الشريعة هي منهج حياة، يختاره المسلم ويطبقه طوعا، ويهدف إلى تنمية الإحسان وإشاعته بين بني البشر، ليصبح عرفا وتقليدا مستحسنا في النهاية ويصبح جزءا من منظومة القيم والأخلاقيات في المجتمع ووجدان الأفراد. بينما القانون يفترض أن يُفرض من قبل غالبية الناس، ليطبق جبرا على الجميع، بهدف تحقيق العدل ومنع الاعتداء والضرر، وفي الغالب لا يترك أثرا يُذكر على الأعراف والتقاليد.
وباختصار يمكن القول:
الشريعة منهج حياة أخلاقي يهدف لتشكيل الوجدان والعرف، بينما القانون أداة جبرية لتنظيم السلوك العام وتحقيق العدالة.
وهنالك فارق جوهري آخر بين الشريعة والقانون في أدوات التطبيق والعقوبات، فالقانون يفرض نفسه جبرا من خلال العقوبات، أما الشريعة فوسيلتها هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي جوهرها التحبيب والحض على الحسنات واستنكار السيئات والنهي عنها سواء كان القانون يحارب هذه السيئات ويجرمها أم لا. فأساس الشريعة وهدفها تغيير القلوب وتحويلها نحو الحسنات، أما القانون فغايته معاقبة المخالف فقط أو ردع الناس خوفا من العقوبة.
لذلك من الخطأ الظن أن الشريعة الإسلامية مجرد قانون، كما من الخطأ الظن أن هناك شرائع دينية حقيقية غيرها. فإن كان هناك بعض التعاليم إلا أنه ليس هناك شريعة متكاملة في أي دين آخر، لأن الأديان الأخرى لا تُعنى بجميع جوانب الحياة ولا تحظى بالشمولية التي تحظى بها الشريعة الإسلامية، ناهيك عن كونها مؤقتة وكثيرا ما تعرضت للتلاعب.
وصحيح أن الشريعة الإسلامية تتضمن توصية بعدد قليل من العقوبات، كما تتضمن توصيات بقواعد للمواريث والأحوال الشخصية المتعلقة بالزواج والطلاق والأسرة، ولكن عدم إدراج هذه العقوبات أو تلك القواعد في القوانين يفترض ألا يقدِّم أو يؤخر عند المسلم الذي مطلوب منه تطبيق ما يستطيع وتجنب واستنكار ما حرمته الشريعة و اجتنابه.
ففيما يتعلق بقواعد المواريث والأحوال الشخصية يُفترض أن يطبقها المسلم بكل صدر رحب مبتغيا رضا الله، لا يتوقف فيه عند كل صغيرة وكبيرة، بل يختار الإحسان ويعطي فوق الحقوق فيما لو كان الأمر ملتبسا أو متنازعا فيه.
أما بالنسبة لما أوصت به الشريعة من عقوبات، فإن الهدف الأسمى ليس مجرد تطبيق العقوبة الذي يفترض أن يختاره القانون فيما لو اختار الناس ذلك، وإنما أن يستبشع المسلم هذا الأمر ويستقبحه ويستنكره ولا يتقبل فاعله ولا يسمح أن يصبح هذا الأمر عرفا مقبولا في المجتمع، وهذا ما نجحت الشريعة الإسلامية فيه وحققته بصورة رائعة.
فعلى سبيل المثال عندما أوصى القرآن الكريم بقطع يد السارق في قوله تعالى:
{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } (المائدة 39-40)
ذكر بعد ذلك صفتي الله تعالى العزيز الحكيم ليؤكد أن في الأمر حاجة يريد أن يحققها الله تعالى، ولا بد أن تتحقق بصفته العزيز الذي هو الغالب الذي لا يُغلب ولا يمتنع عنه شيء، وهو الحكيم الذي وراء أمره هذا حكمة بالغة. فلو كان المراد مجرد تطبيق العقوبة، فمعلوم أنها لا تطبق ولم تطبق إلا نادرا، فحاشا لله أن يمتنع عن مشيئته شيء وهو العزيز لو كان مراده تطبيق العقوبة فحسب، أما الحكمة فتشير إلى أن وراء هذا الأمر أن يصبح فعل السرقة مستبشعا مستنكرا، ويصبح السارق منبوذا غير مكرم بحيث يفكر ألف مرة قبل ارتكاب سرقته، ويعاني بعد ذلك من رفض المجتمع لهذا العمل الذي لا يمكن أن يتقبله أو أن يعدَّه أمرا عاديا.
ويجدر الانتباه إلى أن الآية قد استخدمت صيغة اسم الفاعل “السارق” ولم تأت بصيغة “من سرق” لتشير إلى أن هذه العقوبة القصوى إنما يستحقها لص محترف امتهن السرقة أو مسئول فاسد يسرق مبالغ كبيرة يستحق بها أن يوصف بالسارق المطبوع على السرقة، وليس مجرد من سرق مرة أو من سرق شيئا بسيطا. فقطع اليد إضافة إلى كونه توصية بعقوبة يمكن أن ينص عليها القانون، يتضمن معنويا جانبا هو أهم المقصود من هذه التوصية؛ وهو استبشاع السرقة واستنكارها ومحاولة منعها سواء بالخشية من العقوبة فيما لو كانت ضمن القانون أو ما يمكن تسميته بالردع، أو مما سيواجهه السارق من تضييق يستحقه لمخالفته عرف المجتمع. فقد يتضمن قطع اليد معنويا إقالته من عمله فيما لو كان في مسئولية، وعدم تمكينه من مسئولية أخرى، وعدم الارتباط معه في الأعمال أو في صداقة أو مصاهرة مثلا، بصفة أن اليد هي أداة العمل ووسيلة التعبير عن الارتباط في عقود العمل أو المصاهرة أو في التعبير عن الصداقة والحميمية في المصافحة، إلى أن يتوب توبة نصوحا ويرد المظالم ما استطاع. فهو مقطوع اليد إلى أن يتوب ويصلح، وكأن توبته تنبت له يدا من جديد! ومما لا شك فيه أن هذا متعذر فيما لو كان سيئ الحظ وقطعت يده فعلا بحكم قانون، فلن تجدي التوبة نفعا ولن تعيد له يده المقطوعة! وهذا يؤكد أن الجانب الأهم المقصود والمتحقق إنما هو ما يتعلق بالعرف المجتمعي الذي تريده الشريعة، سواء قطعت يده بالقانون أو لم تقطع، وأن فعل القطع يمكن عكسه بالتوبة في كثير من الأحيان.
لذلك، فبتأثير الشريعة، نجد أن المجتمعات المسلمة كانت ولا زالت تستقبح السرقة وتستنكرها، ولم تصبح السرقة شيئا مقبولا. ولكن الشريعة تطلب أيضا ما هو فوق مجرد الاستقباح والاستنكار في هذا الأمر القرآني، بل تحذر من التعامل مع السارق وبخاصة المسئول الفاسد الذي أثرى من غناه أو التاجر الفاسد المتورط في السرقات بدعم من السياسيين على أنه رجل مرموق يتسابقون في التعامل معه اجتماعيا أو في الأعمال، بل توصي أن يقطعوا صلتهم به ولا يضعوا يدهم في يده، ويصبح قطع اليد هنا إنما هو ما سبق وليس مجرد العقوبة القانونية سواء تضمنها القانون أم لا. وهذا الجانب ذو أهمية بالغة في التعامل مع اللصوص والفاسدين في وقتنا هذا، خاصة أن هناك من يرونهم أنهم أناس محترمون موقرون.
وقد يقول قائل إنه ما دام الأمر كذلك، فلماذا التوصية بالقطع الفعلي إذن؟ والجواب هو أنه لردع هذا السارق الفاسد. فهو لو علم أن مآله سيكون قطع يده لو كان القانون يفرض هذا لارتعدت فرائصه وجفل من مجرد التفكير في السرقة؛ لأنه إنما يسرق ليتمتع بما سرق، فإذا قطعت يده لن يتمكن من ذلك. ناهيك عن أنه في كل الأحوال، لو علم أن المجتمع لن يتقبله فهذا سيؤدي إلى رادع إضافي، ولكن رفض المجتمع له متعلق بوقوعه في السرقة أولا. فالشريعة جاءت لتغلق الطريق من قبل ومن بعد.
وبالمثل، ففيما يتعلق بجلد الزانية والزاني، فإن الهدف إنما هو استقباح الزنا واستنكاره وإدانة الزناة وعدم تحوِّل الزنا إلى عرف مجتمعي مقبول يحظى أصحابه بالشرف والتكريم. يقول تعالى:
{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } (النور 3)
وجدير بالذكر أن الآية أيضا تذكر الزانية والزاني بصيغة اسم الفاعل أيضا، وهذا إشارة إلى من امتهن الزنا أو من جاهر به وعُرِف به، وليس مجرد من زنا، وذَكر الزانية قبل الزاني لأن النساء هن من يمتهن عادة هذه المهنة. ومعلوم أن تحقق شروط إيقاع العقوبة الفعلية صعبة التحقق وفقا للشريعة بحيث لم تثبت ولا مرة واحدة في تاريخ الإسلام. فكيف يمكن أن يأتي أربعة شهداء يشهدون أن الزنا قد تمَّ بالكامل ووصل إلى ذروته إلا إذا كان الزانيان يمارسان هذا في مكان عام أو كانا يريدان أن يرى الآخرون هذا الفعل؟
فما دام الأمر كذلك، فإن أهم ما تطلبه الشريعة هو استبشاع فعل الزنا واستنكاره وعدم تحوله إلى أمر مألوف وعرف مقبول، كما هو الحال في المجتمعات الغربية حاليا. وتحذر الشريعة من التعامل مع الزناة على أنهم أناس مرموقون تحت مسمى الفنانات والفنانين كما هو الحال في الغرب، أو أن يسعى المجتمع لتقليدهم ولو جزئيا وإن لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من الإباحية الكاملة، وهنا ينتقل معنى الجلد من مجرد العقوبة إلى معنى معنوي هو الاستنكار التام وعدم التقدير والاحترام، وتصبح المئة جلدة إشارة إلى الكمال وليس مجرد العدد، وهذا هو الجلد المعنوي المطلوب.
ومعلوم أن الضرب عموما إن كان عقوبة هدفه توبيخ المضروب وتبيان بشاعة ما فعل وإهانته أمام الآخرين، ليس بقصد مجرد الإهانة، وإنما لكي يروا أن ما فعله مخزٍ ومهين. فسواء جُلِد الزناة فعليا أم لم يجلدوا، فهذا هو ما يستحقونه وما ينبغي أن ينطبع في ضمير المجتمع. فإذا كان المجتمع يستنكرهم ولا يكرمهم وترسخ هذا في ذهنهم أنهم يستحقون الإهانة لا التكريم فقد تحقق الغرض من الشريعة ووقعت عليهم العقوبة المعنوية أيضا. فلا يستحق هؤلاء التكريم ولا التعظيم، بل هم أناس أهانوا أنفسهم وأخزوها، وهم ليسوا من صفوة المجتمع ولا من نجومه كما بدأ الناس حاليا ينظرون إليهم. واليوم، فرغم أن عددا كبيرا من الشباب يتابعون نجوم السينما والأفلام الإباحية وعارضات الأزياء وغيرهم إلا أنهم لا يتقبلون أن تتبع نساؤهم هذا النموذج. وقد يبدو في الأمر ازدواجية، ولكنه في الحقيقة رادع يؤدي في النهاية إلى عدم الانغماس في هذه السيئات وعدم تقبلها. وهكذا، نجد أن المجتمعات الإسلامية لا يمكن أن تتقبل ما وصل إليه الغرب من تسويغ الزنا واعتباره عرفا، حتى وإن تورط كثيرون في الزنا، كما لا يتمنى أحد أن تكون أمه أو زوجته أو ابنته كمثل هؤلاء، ولا يحب أن يعرف هو بالزنا حتى لو ارتكبه أو مال إليه. ووجود هذا العرف الاجتماعي أدى إلى قدر كبير من حماية المجتمع من المخاطر كما أراد الله تعالى من خلال الشريعة.
بقي التأكيد على أنه لا حاجة هنا إلى تبيان أن الرجم الذي ألصق بالشريعة الإسلامية بهتانا وزورا، ليس منها في شيء، وأدلة ذلك كثيرة، أبسطها أن الآية تبين أن الحكم قد جاء عاما دون تفريق بين كون الزاني محصنا أو غير محصن، وأدلة نفيه وتبيان ما التبس فيه ليس هذا مقام شرحها.
ولتأكيد ما بينَّا سابقا نجد أن الخمر والقمار قد أمرت الشريعة باجتنابهما دون أن توصي بعقوبة، ومع ذلك فقد تحقق الغرض من الشريعة بأن اقتلعت اعتبار شرب الخمر أمرا معتادا ومقبولا وفق عرف المجتمع، ونجحت في اجتثاثه من مجتمع كان غارقا في الخمر، وصار الخمر مستنكرا مستقبحا، وتحظى المجتمعات المسلمة اليوم بنعمة غياب مضار الخمر وكوارثه التي في المجتمعات الغربية كالقيادة وارتكاب الجرائم تحت تأثيرها، مما اضطر الغرب أن يشرِّع قوانين لضبط هذه الظاهرة من تحديد سن من يحق له شراء الخمر إلى قوانين منع القيادة تحت تأثير الكحول وغير ذلك. فهذا من بركات الشريعة الإسلامية التي حظيت المجتمعات المسلمة بها. فشرب الخمر، وإن مارسه المسلمون، فلا يمكن أن يتقبلوه كعرف أو أن يصبح منتشرا كما هو في الغرب اليوم، وكان و ما يزال وسيبقى مستنكرا.
كذلك فقد اختفت مظاهر القمار التي ربما لم يكن ظاهرا مدى الضرر الذي قد يترتب عليه حين حرمته الشريعة. فنرى اليوم إمبراطوريات تقوم على القمار في الغرب وتتلاعب في المجتمع والسياسيين بل وبمصير العالم نتيجة لهذه الآفة التي قد يراها البعض مجرد وسيلة للمتعة. والخلاصة أنه مع غياب نص العقوبة في هاتين المسألتين، فإن الشريعة قد عملت عملها بصورة رائعة باستنكار هذه الأفعال واجتثاثها. وهذا يؤكد أن الغاية النهائية منها ليس مجرد تطبيق عقوبات كما القوانين، بل جعْل الحسنات والإحسان منهج حياة، ونبذ السيئات ووقاية المجتمع منها.
وفيما يتعلق بالأحوال الشخصية، فإن الشريعة تحض على تأدية حقوق الزوج والزوجة في الزواج والطلاق، طاعة لأمر الله تعالى وطلبا لرضاه، بغض النظر عما يقرره القانون. ويوجب على المؤمن أن يؤدي زيادة على ما يقرره القانون فيما لو كان القانون ينتقص ما فرضته الشريعة أو يعطيه حقا ليس من حقه، كما يوجب عليه ألا يتمسك حتى بقواعد الشريعة ويتشدد فيها وإنما أن يجعل الإحسان هو الطابع لتصرفاته، فلا ينبغي أن يتعسف في حق تقرر له ضرارا، وينبغي أن يكون طابع تصرفه في الزواج هو المعروف وأن يطغى الإحسان على تصرفه في حال الطلاق، وهذا يتعلق بكل من الرجل والمرأة. ولو التزم المؤمنون بذلك لزالت الخلافات التي كثيرا ما ترهق الأسر والنظام القضائي.
أما مسألة الميراث، فهي توصية للمسلم إن لم تكن قد اعتمدت قانونا، وإن لم يكن أحد راغبا بهذا، فيمكنه أن يخالف هذه الوصية ويكتب وصيته بالحصص التي يريد في أغلب الدول، أو أن يقوم بإجراءات تقسيم قبل موته فيما لو لم يسمح القانون، وليس في هذا أي نوع من الجبر أو الإكراه. ومن لا يعجبه هذا التقسيم -الذي قد ثبت أنه التقسيم الأنسب حتى لغير المسلمين؛ إذ يعتمده المسيحيون في القانون المتعلق بهم في الأردن مثلا باختيارهم- فيمكنه مخالفته، تلك المخالفة التي هي بدعوى منافقة مردُّها أن الرجل مفضل على المرأة، مع أن هذا غير صحيح، وهناك حالات كثيرة يكون نصيب المرأة فيه أكبر من الرجل في الشريعة.
وهكذا رأينا الفارق بين الشريعة وبين القانون، وأن الشريعة ليست قانونا وإنما منهج حياة يهدف إلى أكثر من مجرد تحقيق العدالة بل إلى الإحسان الذي لا يبتغي منه المؤمن جزاء ولا شكورا، وأن هدفها النهائي إنما هو خلق أعراف وقيم وبيئة سليمة في المجتمع تقاوم الشر وتنمي الخير، وأنى لقانون أن يبلغ شأوها أو أن يحقق غايتها.

لا تعليق