاقة طيبة مع الجماعة والأحمديين والزملاء السابقين. ولو فعل هذا لكان له كل الاحترام. علما أن هناك شرفاء تصرفوا بهذه الصورة، وكانوا ولا يزالون أصدقاء لنا.

أما هذا الشخص، فعندما فقد إيمانه لم يترك الجماعة فورا، بل بقي فيها وكان يظهر أنه مؤمن ملتزم بها، ثم كان سرا يتواصل مع بعض الناس ويطلعهم على كفره بها ويسعى لتشكيكهم. واستمر في هذا الأمر لمدة حتى ضبط متلبسا، وعندها طُرد من عمله. وبما أنه قد طُرد بعد ضبطه فلم يعد ممكنا الاستمرار في إظهار الإيمان وإبطان الكفر، وإضافة إلى نقمته على هذا الطرد، فاختار للأسف مسلك معارضة الجماعة، وبدأ باتباع خطوات الشيطان والتردي يوما بعد يوم حتى وصل إلى ما وصل إليه.

ولتبرير هذا الأمر وإظهار نفسه بصورة مشرفة، ادعى أنه قد اكتشف تزييف الجماعة فأصبح واجبا عليه أن يضحي وينقذ الأحمديين المستضعفين من براثن التزييف المزعوم. ولكن كيف اكتشف هذا التزييف؟

يقول بأنه اكتشفه بالنظر إلى إعلانات حضرته، فاكتشف كذبا وتزييفا واضحا، ثم عاد إلى الكتب فبدأ يرى التزييف الذي لم يكن يراه من قبل. وأراد أن يبين بأن المسألة هي مسألة عقلية مباشرة محضة قد تفاجأ بها، وأنه لا علاقة بشعوره ولا بموقفه بالأمر، بل الحقائق كانت واضحة كالشمس، ولا يجوز تسميتها بالشبهات بل هي مسلمات لا يرفضها سوى مزيف أو منتفع أو ساذج أو جبان مستضعف! وهنا كان مكمن الخطأ الفادح الذي وقع فيه.

والحقيقة أنه لو صدق مع نفسه لقال إن النقطة التي جعلته يعيد النظر في كل شيء، ويرى الأمور التي كان يقبلها ويدافع عنها تزييفات واضحة، هي أن قلبه قد تقلب وفقد إيمانه فأثر ذلك على رؤيته ونظره للأمر، ولو فعل لكان هذا هو الأسلم له والأحفظ لماء وجهه، ولما اضطر للانزلاق والتردي الذي لا نهاية له، ولكنه أصر على أن الموضوع مسلمات عقلية لا يختلف فيها اثنان ولا ينتطح فيها عنزان!

ولكن، لو كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن الساذج الحقيقي كان هو الذي كان قد وصل إلى درجة من السذاجة التي جعلته يمر بالتزييفات الواضحة وضوح الشمس من قبل والتي هي من قبيل المسلمات العقلية ثم لا يراها!! هل هنالك سذاجة أكبر من ذلك؟

ثم ليته كان ساذجا فحسب، بل ثبت أنه كان جبانا لمدة، لأنه لم يقف بكل شجاعة ويعلن فورا ودون مقدمات انسحابه من الجماعة غير آبه بأية عاقبة، ولكنه بقي خائفا على أن يفقد منافعه ومكاسبه المادية، فكان بهذه الصورة منتفعا؛ لأن المنتفع هو من يقوم بعمل لأجل المال فقط دون رسالة أو قضية يؤمن بها أو يخدمها، فكان الانتفاع هو السبب وراء جبنه، وبهذا كان هو المنتفع الجبان وليس غيره.

أما أن يستمر في حديثه وكتاباته وردوده على الأسئلة بتقديم وجهة نظر الجماعة التي لا يؤمن بها، فهو بذلك كان مزيفا يخدع كل من يستمع إليه أو يسأله أو يشاهده، فثبت أنه هو المزيف لا غيره. ولم يقتصر تزييفه عند هذه النقطة، بل بعد خروجه من الجماعة أخذ يزيف النصوص بأخذ المواد المترجمة ترجمة مبدئية وغير المراجعة أو يقتطعها من سياقها النصي أو الكلي، ويقدمها على أنها هي تلك التزييفات الواضحة ووضح الشمس التي اكتشفها!! فكان هو المزيف لا غيره.

ومع أنه قال في البداية أن الإعلانات هي التي كشفت له التزييف، ثم أخذ لاحقا يقول إن قراءة كتب المسيح الموعود ستكون كافية ليتكشف كل قارئ هذا التزييف فيترك الجماعة ويبتعد عنها، وأنه لا بد أن تكون هذه الكتب بين أيدي الناس بأسرع وقت، وأن الجماعة تسعى لإخفاء هذه الكتب بحيل مختلفة منها التباطؤ في إصدارها، وهذا كذب صريح محض، ولكن، لو كان مجرد الاطلاع على الكتب سيكشف التزييف المزعوم، فما باله هو لم يكتشفه إلا بعد أن قرأ الإعلانات؟ وما الذي يضمن له أن القارئ الذي سيطلع على الكتب سيرى التزييف ما دام هو بنفسه لم يكن يراه قبل أن يضع في قلبه الفكرة المسبقة عن وجود تزييف وكذب؟!! هذا كله يثبت أن التزييف المزعوم الواضح وضوح الشمس لا يثبت، بل يثبت أن رؤيته هي التي اختلفت، وإن كنا نقول إن نقطة تغير الرؤية هي فقدان الإيمان وهو يقول إنها رؤية الإعلانات، ولإنصافه يمكن التوفيق بين قولنا وقوله إلى حد ما بالقول إنه عندما اطلع على الإعلانات كان قد فقد الإيمان.

لذلك، كان الأجدر به والأحفظ لكرامته وشرفه ألا يطلق الدعاوى المتناقضة ويعترف بالحقيقة، وهي أنه قد فقد الإيمان ولم يعد قادرا على تقبل شيء أو فهم شيء أو الانسجام مع هذه الجماعة، وأنه لم يكن ساذجا ولا مخدوعا لسنوات طويلة، بل كان بسبب إيمانه حينها لا يرى ما لا يراه الآن، وكان صادقا ولم يكن ساذجا ولا مخادعا، وكان حينها سيلقى منا التأييد والمواساة. ولكن بقاءه في الجماعة بسبب الجبن والانتفاع وممارسته للزيف والنفاق وعدم خروجه من الجماعة فورا عندما فقد إيمانه ورَّطه، فجعل يبحث عن مبررات لبقائه هذه المدة إلى وقت طرده من عمله، ويبدو أن طرده حرَّك فيه مشاعر الانتقام فاندفع بعده ليتهور في دعاواه وتصرفاته ويفعل بنفسه ما فعل بها.

فلا جدوى من دعواه أن الاطلاع على الإعلانات يكشف التزييف، أو أن نشر الكتب سيؤدي إلى كشف الحقيقة، أو أن التزييفات واضحة كالشمس وهي ليست شبهات بل مسلمات، فهذا يدينه هو ويلحق به الأوصاف التي أراد إلحاقها بالأحمديين. أما قراءة كتب حضرته فنحن نبذل كل جهد لتصل إلى العالم بالعربية، مع أنها موجودة بلغاتها وبضعها بلغات أخرى، بل إن حضرته عليه الصلاة والسلام بنفسه قال إنه من الضروري أن يقرأها كل أحمدي ثلاث مرات على الأقل، وهذا ما يشجع عليه الخلفاء دوما. فالقول بأن قراءة الكتب سيكشف التزييف، ودعوته لنشر الكتب الذي يدعي أن الجماعة تريد إخفاءها، هي دعوى كاذبة وهو قد نقضها بنفسه عمليا أصلا، لأنه لم يكن يرى هذا التزييف قبل “الإعلانات” على حد قوله.

لذلك، من غير المجدي الرد على شبهاته التي يقدمها، لأنه هو ببساطة لم يكن يراها مشكلة من قبل، فيكفي عرض الفيديوهات السابقة له عندما كان في الجماعة للرد على فيديوهاته اللاحقة بعد خروجه وبهذا هو يرد على نفسه. لذلك فلم أرد أنا شخصيا على تفاصيل الشبهات إلا في البداية لأني أريد أن أركز على الأصل والأساس الذي بكشفه وهدمه تنهار دعواه بكاملها، وهذا ما فعلته وما سأستمر بفعله.

وأخيرا، من الأنسب له أن يترك تمثيل دور المضحي الذي يكافح من أجل نشر الحقيقة والمنقذ الذي يريد إنقاذ الأحمديين المستضعفين، فليس في الأحمديين مستضعف ولا مضطر للبقاء في الجماعة، ولا يوجد سلطة تجبرهم على ذلك! ومن الأنسب له أن يتوقف عن قذف الآخرين بما فيه، لأن مجرد هذا القذف يوقعه هو فيما يحاول قذف غيره به، وتكون تلك آية لتحقق الوحي الذي نزل على المسيح الموعود: “إني مهين من أراد إهانتك”.

أما ادعاؤه أننا نفر من الشبهات وليس عندنا رد، فهذا كلام سخيف، فالردود هو يعرفها قبل غيره، والإخوة يردون بها عليه. وليته اقتصر على هذا الأمر، بل دفعته محاولات تبريره إلى قذفنا بما فيه من الخيانة والانتفاع والسذاجة والجبن لكي يقول للناس إننا لم نتخذ موقفه نفسه لأغراضنا، وأخذ يزداد يوما بعد يوما فحشا وسبا وتنابزا بالألقاب. أما جزئيات التناقضات والأكاذيب فهي كثيرة أيضا، وهي فروع لهذه الشجرة الخبيثة التي ما لها من قرار.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *