خلال هذه الفترة، ورغما عني، أجدني أصادف المنشورات والفيديوهات المتنوعة عن البطولة العربية لكرة القدم، والتي رأيت فيها العجب العجاب، وأدركت عمق المصيبة التي نحن فيها، بل وتيقنت أن هذه اللعبة تساهم في تعميقها.
وفي رأيي هي في الحقيقة قد تحولت إلى ميدان لعبة حرب عبثية بين بلدين، قد تؤدي إلى أحقاد وعداوات، أو قد تؤجج أحقادا وعداوات موجودة أصلا، وقد تتطور إلى أبعد من ذلك بكثير، بما فيه الحرب الفعلية.
وقد سجل التاريخ أن حربا قامت ذات مرة بين بلدين هما السلفادور وهندوراس عام 1969 في أعقاب مباراة لكرة القدم في تصفيات كأس العالم لعام 1970، وراح ضحيتها الآلاف، وقطعت العلاقات الدبلوماسية لسنوات. وصحيح أن بذور الخلاف كانت موجودة في الأصل، ولكن كرة القدم قد أشعلتها.
وفي عالمنا العربي، رأيت خلال هذه الفترة التي تقام فيها البطولة العربية، مظاهر غير مريحة على الإطلاق، وسأتطرق لبعض هذه المظاهر بذكرها.
فالجمهور العراقي وبعض المعلقين يرون أنها حرب بين الشيعة والسنة، ويستخدمون الرموز الدينية في هتافاتهم، ويحرضون بعضهم بعضا، ويرون في أهل الشام وكأنهم جنود بني أمية، وكيف إذا كان حارس مرمى الأردن يسمى “يزيد”! لذلك فالأمر عندهم ليس مجرد لعبة، بل هي جولة لا يريدون أن يخسروها، لذلك لا يمكن أن يتقبلوا الخسارة، وسيحاولون تبريرها وكأنها لم تحدث إلا بسبب الخيانة والمؤامرات كما نجح الأمويين في اغتيال الحسين رضي الله عنه، وإلا فإن منتخبهم الذي يناصر آل البيت لا يمكن أن يُغلب!
وعندما خسر المنتخب المصري مع نظيره الأردني، نظر المصريون إلى الأمر وكأنه كارثة وطنية، وقامت الدنيا ولم تقعد، وهذا ليس لنقمتهم على سوء الإدارة لديهم فحسب، بل بسبب أن الأردن لم يكن لها تاريخ في كرة القدم، وكأن لسان حالهم يقول: من هؤلاء الذين خسرنا على يدهم؟ كما تبين أن السبب الرئيس هو أنهم في الأصل قد تكبروا على البطولة العربية بمجملها واستخفوا بها ولم يرسلوا منتخبهم الأول!
وعندما تعادل المنتخبان الفلسطيني والسوري، ولا شك أنهما آثرا ذلك لكي يصعدا إلى الدور الثاني، بسبب فرحتهما بتحقيق بعض النتائج رغم الظروف الصعبة التي يعانيها البلدان، رأى أفراد من الجمهور التونسي أن الأمر كان مؤامرة عليهم، وقرروا أنهم لن يدعموا فلسطين في المستقبل، وسيتخلون عن المقاطعة وسيشربون كوكا كولا!
وفيما يتعلق بما يسمونهم بالمحللين، قد بدت البغضاء والاحتقار لشعوب لدى العديد منهم، وحتى لو فاز الفريق الذي يحتقرونه أو لا يحبونه فسيقولون إن الفريق الثاني كان يستحق الفوز لأنه كان أفضل فنيا! مع أنهم في الواقع في تحليلاتهم لم يتوقعوا إلا بناء على تاريخ المنتخبات على ما يبدو وليس بناء على ضوابط أو أمور فنية، إلا قليلا.
وفي هذه الأثناء، نشط أعداء الأمة في الترويج للخلافات والعداوات والاتهامات الكاذبة لتأليب الشعوب على بعضها البعض. فمن أسوأ ما نعيشه في هذا الزمان أن هناك كيانا مارقا فاسدا يمارس دور المرأة الفاسقة النفاثة في العقد، ولديها وحدة خاصة تقوم بإنشاء حسابات وهمية تشتم وتؤجج الفتن، فينجر الجهلة والحمقى ويتبادلون الشتائم والاتهامات، وقد استغلوا مسألة السنة والشيعة في التحريض بصورة رخيصة. كذلك فعلى سبيل المثال، ففيما يتعلق بالأردن، ظهر من يقول إن هذا اللاعب من أصل فلسطيني وذاك اللاعب شرق أردني، وهذا مسلم وهذا مسيحي! ومن قبل قد أنشأوا حسابات تثير الفتنة، وقاموا بإنتاج مواد بالذكاء الصناعي من المؤكد أن أصحابها لا يعيشون في الأردن ولا يعرفونه، بسبب الاختلافات الدقيقة في اللهجات، تحاول إثارة الفئتين الكبيرتين من الشعب الأردني على بعضهما.
وعلى كل حال، فلعله من المفيد الاستذكار أن هذه اللعبة لا تؤشر على مستوى رقي أي بلد أو مستوى تحضره، ولا على قوته السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية، ولا على أي شيء مما قد يكون مدعاة للفخر الحقيقي. فمعلوم أن أمهر الدول في هذه اللعبة هي دول عالم ثالث كالبرازيل والأرجنتين، ويشترك معها بقية دول أمريكا اللاتينية الغارقة في الفقر والفساد، والتي تعبث بها وبمقدراتها الولايات المتحدة، وقد تدخلت عسكريا في العديد من الدول منذ بداية القرن العشرين، وكان من آخرها التدخل في بنما والقبض على رئيسها عام 1989. فكل ما يمكن أن تؤشر إليه كرة القدم هو أن هناك مدربين ولاعبين يتقنون هذه اللعبة بسبب التمرس والخبرة المتراكمة لا أكثر.
والأهم هو أن خلف هذه اللعبة هناك اتحادا يجني المليارات، وقد ثبت تورط القائمين عليه في فساد كبير، ولا يهمهم في النهاية سوى جني المال. والنوادي هي ليست أكثر من مجال من مجالات “البزنس” أو الأعمال، ولا تمثل أي شيء، وتشتري وتبيع اللاعبين. كما أن العديد من المنتخبات وخاصة في بعض البلاد العربية إنما هي من لاعبين مجنسين خصيصا فقط ليلعبوا باسم البلد، ولا علاقة لهم بالبلد لا من قريب ولا من بعيد. وهذا لا يقتصر على الدول العربية فحسب، فمن الطرائف التي كانت في كأس العالم قبل السابقة التي فازت فيها فرنسا، هو أن اللاعبين في معظمهم كانوا أفارقة، وقد قيل يومها أنهم عندما يحققون الفوز فكانوا يقولون عنهم فرنسيون، وفيما لو خسروا كانوا يقولون عنهم مهاجرون! فهم يمثلون فرنسا فقط فيما لو فازوا! وهذا ما قد أثير في وسائل الإعلام حينها بنوع من السخرية.
يحضرني أخيرا أن القرآن الكريم عندما حرم الخمر والميسر وذكر مساوئها، ذكر أن فيها بعض المنافع للناس أيضا، لذلك لا يمكن أن ننكر أن لهذه اللعبة بعض الفوائد القليلة التي يمكن الاستثمار فيها، والتي أرى أن منها أنها تعطي للناس نوعا من الفرحة والتسلية في خضم هذه الأجواء الكئيبة التي يعيشونها، وبتقديري أيضا أن من الجوانب الإيجابية هو إظهار الجوانب السلبية ليتم تداركها والعمل عليها. فهذه الأحقاد والضغائن غير المبررة والكبر المقيت الذي يرغم أصحابه في النهاية ربما لا سبيل للاطلاع عليه إلا في مناسبات كهذه.

لا تعليق